ثقافة المقال

حصان نيتشة

عبد الكريم ساورة

اشتريت كتاب ” حصان نيتشة ” النسخة الفرنسية مند ثلاث سنوات، قرأت فيها 30 صفحة، وهذه هي عادتي في القراءة، تكون لدي لهفة كبيرة عن الكتاب قبل شرائه، أوقبل قراءته، وبمجرد ما يصبح في حوزتي حتى يذوب الشوق إليه، كمن يعشق امرأة في بلاد بعيدة ، وعندما يتم اللقاء تنزل حرارة الوجد بينهما كما تنزل حرارة المريض. وهذا لعمري طبيعة الإنسان، عندما يكون مفتقدا للشيء تجده أغلب الوقت حريصا على تحقيقه بكل الوسائل، بما فيها الوسائل البشعة في بعض الأحيان، وعندما يتحقق الإنجاز تجده منتشيا ولا يَعُدْ يُشكِلُ له أي ثقل نفسي من نوع ما، فينتقل إلى تجربة أخرى، مغامرة جديدة، الإنسان عدو التكرار.
وأنا أفكر في الكتابة عن بعض الشخصيات، بحثت في مكتبتي الصغيرة عن الكتاب، فإذا بي أفاجأ بوجود النسخة العربية، بصراحة لاأعرف كيف وصلت هذه النسخة إلى درج مكتبتي، وكيف قرأته؟ سلطة النسيان تفعل بنا ماتشاء، كما وجدت بعض الأوراق بين ثناياه، دونت فيها بعض الملاحظات وبعض الفقرات التي شدتني إليه، وهي كثيرة، وهذا يظهر بجلاء غنى الكتاب، ومن أهم هذه الفقرات البارزة نجد ” إذن لأي شيء تَصْلحُ معرفة لاَتُنْقَلُ ولا تُروى “( ص25)، وقد استشهد الكاتب بالمؤرخ اليوناني هيرودتوس ،و بالرحالة والجغرافي والمؤرخ العربي المسعودي. وفعلا لولا هؤلاء وغيرهم من الناقلين للمعرفة لما وصلنا شيء عن العديد من الأحداث والقضايا للشخصيات التاريخية والشعوب التي سبقتنا. والسؤال : هل نستطيع الاستمرار في العيش دون معرفة حياة من سبقونا ؟ وهل يمكن أن نتخلص نهائيا من كل هذه التراكمات الموغلة في العصور السابقة ؟ مادام هناك عنصري القراءة والبحث فلا يمكن للإنسان أن يصوم عن معرفة واكتشاف الجديد، إنه الإنسان الباحث دوما عن جذوره الأولى، عن جده الأول، عن الشخصية الأولى التي سيتغير معها منطلق العالم .
الكاتب المغربي الكبيرعبد الفتاح كيليطو مؤلف كتاب ” حصان نيتشه “، في نظري المتواضع هو من الكتاب في الوطن العربي الذين حاولوا النبش و تقريب المؤلفين العرب القدامى من القارئ العربي بلغة سهلة بسيطة وعميقة . هذه الوضعية حاول أن يثيرها في كتابه ” الغائب ” دراسة في مقامة للحريري عندما شبه المؤلفات القديمة بفتاة جميلة حكمت عليها ساحرة شريرة بالنوم لمدة مائة سنة، فاستغرقت في سبات عميق وبقيت على هذه الحالة إلى أن أتى ” فارس الأحلام ” ذات يوم فانحنى عليها وقبلها فاستيقظت واستقبلت الحياة من جديد. لا شك أن عبد الفتاح كليطو واحد من هؤلاء الفرسان الذين نجحوا في عملية الاستيقاظ برفق ولطف ومتعة اعتمادا على عنصر الحكاية.
حكايتي مع عبد الفتاح كيليطو قديمة، كان دائما أصدقائي يسألونني ما علاقتك بكيليطو ؟ أنت دارس للعلوم السياسية والكاتب أستاذ للأدب الفرنسي ؟
الحكاية بسيطة، كل مافي الأمر أن أستاذا لي اسمه ” محمد زويتة ” من مدينة الدارالبيضاء، كان يدرسني مادة اللغة العربية في السنة الثانية من التعليم الثانوي بثانوية مولي اسماعيل بمدينة قلعة السراغنة في سنة 1987 كان ينشر مقالاته الرائعة آنذاك في مجلة ” نقد وفكر ” التي كان مدير تحريرها المفكر المغربي عابد الجابري، وجل المقالات التي كان ينشرها، كانت ذات نفحة سيميائية، ومن المؤكد أننا في تلك المرحلة لم نكن نعرف بهذا العلم الجديد وهو السيميائيات، ولما سألناه بعفويتنا أين تلقى هذا العلم أجابنا : بجامعة محمد الخامس بالرباط، وعن طريق أستاذ مميز يدعى عبد الفتاح كيليطو. ومنذ ذلك التاريخ لم يغب إسم كليطو عن ذهني ، وأصبحت مدمنا على قراءة كل إصدار جديد له.
ونجد لغة البوح من أول عنوان في كتاب”حصان نيتشه ” وهو”صحيفة الغفران ” والتي يتحدث فيها كليطو عن الموتى الذين يفقدون الذاكرة أثناء مقامهم الطويل في أعماق الأرض، لكنهم مايلبثوا يستردونها من خلال الصحيفة، صحيفتهم التي كان يسجل عليها كل أعمالهم، هم كتبوها بأنفسهم، لأنه لاتوجد في الآخرة مكتبات أو مرايا. إلى نهاية أخر عناوين الكتاب وهي الشيطان في الجسد والعِقد.
ومن أهم اللحظات المثيرة والمستفزة في الحكي، مايشير إليه في عنوان ” بنت أخ دون كيخوط ” هذه الشخصية التي رافقت كيليطو في العديد من المحطات، نظرا لما تشكله من استفزاز حقيقي في تاريخ الأدب، إن الحديث عن ” مملكة الهزل ” لايمكن أن تنسى واحدا من مؤسسيها مثل شخصية دون كيشوت. وفي (الصفحة 48) يعرج الكاتب للحديث عن القراءة، حينما يشير ” أنها تضعف البصر، والجسم ، وتشوش الفهم ” …..وفي الصفحة ذاتها يثير موضوع خطورة الكتابة ” الكتب قد تقتل، وقد تدفع أيضا إلى الجنون، ذلك مالم يكف الأدب زمانا قبل سرفنتيس (مؤلف دون كيخوطي 1605)عن الجهر به، الكتب شريرة ” .
إن كتاب ” حصان نيتشه ” يغوص في تاريخ الشخصيات، كانت شخصية عبد الله هي المحور الأساسي في مسلسل الحكي، الذي بواسطته حاول الكاتب أن يجيب عن العديد من الأسئلة التي تؤرق باله، وهذه هي حيلة عبد الفتاح كيليطو في كل أعماله، يحاول أن يشد القارئ من الوهلة الأولى باعتماده أسلوب الاستدراج حتى يقع القارئ في المحظور.
إن المحظور هي الثيمة المركزية في أغلب كتب كيليطو ، فهو يجعلك تقتحم هذا المحظور، يجعلك أن تتحول معه إلى لص وتسرق كل البيوت بالليل، دون أن تفكر في العواقب الوخيمة من وراء القفز في الليل، كل ماعليك أن تفعله مع كيليطو هو القفز، القفز عاليا من أجل أن تبلغ الحقيقية، بلا، من أجل حقيقتك أنت، عليك أن تذوب في عوالم الحكي، عليك أن تكتشف الموت. ” قيل إنه ليس بوسع أي أحد قراءة ” ألف ليلة وليلة ّ من أولها إلى آخرها دون أن يموت ” من يفضل ركوب الموت منكم، فليقفز معي صهوة حصان نيتشه.
كاتب وناقد مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق