ثقافة المقال

أمراض الذات العربية وعلاجها في كتاب: “قيم معطلة في المجتمعات العربية”

د. ماجدة حمود

ثمة سؤال يلح على كل إنسان مفكر لماذا نحن متخلفون، مع أن مشروع النهضة بدأ منذ أكثر من مئة عام؟ لماذا سبقنا آخرون شاركونا الانتماء إلى العالم الثالث؟ ما أسباب ضعفنا؟ وكيف نتجاوزه؟

يحاول صالح الفهدي في كتابه “قيم معطلة في المجتمعات العربية” (الذي صدر عن دار الفكر بدمشق، 2010) أن يجد جوابا لبعض تلك الأسئلة، فبدأ بتحميل الإنسان العربي المسؤولية عن تعطيل قيم الحضارة والتطور وإفساحه المجال لقيم تنشر التخلف وتؤسس للضعف، لهذا نخرت الأمراض روح مجتمعنا العربي وجسده، واتسعت الهوة بيننا وبين الآخر الغربي، من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب، إذ يحدد لنا أين يكمن الخلل؟ وكيف نعالجه؟

إن ما يلفت النظر في هذا الكتاب هو أسلوبه البسيط، يستند من أجل إقناع المتلقي على نصوص من التراث، ليثبت له أننا نملك أدوات التطور، لكننا لا نستخدمها! كما يستند إلى قصص واقعية حدثت في مجتمعنا العربي، كي يفضح ما وصل إليه العربي من دمار خلقي وعلمي! وهو بالإضافة إلى ذلك يستند على نصوص غربية أسهمت في صنع الحضارة! لهذا بدا منفتحا على حضارة الآخر رافضا نظرية المؤامرة، فالآخر ليس مسؤولا عما وصلنا إليه من تخلف وضعف، مثلما لا نستطيع أن نجعل تراثنا الديني مسؤولا عن ذلك، لهذا يواجه  العربي بأخطائه في حق نفسه وأمته!! فقد قام بتعطيل القيم التي بنت حضارة مازلنا نفتخر بها! وقد جعل اللغة الفصيحة أول القيم المعطّلة، فعطّل بذلك روحه وفكره وحسه معا! ونتيجة ذلك بدأت تضيع منا معاني جسدتها! وبات الهوس بلغة الآخر يجسد تبعية لغوية أي تبعية روحية وفكرية وشعورية! ولهذا لن نستغرب إهمال قيم مثل: العلم والوقت والعمل والحوار، واحترام الآخر المختلف… فقد عطّلنا قيمة التفكير والتسامح والثقة بالذات، مثلما عطّلنا النقد والتعلم والاجتهاد! فضيعنا قيما تسهم في التطور، وبتنا نريح ضمائرنا  بترديد مقولة أننا ضحايا التآمر، لنهرب من مواجهة الذات وإصلاحها، مع أننا ندّعي الخوف من سحق العولمة لقيمنا الأصيلة، مع أنها مهدورة أصلا، فالجميع يخاف على الهوية لكنه يهمّش اللغة الفصيحة، أما القيم الإسلامية (التفكر، العمل الصلح المرتبط مع الإيمان بالله، التسامح، العدل، المحبة، الصدق….) فتكاد تكون معطّلة لصالح طقوس دينية شكلية! من منا يمارس جهاد النفس من أجل تلك القيم التي تشكل هويتنا، وتهبنا تميزا نستطيع عبره مواجهة العولمة، وضياع أصالتنا!؟  لهذا كله يبيّن لنا المؤلف العماني (صالح الفهدي) أهمية تفعيل قيم الإيمان في حياتنا! وأن أفظع ما نعانيه هو هذه الازدواجية بين القول والفعل مع أن الآية الكريمة تحذّرنا “كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون.” فالجميع يجيد الكلام (عن أهمية الوقت والعلم والعمل…) لكن حين نبحث عن تجسيد هذه القيم في حياتنا اليومية نصاب بخيبة أمل! فمثلا أين المسلم الذي يجسد في حياته ما يردده في صلاته كل يوم “اهدنا الصراط المستقيم.”!!!؟ لعل أهم ما يميز هذا الكتاب أنه قدّم نصوصا دينية وتراثية تحمل قيما تنهض بأرواحنا وعقولنا، وترشدنا إلى أن التغيير يبدأ من ذواتنا “لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.” وهذا التغيير يبدأ بإعلاء شأن العمل الذي حض عليه الدين يقول (ص) “إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها.” مثلما حض على العلم حتى إن أجدادنا العرب يقولون: “لا يزال المرء عالما ما طلب العلم، فإن ظن أنه قد علم فقد جهل.” وهذا ما يحصل لدى كثير من أبناء العربية، ما إن يحصلون على الشهادة حتى يكون آخر عهدهم بالكتاب والقراءة، فالبركة في الفضائيات والمسلسلات، أما المصيبة الكبرى فهي في طرائق التعليم التي تنحصر في التلقين، وتحويل الطلاب، سواء في الجامعة أم في الابتدائي، إلى آلات حافظة، بعد أن تمّ إلغاء الجهد الشخصي في تحصيل المعرفة، فألغينا متعة التعليم الذاتي، لهذا شاع الضجر من العلم، بل كراهيته! (انظروا إلى الكتب المدرسية الممزقة في شوارع دمشق بعد انتهاء الامتحان آخر العام الدراسي).. لقد نشأ جيل يهرب إلى السهولة، همه الجهد الأقل! من أجل أن يتفرغ لتضييع وقته في التفاهات، حتى أصبح لا علاقة له بقسم الله تعالى بالزمن “والعصر إن الإنسان لفي خسر” ونسي أن أجدادنا عاشوا هاجس الوقت، لذلك ابتكروا ساعة مدهشة أهداها هارون الرشيد لشارلمان! إذاً تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه أشار إلى أن كثيرا من قيم الحداثة التي صنعت الحضارة الغربية تتوافق مع قيم دعانا إليها الإسلام ، وعاشها أجدادنا، لكننا اليوم قمنا بتعطيلها، وعشنا حالة من الردة الروحية والفكرية، حتى أصبحنا لقمة سائغة في نظر الآخرين، فلا يكتفون بنهب ثرواتنا، بل يستلبون هويتنا، ويغروننا بقيم استهلاكية تدمر إمكانية نهضتنا!  لهذا كله أكد مؤلف الكتاب أن علاجنا بيدنا، لهذا لابد من التغيير الذاتي، الذي هو اليوم إحدى القيم المعطّلة في مجتمعنا، كي نشارك في الحضارة الحديثة، فلا نكون عالة على الآخرين، نقلّدهم، فنلغي قيما أصيلة تدفع مسيرتنا للأمام! لأن المشاركة الحضارية لا تكون بالتعلم من الآخر فقط، بل بالابتكار وتجديد الذات والثقة بقدرتها!  إننا لن نستطيع تحقيق ذلك كله إلا إذا استعدنا قيما أصيلة ضيّعناها، حين ظننا أنفسنا فوق الآخرين و فوق النقد!

يلاحظ أن الهموم التي تحدث عنها المؤلف يعاني منها المجتمع العربي بأكمله، لهذا كان من الأجدى استخدام كلمة مجتمع عربي لا مجتمعات في العنوان! كما كنا نتمنى لو توقف عند مسؤولية السلطة الحاكمة عن تعطيل القيم والتأسيس لثقافة مستوردة!  إن ما يدعو للتفاؤل اليوم أننا بدأنا نجد في المكتبة العربية كتبا إلى جانب هذا الكتاب تمارس النقد الذاتي  (للدكتور علي زيعور،  د. نبيل علي، ود. مصطفى حجازي…) فتستطيع أن تمهد الطريق أمامنا لنعرف أخطاءنا، ونتمكن من تجاوزها! لنكون أبناء عصرنا لا عبيده!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق