ثقافة المقال

عادة من عادات الفنلنديين

أ. د. حسيب شحادة*

يدأب الفنلنديون المسنّون أيضا على الاحتفال بعيد ميلادهم لا سيما إذا كان العمر خمسين عاما. يَعتبر ا المجتمع الفنلندي هذه المناسبة محطّة هامّة وسارّة في سحابة حياة الإنسان على هذه الأرض. من الفنلنديي ‘edن من يحتفل بعيد ميلاده هذا على نطاق ضيّق، يقتصر على العائلة المصغّرة، أو يسافر الزوجان إلى خارج البلاد كم ما يُفصح عن ذلك  في الصحف المحلية. من ناحية أخرى هنالك الكثيرون الذين يحتفلون بهذه المناسبة، نصف قر u1606 ن من ال3 عمر، على نطاق واسع، يشارك فيها الأقارب والأصدقاء وقد يصل عددهم إلى مائة شخص أو أكثر. اشتركنا مؤخرا، زوجي وأنا، في مثل هذا الاحتفال لأحد أبناء عم  زوجي الذي بلغ من العمر ثمانين عاما وهو وأكبر فلذات أكباد الأعمام والعمّات سنّا. وصلتنا الدعوة الورقية قبل موعد الاحتفال بأسابيعَ عديدة و وفيها م ا تلزم معرفته بخصوص مكان الاحتفال والبرنامج وإمكانية حجز غرفة للمبيت في الفندق ذاته، مكان الاحتفا 1604 ل، بسعر مخفّض. عادة يلبّي كل  المدعوين مثل هذه الدعوات ويحاط صاحب الاحتفال علما بخصوص التأكيد على ا الحضور  أو الاعتذار في وقت مناسب. كان الاحتفال في فندق ودار نقاهة في متنزّه وطني يقع في مدينة توركو التاريخ! ية. الاسم  “توركو” مشتق  من اللغة السلاڤية القديمة ومعناه “السوق”، وتقع هذه المدينة على الساحل الج 606 نوبي ال

u1594 غربي في فنلندا الواسعة، ٣٣٧ ألف كم٢، واسمها بالسويدية، اللغة الرسمية الثانية في البلاد، “أوبو”  (Åbo) وهي من أقدم مدن البلاد وأعرقها. ي 1585 رجع تاريخها إلى القرن الثالث عشر وتعتبر أهم مدن فنلندا من ذلك القرن ولغاية سنة ١٨١٢ وكانت العاصمة ا 604 لأولى ل

u1601 فنلندا في الفترة ما بين ١٨٠٩ و ١٨١٢. يقع الفندق المذكور في قلب غابة على أحد شواطىء بحر الجزر حيث يتقاط ‘d8ع بحر البلطيق وخليج فنلندا وخليج پوثنيا.

وردت في الدعوة أيضا معلومة لافتة للبصر والبصيرة مفادها أن المحتفِل أوالمحتفَى به لا يودّ تسلّم أي 1577 ة زهور أو ورود ولا هدايا كما هي الحال في مثل هذه المناسبات، بل يطلب من المدعوين التبرّع بما تجود به u32  أريحيتaهم من مال وفق حساب بنكي فُتح خصيصا لهذه الغاية لصالح مؤسّسة أبحاث مرض السرطان. وصل مبلغ هذه التبرّŸ 3 عات حتى نهاية الحفل الذي استمر أربع_ خمس ساعات إلى أربعة آلاف يورو ونيّف.

من سمات مثل هذه الاحتفالات المعتبرة في فنلندا أعرّج على ما يلي. يأتي المدعوون قبيل الموعد المحدد م u1585 رتدين الملابس الرسمية ويصطفون بالدور بصبر بيّن وهدوء لمصافحة المحتفَل به وزوجه  الواقفين في صدرال ‘e1قاعة، ثثم يقوم أحد ضئضئي الأسرة وبيده قائمة أبجدية بأسماء الضيوف بإرشاد كل ضيف إلى المائدة الخاصة به. المو وائد مرقّمة وقرار توزيع الضيوف علىها كان قد قرّره أصحاب الحفل بكل دقّة واهتمام. يتسلّم كل ضيف كأسا  u1605 من الشا7مپانيا بعد المصافحة والتهنئة وينتظر لرفعها وقوفا على نخب صاحب العيد الذي يرحّب بكل الضيوف الذين ل u1576 بّوا الدعوة وقدموا من أماكن بعيدة، مئات الكيلومترات أحيانا.

تُعتبر الموسيقى عزفا وغناء من أبجديات مثل هذه الحفلات واللقاءات الاجتماعية في هذه البلاد الشمالي 577 ة، العزف كان على البيانو والغناء كان جماعيا شمل أغنيات حنينية (نوستلجية) مختارة حمل بعضها هذه العن 575 اوين “أ

u1585 رض الحكاية”، أغنية الصديق”، “ثانية إذا استطعت القدوم إليك”، “أنوار موسكو”، “النجمة والملاح الشاب 8”، “الشباب الذهبي”، “مساء لا يُنسى”.

تبدأ مثل هذه الاحتفالات بفقرة قصيرة يُعدد فيها أحد أبناء أو بنات صاحب الاحتفال المدعو بالفنلندية  1576 بـ “بطل اليوم” (päivänsankari) أهم مراحل حياته وميزاته العامّة من مهارات ومواهب وهوايات وطرائف، يعقب ذل لك عرضٌ لصور فوتغرافية تذكارية له مع أسرته منذ الطفولة المبكرة وحتى اليوم، يُعلّق عليها بإيجاز دون أي لف أ  أو دوران، إذ أن لكل كلمة إضافية ينبغى أن تكون لها ضرورة وفائدة. تناول طعام العشاء يتمّ بالدور لا نو 5 ادل أو نادلات، اللهم إلا اثنتين أو ثلاث يحرصن على توفير ما يلزم وتلبية طلبات الحضور الخاصة، أسرة المحتفل  76 به تتوجّه أولا إلى الموائد المعدّة العامرة بما لذّ وطاب من طعام فنلندي لاختيار ما يطيب لكل فرد منه 75 ا، يجيء2  بعدها دور جالسي الطاولة المجاورة وهكذا دواليك حتى آخر ضيوف الطاولة الأخيرة. من عادة الفنلندي الرج ccوع إلى مائدة الطعام أكثر من مرة للاستزادة ولا يرى الملاحظ صحونا فيها بقايا طعام إذ أن الشخص يعرف م 575 ا ينتقي

u32  من ألوان الأكل ويأتي عليها كلها. من مميزات الطعام الفنلندي الأسماك على أنواعها لا سيما سمك السلمو 1606 ن الطازج والمدخّن والبطاطا المسلوقة والخضراوات.

هنالك فرصة يُعلن عنها في الوقت المناسب لإلقاء أية كلمة من الحضور وهي غالبا ما تكون مختصرة وشديدة ا u1604 لتركيز تلقي بعض الضوء على جانب أو عدة جوانب في شخصية صاحب العيد. كما يقوم الضيوف بتسجيل أسمائهم في ! “كتاب اc7لضيوف”  للذكرى والتاريخ.  يرى معظم الفنلنديين في احتفالات كهذه فرصة سانحة للقاء الأقرباء  والأصدق 5 اء الذين نادرا ما يتسنّى لهم اللقاء بهم وجها لوجه لكثرة الأشغال وابتعاد أماكن السكن عن بعضها البعض!  قد تصل


مئات الكيلومترات.  احتساء القهوة الفنلندية الفلترية وتناول الكعك يختمان الاحتفال ثم يصافح الضيوف!  “بطل اليوم” وزوجه ثانية متمنين له سنين طويلة من الصحة والسعادة بقدر الإمكان وشاكرين لهما كرم الضي  يافة ود1 فء الاستقبال.

* جامعة هلسنكي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق