قراءات ودراسات

تماهي الحكاية في ديوان حين يتنفس الخيال..

الغربي عمران*

عبير العطار.. عرفناها شاعرة.. فلها عدة اصدارات شعرية.. ثم ناثرة ولها اصدار واحد .. ثم قاصة ولها وأكثر من مجموعة قصصية.. وروائية ولها رواية “بانسيه”. وهي ناشطة ثقافية.
العطار مهمومة في جميع أعمالها بوطن سعته السماء.. من يقرأ سيرتها يدرك بأنها تنتمي إلى أكثر من قطر عربي.. فهي من مواليد الكويت التي بها سنوات طويلة.. خريجة جامعة القاهرة.. ثم أنجزت دبلوم دراسات عليا في جامعة كويتية.. وهي في الوقت نفسه مصرية وسورية.
جاء في نص بعنوان “تعانق التاريخ “ما يعبر عن حلمها بوطن كبير
“ياوطن الروح الممتد
على خارطةٍ لا تقبل القسمة
ياحافة جنوني
التي أثقلها هذيان الفكرة
تهبط شمس الألوان
غارقة
في بحرك الميت
ليعزف الكون
لحن الانتشاء”.
عبير بتكوينها الوجداني العربي.. عادة ما نجد إبداعها يعبر عن روحها التواقة لوطن يحفه الماء من الأطلسي إلى الخليج. ففي روايتها “بانسيه” لم تحدد المكان بمدينة أو قطر.. بل امتدت جغرافية أحداثها من الكويت وعبر أكثر من قطر عربي حتى مصر. وكذلك شخوصها.. لم يكونوا من قطر واحد. وفي شعرها وفي قصصها تجد الحنين إلى وطن باتساع الحلم.
بين يدينا ديوانها الجديد “حين يتنفس الخيال” سأتجاوز لوحة الغلاف.. وإن كانت اللوحة عملاً فنياً ذا دلالات متعددة.. ولن أمر على العتبات.. فعبير تجيد اختيار عتباتها.. كما تجيد صياغة جملها.. بمفردات منتقاة. بل سأدخل لأنتقي بعض من بعض نصوصها الشعرية الجديدة.. تلك التي تتسم بالحكائية “أخذ من فاكهة الروح سلالاً” في هذا الشطر بدأتها بفعل أخذ.. لتنسج صورة رائعة.. صورة من صور شعرية كثيرة تستوقف المتلقي في نصوص ديوانها.. وأيضاً مقطع آخر من نص طويل: “ليسود الاخضرار يباب الصحراء..
وترتد الاروح على الجهات الاربع..
معلنة سيادة الابتسامة
على سارية العلم”
وما أريد قوله أن تلك النصوص الشعرية تتسم ببعض خصائص السرد.. بالمقابل حين تكتب عبير الرواية.. والقصة تتبلها بلغة شعرية وبتكثيف غير مخل.. حتى وجدانياتها تجدها ممزوجة بالشعر والخصائص السردية.
إذا ليست مفارقة جديدة أن تأثث العطار نصوصها بسمات مشتركة شعرية وسردية.. فمعظم نصوصها الشعرية تحمل حكايات أو بذور حكايات.. فالفعل يتردد صداه.. والوصف.. وكذلك مفارقة النهايات.
هناك حيث تسكن الموهبة الكائن البشري.. يمكن أن تعبر عن نفسها بأي شكل من أشكال الفنون.. قد يقول قائل بأن الموهبة عادة ما يبرزها صاحبها في جنس فني أو أدبي محدد.. وأقول أقرأوا العطار التي تظهور موهبتها بأشكال مختلفة.
“أبتاع كؤوس المحبة الفارغة
في صناديق فخمة
أسكب فيها خلاصة زجاجة الألم المعتق
كجرعة نجاة
أرتشف حقيقة مرة
فتسكرني الأوجاع
أفيق على صداع الوهم
أمسك برأسي متسائلة
هل نمنح من لا يستحق .. أكثر مما يستحق؟
الحماقة أن تبقي على من لا يسمعك!”.
مقاطع من نص بعنوان كأس الألم.. نصر شعري نثري.. في الوقت الذي يحوي أكثر من نص سردي أو ومضات حكائية.. وهكذا هي العطار تحبك حكايات متناهية المساحات داخل نص شعري واحد.. يمتع المتلقي ويثير في كوامن الدهشة.
في الوقت الذي تجمع بين متعة الصورة الشعرية ومتعة متابعة تطور الحدث.. وهذا لا يعني أن العطار تكتب حكاية واحدة بداخل كل نص بل فسيفساء حكائي.. قد لا يستنبطه كثير من القراء.. لكنه يدرك للمتأمل:
“طفلة تأكل الريح
تنام على ركام الأحلام
تتنفس الوطن
ظلا هاربا في الطرقات
تغلق عينيها على البراءة
كي لا يغيب السلام
طفلة مشققة الرواح.. ذابت تفاصيل غربتها حيت تساوت الألوان
بيم حدٍّ وحدّ”
من هذا النص الشعري الحكائي.. الذي أرفقته الكاتبة بلوحة من لوحات التشكيلي اليمني ردفن المحمدي.. وهذا النص أمتزج مع اللوحة المصاحبة له.. كنص بصري آخر يحكي حكاية.. رضيعة في العراء تتلحف الغيوم وتفترش أديم الأرض.. شيء من بهاء الألوان.. وشحوب وجه يغفو ملتصقا بالترتب.
نص العطار حكائي بامتياز ونص المحمدي وجه آخر للحكاية.. حكاية الطفولة.. ومآسي الحروب.. وقلق الإنسانية على المستقبل.. ممثل بطفلة في العراء.
ديوان يحمل زهور الفرح في إطارات نازفة.. يحمل الأمل بروح الغد الجميل.. طعمته العطار من روحها وهي تطوف بحرفها البهي بين أقطارنا الجريحة من الشام إلى العراق.. ومن اليمن إلى ليبيا والمغرب ومصر… الخ الوطن المجزأ تحكي نثرا شعريا يداعب القلوب حزنا وأملا.
ونسج نص شعري على خطوط عمل تشكيلي أمر يبعث على التأمل.. إذ إن الكاتبة أرفقت بمعظم نصوصها الشعرية.. لوحات عبرت عن حالة الحرب وأوضاع المجتمع في اليمن. وبمهوبة فذة أوصلت صوت الطفولة المعذبة.. حالة المرأة المشردة.. أوضاع العجزة والمهجرين من قراهم ومدنهم. هي لم تشير إلى مسميات ولا إلى جهات.. لكن نصوصها باحت بآلام البشري.. وكأنها تشير إلى بقاع الأرض الأخرى.. فلا يوجد مجتمع إلا وقد عانى من سعير الحروب.
العطار تحلق بحرفها بروح إنسانية.. صارخة في وجه القبح باحثة عن ومضات الأمل:
“لا تبكِ حبيبتي
فدموعك لن يتحمله وعاء الحزن
لن يعيد ما مات فينا
تظل الحياة متاهة فكر
وتظلين انت كأنتِ.. زهرة توجست من نشر العبير
مخافة ألا يصل قلب المحبين
لا تبكين عزيزتي
حياة الكلمات في بوح قصائدك لن يموت
قبلة ابداع لصلاة الروح…”.
تلك هي نصوص عبير تحلق بالأرواح المنكسرة.. تمنحهن أمل بأسلوب فني صادق.. ناحتة من روحها بلسم لتطبيب ألامنا.
ومن نص بعنوان “على قيد الحنين” تتلمس روح الطفولة التي تسكنها.
“أحن إلى طفولتي الموءودة جوار المسئولية
احن إلى قفزة فرح.. صاغها القدر
فتهلل وجهي
أحن إلى المشي عكس الاتجاه
أطوف حول دنيتي
أشعل فتيل الابتسام.. وكأن عهد الطفولة
لم ينته صلاحيته…”.
في هذا المقطع يبدو للوهلة أنها تعبر عن حنينها بنرجسية.. في الوقت الذي نكتشف بأنها تصيغ حنيننا.. فمن منا لا يتوق إلى طفولته.. ومن منا لا تسكنه طيفها الحالم..
نص على الغلاف الأخير للديوان:
“يقولون أن الهوى
يطيب النفس ويسمو بها
يستجدي كل الصغائر
لتغادر وحدها قلبك الصغير
يقولون أن الروح تتهافت
على تألقٍ في السماء
تجمع حسنات النجوم
وتعود بكنزها إلى الأرض”.
العطار.. تتوق للمختلف.. للتجريب لكل ما هو مغاير.. ولذلك نجدها تكتب الشعر مؤثث بمشاهد حكائية شيقة.. ما يزيد نصها تأثيرا في وجدان المتلقي.. كما تجرب في الأقصوصة والقصة القصيرة.. وهي أيضا في الرواية والوجدانيات.. ليتماهى الحكي بالشعر الشفيف.. والشعر المطعم بالحكايات المدهشة.. وهي بذلك تحاول أن تخط بموهبتها مسارات تجديدية. ليتصدى لاختلافها بعض النقاد وخاصة التقليديين.. الذي دأبوا على الجمود.. ولا يتقبلون تمردها على القوالب والمفاهيم الكلاسيكية.. ولذلك ينقدون نصوصها برفض الاختلاف.
يحتوي الديوان على ما يقارب الستين نصاً شعرياً.. وهو الصادر حديثا عن دار النابغة.. بالتعاون مع اتحاد أدباء مصر. وهذا العمل المائز بنصوصه يعتبر نقلة متقدمة في تجربة العطار الإبداعية.
هي تحية لمبدعة وناشطة ثقافية بارزة.. تحية لتجددها ومثابرتها.. ونحن على اليقين أن ما تصنعه من اختلف موسوم ببصمتها سيكون له مكانة. ودوما ننتظر جديدها.. وخاصة روائيا.. بعد أن أصدرت أولى روايتها بانسيه بنجاح. ننتظر منها الجديد والأجد دوماً.

 

*أديب من اليمن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق