ثقافة المقال

فراشة تعشق الضوء

عبد الكريم ساورة

الحياة امتحان للحب، هذا أول درس يجب أن نتعلمه مند الصغر، لكن للأسف لم نتعلم سوى أشياء تخص الكبار، كنا صغارا نجري ونتبع الفراشات بحماس الصياد الماهر من أجل القبض عليهن كأنهن سجينات هاربات من سجن بعيد، فنقطع جناحيها المضيئة ونقوم بتفتيتها بنوع من العدوانية المتأصلة، ونرمي بهما في الأرض ونحن نشعر بالنشوة، بالإنتصار كأننا نحارب العدو. هل هذا كل شيء ؟
إننا نتعلم القتل كأول درس، وتكون الحشرات الصغيرة أول الضحايا، هذه أول حرفة يتعلمها الإنسان من أجل أن يقدم أو ربما يتبث إنسانيته المتميزة، وبهذه العملية القذرة نعلن عن تحول أو انحراف جذري في وجدان الإنسان الكافر بحق الكائنات الأخرى.
من هنا تبدأ قصة الإنسان في الإعتداء على الآخرين، في تعلم الحرب، وتبدو له صغيرة جدا، لكن سرعان ما يطور أدواته من أجل أن يستعملها هذه المرة من بني جنسه، وهنا يبدأ الانحراف الكبير في مساره نحو سلسلة من المغامرات ، مرة باسم الدين والفضيلة، ومرة باسم المذاهب الليبرالية والاشتراكية ومرة باسم العدالة الإلهية، يالها من خدعة دنيئة ترتكب كل يوم في حق البشرية.
الغاية تبرر الوسيلة، هذه واحدة من الدروس النفيسة التي نتعلمها باكرا، فتجري في عروقنا، ومع توالي الأيام تصبح عقيدة نتبناها وندافع عنها، وبذلك نؤسس لحياة يسودها المكر والخداع، فندشن سلسلة من الضربات، للمقربين والأصدقاء، أما الأعداء، فإننا نظل نحترس غدرهم، كما يظل هم بدورهم يحترسون غدرنا، إنها في نهاية المطاف لعبة الحذر من الخطر بين أطراف يشبهون بعضهم البعض.
وماذا عن الفضيلة ؟ والزهد فيما يملكه الآخرون، فكلنا نرفعه كشعار نضيء به وجودنا المظلم، إننا نعشق الضوء كالفراشات حتى لانرتطم بالجدار، الفرق الوحيد هو أن الفراشات تطير من أجل أن تعطي للمكان جمالا ورونقا من خلال ذلك الخليط من الألوان اللامعة، فتشعرنا بالسلام والطمأنينة، أما الإنسان فإنه في كل مناسبة يضع قناعا ” ألذغ ” من القناع السابق، إنه أفاعي بسموم قاتلة ومدمرة، وكلها تتم باسم المبدأ العظيم وهو الفضيلة.
الإنسان مع مرور آلاف السنين، يتبث عن جدارة واستحقاق أنه كائن صغير، لم يكبر بعد، لازال يبحث عن طرق جديد في قتل الفراشات الجميلة، وفي البحث عن وسائل جديدة لقتل أخيه الإنسان بكل الطرق البشعة، ومع ذلك فإنك تجده طول الوقت يبكي ويشكي حاله، معتبرا نفسه أكبر ضحية.
كاتب وناقد مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق