ثقافة السرد

لالاّ ظريفة

الحلقة 1

راضية تومي
 
تحتوينا منازلنا كما تحتوي الأجساد الأكباد و القلوب و الرئات و غيرها من الأعضاء. تخيلتُ ذلك و أنا مستلق على سريري. تحيط بي الجدران الأربعة، يخفيني منزلي في أعماقه و تحت شحمه و لحمه و عظمه كما لو كنت عضوا داخليا متحركا. أو ربما حركتي هذه لا أشعر بها إلا أنا، فالملاحظ الخارجي لن يراني و أنا أتحرك خلف غلاف جسد المنزل.
لكنه تشبيه غريب بعض الشيء. فلو كانت البيوت كالأجساد لكانت تتحرك هنا و هناك. لكن البيوت ثابتة في مكانها، و مع ذلك فهذا لا ينفي عنها صفة الحياة و قد تكون كائنات حية تأكل و تتنفس.
لديّ صديقة تهتم كثيرا بتاريخ عائلتها القديم. و الواقع أن هناك حكايات غريبة حدثت في ماضي عائلتها. و كانت تعرف ذلك من جدتها لوالدها التي روت لها الكثير من الأسرار التي حواها بيت العائلة العتيق مثلما يحوي البئر العميق مياهه الدفينة.
فكرت اليوم في منزلي ككائن حيّ حينما طفقت أتذكر ما روته لي و أسئلتها التي لم تجد لها أجوبة. حكت لها جدتها الكثير و لكن الحكاية التي شدّتها أكثر من غيرها هي حكاية ابنة الآغا. و هذا الآغا هو جدّ قديم لصديقتي كان يعيش في مدينة الجزائر خلال الوجود العثماني.
كان الآغا رجلا حازما لا يرضى بأن يُعصى له أمر. و كانت له ابنة كأنها القمر من شدة الحُسن. لكن ما توارثته ذاكرة العائلة عنها هي ذكرى حزينة و مفجعة. إذ تلقفت النسوة جيلا بعد جيل حكاية الحسناء لالاّ ظريفة برهبة و إشفاق و إحساس بالتضامن النسوي إزاء مخلوقة رقيقة و راقية أحبها الجميع. فلالاّ ظريفة الحسناء اختفت بين ليلة و ضحاها و لم يعثر عليها أحد بعد ذلك. هذا الاختفاء الغريب و المفاجئ و الذي ألمّ بالعائلة كالمصيبة العاصفة المُزلزِلة، صبّ سيول الكرب على الأبوين و كل قريب من العائلة، بل حتى الجيران و الأباعد. لم يعرف أحد أبدا كيف اختفت الفتاة و لا أين ذهبت. كانت الأفكار و التخمينات تتلاطم كالموج المجنون في أذهان أقرب الناس إليها. و كان الظن الغالب هو أن ظريفة اختُطِفت و أن من اختطفتها ساحرة من الغجر شاهدت حُسنها يوم مرّت أمام باب القصر المفتوح.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق