قراءات ودراسات

هدمُ الموروثاتِ في “نبيذ الموت” للشّاعرة نسرين كمال

ميرنا الشويري 

لا تحملنا الشّاعرة نسرين كمال في كتابها نبيذ الموت على بساط كلماتها فقط لنتجوّل معها في أعماق الإنسان بل تدعونا إلى قتل ذاتنا القديمة وهدم الموروثات الاجتماعية البالية، لكي نخلق لنا ” ذاتًا جديدة على الأنقاض، وربّما لذلك اختارت عنوان “نبيذ الموت” لكتابها. وفي دعوتها هذه تعرّي المجتمع الذي يحتشد بالكثير من المفارقات، وترسم عالمًا جديدًا تمزج فيه بفوضوية خلّاقة بين المسرح و الأساطير والفلسفة ومقولات جديدة.
في قصيدة “الحضارة” تزيل الشّاعرة القناع عن المادّيّة التي تشوّه الإنسان، فتقول: “في القاع يغوص الغرقى والمشوّهون” وتغرق الكلمات الصادقة التي “اختلط فيها الحبر بالماء المالح.” ولعلّ الشّاعرة هنا تشير إلى أنّ المعرفة التي كتبت بصدق لا قيمة لها في العصر المادّيّ. ونتلمّس في هذه القصيدة خوف الشّاعرة من أن تدمّر المادّيّة ما تبقّى من روح الشّرق، فتقول: “البلادُ العتيقةُ تحومُ كعطرٍ مخنوقٍ”
تبوح الشّاعرة في هذه القصيدة بالسّبب الذي يجعلها ترى ما لا يراه الآخرون:
رأيتُهم في الحلكةِ
حينَ أعمتْني الأضواءُ
وحينَ فرغَتْ حقائبي
من وجهاتِ السّفرِ
تشير هذه الأبيات أنّ التقاليد العمياء تغرق الشرقيين في الظّلام، لكن ما جعلها ترى ظلام الشّرق هو الأضواء، وهي رمز للحقيقة التي أمحت كلّ مخزونها التقليديّ. ولعلّ هذه دعوة الى الاستسلام إلى حقيقة جديدة حتى ولو حولت الإنسان إلى غريب يعيش على حدود لا تنتمي إلى أيّ بلد. فشكّ الشّاعرة بموروثات مجتمعها حوّلها إلى مشرّدة تشكّ حتى بدفء نار الأجداد:

كلّ ما قيلَ
عنِ الدّفءِ
في مواقدِ الأجدادِ
لا يشعلُ عودَ كبريتٍ
لطفلةٍ مشرّدةٍ
في امرأةٍ
و في “القبيلة” تقول:
تلكَ النّارُ باردةٌ
و في القصورِ الهجينةِ
تحشرُ القبيلةُ الأرضَ
خلفَ ورقِ تينٍ
تبيّن لنا الشّاعرة في هذه الأسطر المفارقات في المجتمعات الشرقيّة العشائريّة التي تقلّد الغرب فقط في القشور، لكن الجوهر لم يتغيّر، إذ أنّ شرف العائلة ما يزال يرتبط بعذريّة المرأة، وهذا بالتالي يؤدّي الى الكبت الجنسيّ، والحدّ من الفكر الإنسانيّ، كما تقول الشاعرة: ” تحشرُ القبيلةُ الأرضَ خلفَ ورقِ تينٍ”.
المفارقة أنّ أغلى سلعة في المجتمعات الشرقيّة هي الجسد، وهذاما يؤكّده المفكّر جان بودريارد، لكن الشّاعرة تقدّس الجسد عندما ترمز إليه “بالوردةِ في أعالي الرأسِ، وردة في أعالي الأرضِ” لتحرّره من صورته المشوّهة، وتعيد إليه إنسانيّته.

تهدم الشاعرة بعض المقولات المتطرّفة للنسويّة العالميّة والعربيّة، فتصف عشتار في “العطش” كالتالي: “وجهُها ينوءُ بالشّحوبِ والعطشِ” وهذه الصورة الشّاحبة لعشتار تجرّدها من ألوهتها، وهكذا تنقض كمال مقولة أساسيّة للحركات النسويّة العربيّة المتطرّفة، وهي أنّ المرأة أحقّ من الرّجل بالسّلطة، والدّليل أنّ الآلهة القديمة أناث.
في قصيدة “عشتار” تحاول الشّاعرة أن تخلّص المرأة من أسطورتها التقليديّة، فتقول: “تحملُ زهرتَها الفطريّةَ خارجَ الأسطورةِ …تمدّ يدها للمسافاتِ الشّاغرة… المرأة الرّجلة تميت آدون (الرجلُ المؤنّث ينمو في الغموض) … عشتار تولد.” تعطي الشّاعرة المرأة في هذه الأبيات دورًا” غير مألوف وهو خلق السوبرمان النيتشويّ الذي ترمز إليه بآدون. وهذا يذكّرنا بحركة “المرأة السوداء” التي رفضت أن تسمّى بالنّسويّة، كي لا تفصل حقوقها عن الإنسان الأسود. والمعروف أنّ المرأة السوداء لعبت دورًا أهمّ من الرّجل في تحقيق العدالة لشعبها، ولقد واجهت أكاذيب النسويّة الغربيّة التي ساعدت الدول الإمبرياليّة في تشويه صورة المرأة السوداء.
تسلّط الشّاعرة الضّوء على دور جديد للمرأة تكاد لا تذكره الحركات النّسويّة العربيّة، وهو بناء الأمّة. ففي “بيروت” تقول: إنّ بيروتَ لم تولدْ بعدُ.
تجدر الإشارة هنا أنّ معظم المنظّرين في الحركات النّسويّة وأهمّهم هيلين سيكسو يؤكّدون بأنّ المرأة التي قاتلت الاستعمار همّشتْ من قبل شعبها بعد استقلال الأمّة.
ربّما لهذا السبب تدعو الشّاعرة إلى خلق أمّة جديدة يكون للمرأة فيها دور تستحقّه، لأنّها لم تضحّ بنفسها فقط بل قدّمت شهداء للوطن. وهذا ما تذكره الشّاعرة في قصيدة “القميص”

و بعد عملية الهدم تخلق نفسها وعالمها الجديد في لغتها، وهذا ما تذكره في القصيدتين : اللغة والنّصّ. وهي تحثّ المرأة على خلق نفسها الجديدة من خلال الكتابة، ففي قصيدة اللغة تقول:
وأنا
تعبرُ اللغةُ جسدي
وتتركُ آهاتِها في الخاصرةِ
تصرخُ في حنجرتي
وأراها
طفلةً تمدّ يديها للمطرِ
وعجوزاً تمتلئُ بالكنوزِ
هذه الأسطر تعكس ولادتها في لغتها، وتصبح صوتها الوحيد، إذ إنّها تصرخ في حنجرتها، وهذا يشير إلى أنّ لغتها المبتكرة لا تسمح لتسرّب أيّ صوت من أصوات المجتمع. ولغتها هذه قدرها منذ الطفولة إلى الكهولة.
لكنّها حتى في ولادتها الجديدة تنقض إحدى المقولات النّسويّة العالميّة، وهي أنّ المرأة تخلق نفسها في اللغة، لتصبح والدة نفسها، فتقول للغتها: “أيّتها الدّماءُ المودعةُ بنا.. كيف نلدُ الأطفالَ؟”
وهكذا تصبح الشّاعرة متشرّدة حتى في عالمها الجديد.
تربط الشاعرة نسرين كمال في “نبيذ الموت” آلامها بآلام الإنسان والمجتمع، ليدوي صوتها في وجدان القارئ. كما أنّها تهدم موروثات لا يراها الكثيرون في المجتمع، لكن تقيّده، فتمنع تقدّمه.
لا تكتفي الشّاعرة بالإضاءة على هذه الموروثات، لكن تفكّكها بكلّ دقّة وبروح لا تنتمي إلى الشرق أو الغرب بل إلى الإنسان الكونيّ الذي يعيش على حدود الكثير من الأوطان، وفي الوقت ذاته على أرض عذراء بمفاهيم وأحلام جديدة.

Anzaldua, G. (1996). To live in the borderlands means you. Frontiers: A Journal of
Women Studies, 17, 4-5.

_____ . (1999). Borderlands. La Frontera: The New Mestiza. San Francisco: Aunt Lute.

Baudrillard, J. (1994). Simulacra and simulation. Ann Arbor: The University of Michigan Press (First published in 1981, this edition was published in 1994).

-Cixous, H. (1976). The laugh of the medusa. K. Cohen and P. Cohen (Trans.).
Signs, 1 (4), 875-893.
– Colonialism and gender in the East: Representations of the harem
in the writings of women travelers. The Yearbook of English Studies, 34, 6-17.

Diaz-Sanchez, M. (2009). (In) Between nation and diaspora: Performing indigenous and African legacies in Chicana/O and Mexican cultural production.
(unpublished doctoral dissertation). Stanford University.

– Dixon, V. (2011).Western feminism in a global perspective.Pulse, 3 (2), 1.
Foster, S. (2004).

– Griffin, D. (1983). Amazons and mothers? Monique Wittig, HelèneCixous and theories of women’s writing. Crowder, 24 (2), 117-144.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق