ثقافة السرد

حافة الفراق

 ناجي ظاهر

شق رنين هاتفة عتم الليل فايقظه من نومه، ترى مَن المتصل في هذه الساعة المتأخرة؟ الله يستر، وتناول هاتفه، ليأتيه صوت ابنته الصغيرة، أبي آسفة على الازعاج. اردت ان اقول لك اننا نقلنا امي الى المستشفى.. امي تعبانة. وانفجرت في البكاء. احساس حارق استولى عليه. لقد تدرّب خلال سنوات عمره الستين على التمييز بين الصوت العادي وقرينه غير العادي. صوت ابنته في تلك اللحظة لم يكن عاديا، لذا تحرّك على صوفته الوحيدة، اين انت هتف بابنته. في البيت اجابته. اطمأن قلبه. فهم ان الامر لا يستوجب توجهه إلى المستشفى. لو قالت له انها في المستشفى لركب رياح الليل، وطار إلى هناك. هو منذ مغادرته بيته ليعيش وحيدا وبعيدا عن مزاقرات زوجته وشتائمها، لم يعتد على ترك أيٍّ من ابنائه وحيدا، وكان كلما احس باي شيء يتهدد أيا منهم او اشتم رائحة شيء يحترق في بيته البعيد، طار اليه، ليقف إلى جانبه وليخفف عنه. رغم ان قلبه اطمان قليلا.. الا انه حاول الايحاء الى ابنته انها ليست وحيدة في مواجهتها لخطورة وضع والدتها. قال لها هل يستوجب الامر ان اتوجه الى المستشفى الان؟ فردت.. امي الان غائبة عن الوعي لا.. لا حاجة. الطبيب قال لنا انها ستعود الى الوعي في الصباح.
بعدها حاول ان يعود الى النوم الا انه لم يتمكن، لقد عملت زوجته كل الطرق الممكنة وحتى غير الممكنة لإبعاده عن بيته وكتبه الحبيبة، وكان لها ما ارادت. خمسة عشر عاما مضت عليه بعيدا عن بيته وحاسوبه الحبيب، وها هو يستيقظ في عتمة هذا الليل على خبر لم يتوقعه.. ها هو يفاجا بنبأ يدفعه دفعا للفزع منه هاربا بآماله إلى الكذب. تلاحق صور مرافقته زوجته خلال اكثر من خمسة وعشرين عاما بصورة شبه متواصلة، وتترى واحدة تلو الأخرى، نسي في لحظة كل ما تسببت به له من الام وعذابات وتذكر امرا واحدا، حاول عبثا ان يطرده، هل هي حافة الفراق؟ هل ابتدأت النهاية هذه الليلة؟ ما اقسى النهاية.. اشفها يا رب اشفها لا تدخل الاحزان إلى قلب ابناء اسرتي الصغيرة الغالية، واحم عيني ابنتي الصغيرة من حرارة الدموع الحارقة. الهواجس تتلاحق واحدة وراء الاخرى، طاردة النوم من عينيه. لم ينم في تلك الليلة. ما حصل هو امر عظيم.. ومن رأي امرًا عظيمًا لم ينم.
عندما ابتدأت فلول الليل مولّية امام سطوع النهار، ارسل نظره إلى الساعة المركونة على المنضدة بالقرب منه، ما زال بيننا وبين الثامنة نصف ساعة. خلال هذا الوقت القصير عليه ان يكون في مستشفى الناصرة، عليه ان يسبق صغيرته إلى هناك. الواجب يقتضي منه ان يسبقها ليؤكد لها انها ليست وحيدة وانه معها بقلبه وروحه. توجّه من فوره الى محطة الباص القريبة من بيته المستأجر..، وما ان وصل الشارع القريب من المحطة حتى توقفت ابنته الصغيرة قريبا منه. ارسلت نحوه نظرة دامعة. فهم منها كل شيء. اتخذ مقعده إلى جانبها،.. كسر حدة الصمت المهيمن على سيارتها.. في اخبار جديدة؟ سألها فردت نعم.. شو في؟ نقلوا امي الى مستشفى نهاريا. لم يسال لماذا. انطلقت السيارة بهما، ابنته وهو، باتجاه نهاريا. لقد فهم كل شيء وضع زوجته ازداد صعوبة. اما ابنته فقد ارادت ان تخفف عنه ولو قليلا باصطحابها اياه إلى هناك. الى هذا الحد وصلت خطورة الوضع؟ سأل ابنته فلم تجب وبقيت صامتة.. همت من عينها دمعة حرقت عينه. لا تبكي يا ابنتي.. تفاءلي بالخير تجديه. لم يكن مقتنعا تمام الاقتناع بما قاله لابنته، لكنه وجد نفسه ينطق به دون اي تفكير. ما كان يهمه في الاساس هو الا تتضرر ابنته اكثر، لا سيما وانها حامل وقد تضع مولودتها الجديدة في اية لحظة. اما فيما يتعلق بزوجته فقد كان يعرف مدى علاقة صغيرته.. التي كبرت.. بأمها. ومدى حدبها عليها ومحبتها لها. ان الطريق امام السيارة صوب نهاريا ممتد طويل، اللعنة على الاكتظاظ المروري. حتى هذا يتضافر عليه.. ليزيد في احزانه؟ ارحمنا يا رب.. وارأف بقلوبنا المُتعبة المُحبة.
تتوقف المازدة قبالة المركز الطبي في نهاريا، يترجّل الاثنان منها، تتوجه ابنته إلى السكرتارية بعدها تتوجه إلى الطابق الثاني، شو قالولك يسألها. سيجرون لأمي عملية سريعة. هم ينتظروننا في غرفة العمليات. قلبه يدق بشدة. تلاحظ ابنته مدى توتره، تخبره ان الاطباء في الناصرة حاولوا تخليص أمها من جلطة دماغية مفاجئة المت بها، مستعينين بطرائق تعتمد الادوية.. وحين عجزوا عن مساعدتها.. قرروا نقلها على جناح السرعة إلى نهاريا. يقترب الاثنان من غرفة العمليات في الطابق الثاني. تهرع ابنته الصغيرة إلى الطبيب المداوي، هو يتابعها من بعيد. لقد كبرت صغيرته وصارت تفهم في كل شيء تقريبا. تهزّ ابنته رأسها للطبيب. توقع على ملف قدّمه لها. يرى ممرضا يجرّ سريرًا باتجاه غرفة العمليات القريبة. قلبه يدق اكثر. يهرع باتجاه السرير. تلتقي عيناه بعيني زوجته المريضة. تبتسم.. تدمع عينه.. لا تخف انا بخير. تقترب ابنته من السرير المتحرك.. امي شدي حالك.. ازمة وبتمر.. شدّي حالك يمّا.. بدي ارجع اشرب القهوة معك في بلكون بيتي. تبتسم لها امها.. تعدها ان تعود. يتواصل الممرض جارًا السرير.. يغيب واصدًا باب غرفة العمليات خلفه.
يتوقف الاثنان، الابنة وابوها، عند باب غرفة العمليات، مثل تمثالين جمّدتهما الالهة هناك. تهيمن على الاجواء حالة من القلق والتوتر. الاب الكاتب المدرب على التعامل مع المصائب، يحاول كسر اطار الصمت. شكله الدكتور عربي. تهزُّ ابنتهُ رأسها علامة الموافقة وترسل نظرة دامعة إلى الباب القريب جدا. شو قلك. يسألها، فترد عليه. الوضع حرج جدا. احتمال ان تعيش امي ضئيل جدا. الطبيب وعدني ان يبذل كل ما بإمكانه لإنقاذ حياتها. هناك كتلة دموية متخثرة تسدّ احد الشرايين الرئيسية في رأسها. السكري ذبحها. قال لي ان الامل في شفائها شحيح وان هناك بارقة امل في شفائها.. علينا الا نخسرها. دق قلبه مع قلب ابنته عازفا لحنا جنائزيا. هكذا تُسالمنا الليالي وفي صفوها يحدث الكدرُ.. ما اقسى هذا.
الوقت هناك.. قرب باب غرفة العمليات.. يمضي بطيئًا.. بطيئًا.. اللحظة تُشبه السنةَ في طولها وهما الاثنان، الابنة والدها، يعيشان اللحظة الاقسى في العمر، لحظة العيش على حافة الفراق. ترسل الابنة تجاه ابيها نظرة حافلة بالمشاعر المتعاطفة، اجلس يا ابي.. ارتح قليلا لقد مضى عليك نحو الثلاث ساعات وانت تقف على رجليك. يتجاهل الاب دعوة ابنته. اقعدي انت يا بنتي.. ارتاحي وريّحي اللي في بطنك. في تلك الاثناء يطل الطبيب العربي من وراء باب غرفة العمليات، طمنّي يا دكتور.. الطبيب يخبرها ان الوضع ليس سهلًا. الممرض يجر السرير مُخرجًا اياه من غرفة العمليات.. ينطلق به باتجاه غرفة الانعاش القريبة. فيما يلاحظ الاب وجه ابنته يتقلص ويتمدد.. ابي اشعر بألم فظيع.. يستنجد الاب بأقرب ممرض.. بعد دقائق يُحضر الممرض سريرًا يطلب من الابنة ان تستلقي عليه.. وهو يطمئن الوالد المكلوم هذه آلام المخاض.. لا تقلق.. ابنتك ستضع خلال لحظات مولوها الجديد. يجري الاب بمحاذاة سرير ابنته.. اصبري يا ابنتي.. بعد قليل ستنجبين ضيفتنا الجديد.. ابنته صغيرته ترسل نحوه ابتسامة حافلة بالاسى.. سأطلق عليها اسم والدتي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق