ثقافة النثر والقصيد

سَيَعْبُرُ يا وَلَدي زمَنٌ

( واحِدّةٌ من قصائد ثلاثِ مُهْداة إلى وَلَدي الصَّغير بِلال الذي أثقلَ عَلَيَّ بالأسئلة في طفولتِه المُتَفتِّحَة وفي شبابه الناهِض عما باتَتْ فيه بُلْدانُنا وعالمُنا في نهاية العقد التاسع وبِداية العقدِ العاشر مِنَ القرنِ الماضي وفي سنوات بدءِ العقد الأول من القرن الحالي الجَديد وقتَ الغزو الأمريكي للعِراق وتَرَكَني ألمُ حالتي النفسي الصِّحِّي عاجِزًا عَن مُحاوَلَة الإجابَةِ عليها )

ابراهيم مالك*

عَلى الشَّطِّ بيْنَ الرَّصافَةِ والْجِسْرِ كانتْ رؤوسُ النَّخيل
تُطاوِلُ حَدَّ السَّماءِ
تُفَتِّشُ في كِبْرِياء عن المَجْدِ في الزَّمَنِ المُسْتَحيل
وكانتْ عَذارى العِراق ، كما في الزَمان القديم ،
على الشَّطِّ تنسِجُ مِنْ سُعُفِ النَّخْلِ أرجوحَةً لفتاها الوَسيم
وتَضْفِرُ من زَهَراتِ النُّجوم
مَشاعِلَ ضَوْءٍ تُلَوِّنُ لَيْلَ العراق .

على الشَّطِ بَيْنَ الفراتِ ودِجْلة أورَق حُلُمُ وحَلَّقَ طَيْرُ السَّعادَة
ولاح على الأفقِ مِنْ وَسَطِ لَيلِ المُعاناةِ نَجْمُ
وعادتْ لِبابل نشْوَتُها ومَلامِحُ اجتِراحِ الريادة الإنسانية .

على الشَّطِّ كانتْ وكان ودارَ زمان وأقْبَلَ صُبْحٌ وجاء مَساء
وفي بابل بَعْدَ زَمَنٍ باتَ يَطولُ اختلطَ الأمرُ وخَيَّم ليْلُ شَقاء
فجاء غُزاةٌ عَصْرِنا ، لحظة اشتَدَّتْ عَتمَةُ عُقولِنا ،
أتَوْا من كُلِّ حَدْبٍ وصَوْبٍ على سابِحٍ مِنْ غَمامٍ ثقيلٍ كثيف
تَتَفَجَّرُ نارًا وعاصِفَةً تَبْعَثُ الرُّعْبَ في كُلِّ عَقْلٍ قبلَ اختفاءِ
حياة وَتُلْقي على دِجْلة وابِلًا مِن لَهيبٍ مُخيف
أتى الغزاةُ مِنْ شِمالِ غَرْبٍ ومِنْ غَرْبِ شرْقٍ
على فَمِهِم صرَخاتُ الرَّدى وفي دَمِهِم عَطَشٌ للقتالِ العنيف
مِنَ البَحْرِ جاؤوا ثِقالًا كموج البحار
ومِنْ آخَرِ الأفق وخَلفَ ظلامِ السَّحاب
ومِثْلِ جِياعِ الذِّئاب
أتَوا من بُطونِ الصَّحارى القفار
أتوا مِثْلَ ريح السُّموم
أتَوا بابِلًا غارةً إثْرَ غارة
فَألْقَوا عَلى ” العامِرِيَّةِ ” نار الرَّدى ” خَطَأ ” كما ادَّعَوا
ورَمَوا ” خَطَأً ” كُلَّ بيتٍ وحارة
وقَدْ حجَبوا عن عُيونِ الفُراتِ النُّجوم
وَمَرَّ هنا حينَ جاؤوا ظِلُّ غَيْمٍ تَفَجَّرَ في أفُقِ بابل عاصِفَةً واحتِراق .

على الشَّطِّ بَيْنَ الفُرات ودجلة راحَتْ عَذارى العراق
تُواصِلُ رَقصَتَها البابِليَّة في ألمٍ واختناق
تُلَمْلِمُ ، حاسِرَةَ الرَّأسِ ، سُعُفَ النَّخيل
لِتَنسِجَ من وَرَقِها الدّامي كَفَنًا لِأخيها القتيل .

على الشَّطِّ أصْبَحَ مَرًّا وموجِعًا شَجِيُّ الغناء
لكِنَّ حِكْمةَ العُمُرِ تُنْبِئُ أنَّ رؤوسَ النخيل
تَظَلُّ كَعادَتِها الحياتِيَّة تَتَسامى
وتُطاوِلُ حدَّ السماء
تُفَتِّشُ في كِبْرِياء
عَنِ المُسْتَحيل لِتَجْتَرِحَ المُسْتَحيل
وكم اتمَنّى يا ولدي بِلال لَوْ أنَّ إنساننا
يَتَعَلَّمُ حَياةً وتَجْرِبَةَ حياة فتصيرُ سِماتُ النَّخيل
سِماتَهُ ويَبْدَأ يَجْتَرحُ المُسْتَحيل
وَكَمْ أنشَدْتُ يا ولَدي لَحْظَةَ تذَكَّرْتُ
ما كُنا فيه ذاتَ يَوْمٍ ولا نزال فيه
وسَنَبقى فيه ما لَمْ نُغَيِّرْ ما بِأنفسِنا
كَمْ أنْشَدْتُ ” يا شَجَرَةَ النَّخيلِ يبْهَرُني فيكِ
بَعْضُ سِماتٍ كمْ وَدَدْتُ لَوْ تصيرُ بَعْضَ سِماتي
فأغذو جِذْراً يَنْزِلُ عميقاً في رحْمِ أمِّه الأرْضِ ،
بَحْثاً عَنْ عَناصِر حياةٍ ،
وَتَسْمو هامَتي الإنسانِيَّة ،
فَأروحُ أحَلِّقُ في مَراحِ عالَمي بَحْثًا
عَنْ وَمْضاتِ عَقْلٍ في إطلالِها الدّائم والأشبه ببَريقِ أمَلِ
ودائِمِ التَّساؤلِ عن وُجوبِ بدْءِ إطلالاتِ نهارٍ يُضيء
فينْهي اللَّيْل شديدِ العَتْمَةِ الآخِذِ بخِناقِ إنساني ” …

*ـابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق