قراءات ودراسات

شعرية الهذيان في محكي الطفولة في الأدب المغربي:

الشرايبي والخطيبي وشكري نماذج

عثماني الميلود

1. نتوخى من خلال هذه الورقة الاستدلال على وحدة الأدب المغربي سواء أكتب بالعربية أو الفرنسية أو غيرها من اللغات؛ ذلك أنه بالرغم من ارتباط كل لغة بحمولة ثقافية، فإن وحدة الإطار السوسيو-ثقافي والتاريخي تجعل من المحكيات الثلاثة موضوع تحليلنا تتقاسم العديد من أوجه التشابه، خاصة على مستوى ما اصطلحنا عليه بـ” شعرية الهذيان”. وسينصب التحليل على ثلاثة محكيات طفولة مغربية، إثنان منها بالفرنسية(الماضي البسيط لإدريس الشرايبي(1956) و الذاكرة الموشومة لعبد الكبير الخطيبي(1979) والثالث بالعربية (الخبز الحافي لمحمد شكري(1983).

2. شكلت الكتابة عن الذات، في الأدب المغربي سواء بالعربية أو الفرنسية، مؤشرا دالا على تحول جذري في إبستمولوجيا هذا الأدب وفلسفته. وشكلت محكيات الطفولة عنصرا حاسما في تجنيس هذه الكتابات، باعتبارها سيرا ذاتية، وعلامة مائزة لما للكتابة عن الذات من أهمية، والمنزلة التي حظي بها محكي الطفولة في معظم السير الذاتية المغربية. ومن أهم سمات الطفولة، في الأدب المغربي بلغتيه، أنها عنوان صارخ على الشقاء والصراع والضياع والتيه والهذيان. ويعتبر الهذيان أبرز هذه السمات، في محكي الطفولة المغربي، وأكثرها ترددا ووسما للصوغ الموضوعاتي والسردي؛ فالهذيان ليس مجرد تيمة يتم التطرق إليها، وإنما هو سمة من سمات الكتابة، لهذا نجدها تفرض سلطتها على المؤلف وتوجه اختياراته الجمالية والدلالية. يبدو مؤلفو محكي الطفولة المغاربة، على الدوام، مسكونين بهذا “الشرط العصابي” الذي يأخذ صورة هذيان. والهذيان ملمح جوهري من ملامح العصاب يتجلى في أحوال فرعية مثل الوهم والهلوسة والتأويل الهذياني والحدس الهذياني والخيال الهذياني.
وشعرية الهذيان، في محكي الطفولة المغربي، ذات طبيعة واضحة وصريحة من خلال صور طفل يراوح بين عالم واقعي مرئي يراه، وعالم متخيل لا يفهمه إلا هو وقد غمرته تأملات لا حدود لها وأفكار مشوشة ورؤى وأفكار عجيبة تضطهده وتجعله يتوقع الشر من أي كان.

3. في محكيات الطفولة المغربية الثلاثة، يمكن أن نميز ثلاثة أنماط لشعرية الهذيان، تطابق كل مؤلف من المؤلفات الثلاثة موضوع عرضنا:
– هذيان الطفل المتمرد مع إدريس الشرايبي، في ماضيه البسيط؛
– هذيان الطفل الذي يصفي مع الاستعمار مع عبد الكبير الخطيبي في ذاكرته الموشومة؛
– هذيان الطفل المارق في محكي محمد شكري.

1.3. هذيان الطفل المتمرد: إدريس الشرايبي
إذا تأملنا مؤلف”الماضي البسيط” نجد أن محكي الطفولة يكون عادة مفصولا ومعزولا مقارنة بالمحاور الأساسية للمحكي لعلة يعلمها السارد. نشر هذا المؤلف في أوج الصراع مع الاستعمار الفرنسي ، حيث يكشف لنا إدريس فردي( البطل-السارد) عن النظام العائلي الذي فرضه الأب المدعو”السيد”. يمسك السيد بالسلطة ويهيمن على عائلته بوصفه مستبدا مطلقا. انطبعت تربية إدريس بصراع الجيال مما جعله يقف وجها لوجه ضد أبيه، مما دفع البطل-الشاب إلى “تقيؤ” كل كراهيته تجاه أبيه وكل إكراهات المجتمع المغربي التقليدي؛ فتجارب إدريس (الطفل) هي التي تكشف أمامهُ أشكال تفكّك النظام في هذا العالم. وتبعًا لنمو تعلماته، نلاحظ ميله إلى الغلوِّ في كل أفعاله واقواله؛ إذْ نجدُ الحبَّ والبراءة، التي هي سمات الطفولة، عادة، في الأسرة العادية، تتحوّلُ إلى كراهية وضيقٍ داخل أسرة إدريس فردي. في هذا النصّ، تهجر شخصية الطفل طباعها التقليديّة لدى “ملاك” الصغير كي يتحوّلُ إلى “شيطان” يسكنه التمرد والرغبة في قتل الأب، مما يجعل من هواجسه التعبيرُ الصريحُ عن وعيٍ شقيٍّ من شأنه أن يقود الفرد إلى الفصام والجنون والأزمة:
“الخيط/ الخط الرقيق واضحٌ الآن. كل شيءٍ غامض أمام ناظريّ لكي يكون واضحا جدًّا. يقول لي: أن زنجيٌّ. أنت زنجيٌّ منذُ أجيال مسطر عليها بالأبيض. أنت قطع الخط وخسران آخر قطرة حقيقية”(ص.105).
يتجلّى في هذا المقطع، ذلك الخط الرفيع بوصفه صورة وهمية تبرز فجأة، فتجعله لا يكتفي بمخاطبة إدريس فردي، بل تدفعه إلى الشك في يقينياته ومعتقداته. يبدو انفجار إدراكِ السارد أهمّ وظائف هذا الخط الرفيع، هو ما يقودُ القارئ إلى مقاسمته توترات الواقع العنيد وعدم توافق تفكير البطل والرغبة في الذهاب بعيدًا باتجاه ثرثرة هذيانية:
“خلف جفنيَّ المغلقتين[…] “(ص.64)
ومن التجليات النصية الدالة على هذه الوضعية، قدرة الشخصية المحورية على محاورة نفسها رغم حالة الحزن والضياع؛ قدرة هي حصيلة صبيب داخليّ من الأقوال التي تجرُّها إلى حافة الهلوسة، بل إلى حافة الجنون. والدافع إلى هذا الهذيان وجودُ آليةٍ دفاعيةٍ لديْها في مواجهة قوى تتجاوزها فتأخذها أخذا تجاه اللاتوازن والغلو، مما يعطي الانطباع بأن الماضي البسيط تطرح إشكاليّة تمزق شابّ مغربيّ ما بين الثقافة الشرقية والثقافة الغربية خلال فترة حاسمة وحرجة من تاريخ بلده. فهناك بنية ثنائية تتحكمُّ في تمفصل نص الشرايبي، بحثًا عن صيغة ثالثة للوجود، تتجاوز ثنائية شرق/غرب. ونظرًا لكل ذلك، نجدُ نص”الماضي البسيط” يستعين بالهذيان والسرد عبر المنولوج(الداخل) والانزياحات الأكثر شذوذا، تُعرّي أعماق فكر إدريس فردي الذي يحاول أن يتأقلم مع وضعية شاذَّةٍ تقود، يقينا وحتما، إلى تشظّي الذات. وأخيرًا، فإن هذه الحالة تسعفنا على فهم أن سبب هذيان الشخصية يجدُ تفسيره في سياقٍ محايثٍ للحالة الاستعمارية، حيث إدريس مدعوٌ إلى إيجاد منظورٍ توافقيّ بين عالمين قدَّرت الرؤية التقليدية أنهما لا يلتقيان.
2.3. هذيان طفل يصفي مع الاستعمار: الذاكرة الموشومة للخطيبي
يتميز نص الخطيبي بحضور هائل لفعل الهذيان مما يوفر للمحلل مادة خصبة لتحليل هذا الخطاب. فبعد أن أعاد السارد تشكيل ماضيه وذاكرته الشخصية، أجرى جملة تعديلات وتغييرات على الواقع المعيش، حيث الإحالة، على الطفولة، لا تتم، بكيفية مباشرة، وإنما يحيلنا على خطاب رمزي ذي أبعاد مجازية.
نص الخطيبي متميز في بنيته ودلالته؛ ذلك أن ما يحتفظ به القارئ ويتذكره بوضوح، إثر الانتهاء من قراءة الذاكرة الموشومة، ليس صورة لطفل، كما في نص إدريس الشرايبي، ولكن سلسلة من الـتأملات حول صور طفل. وهكذا نجدُ أن السارد يتساءل، في الصفحتين 26 و 69:
” هل صورة الطفل ممكنة؟”(ص.26)؛
” طفولتي، طفولتي الحقيقية، لا يمكنني أبدا أن أرويها”(ص.69).
ومع ذلك فقد رواها.
في هذا المحكي تختلف الطفولة التي يستدعيها الخطيبيّ عن تلك التي يتذكرها الشرايبيّ، على الرغم من أن المحكي الأول يتميز بعرق تمردي. وبقراءة نص الخطيبي، نلاحظ أن الهذيان يجدُ تعبيره الأسمى في انفصام عرى الشفرة السردية والتأمل في اللغة بوصفها كتابةً عن الطفولة. وزيادة على هذه الصيغة يسعى السارد إلى إعادة بناء الفضاء والزمان، وفق طريقة خاصة، لرسم صورة الطفل.
فعلًا، لمْ يتردد المؤلف في مواجهة هذا العمل، ولهذا، وهو يتحدث عن طفولته، يستعرض “سلسلة عشوائية” من الصور تمسُّ، دون شكّ ببراءة الطفل ونقاء جسمه.

– ” المعاشرة الجنسية مع خادمة شابة، نفسُ الغرفة، نفس السرير في بعض المناسبات. لقد اغتصبتني، وكان عمري إذّاك أربع سنوات”(ص.33)؛
-“ثم اكتشفتُ البورديل، لاحقا، وقد صار عمري تسع سنين”(ص.34).
غير أن التجربة الجنسية، لدى الخطيبي، هي أكثر من مجرد معاشرة جسمٍ لجسم آخر، إنها تمرينٌ تعبيريٌّ في اللغة:
– ” صارت الخادمة بورديلنا، ونحن كنّا نستنزف نفسينا في طقس قبَلي، خلال قشعريرة الليل”(ص.34)
تبدو الطفولة، في الذاكرة الموشومة، لغزًا يمتزج فيه الواقعي بالمتخيل، فيصبح المرور من أحدهما إلى الآخر غير ملحوظ:
– “ماذا كان سيصنع أبي لو أن الجنود[الفرنسيين] قد اقتحموا منزلنا واغتصبوا أمي. هذا الكابوس لم يبرحني أبدا”(ص.21)

إن ما يهم السارد ليس الواقع المباشر، بل إن ما يشغله أكثر مجالُ المتخيل وتعاليه، إذْ سعى الخطيبي، كما الشرايبي، إلى القبض على صورة المجذوب كي ينقلها إلى كتاباته بغرض رسم صورة الأحمق- الحكيم الذي يُدينُ أناسَه ويفضح أسرارهم.

3.3. هذيان الطفل-المارق في محكي محمد شكري”الخبز الحافي”
يأخذ الهذيان، في الخبز الحافي، مسارات متعددة من خلال تتبع مسار تكوّن الشخصية وتنشئتها. وتكمن أهمية هذيان محمد على صعيد نتائج انحراف وضلال الطفل المشرد الذي حل الشارع لديه محل المدرسة، الشيء الذي طبع المسار الحكائي من خلال مشاهد عنيفة وفاحشة تمرُّ أمام أعيننا.
يعتبر “الخبز الحافي” نصا إشكاليا ومنفلتا، في الأدب المغربي؛ فهو حكاية تيه طفل يغرقنا في كتاب اعترافاته خلال فترتي الطفولة والمراهقة، في المغرب المستعمر، مع أربعينات القرن الفائت حيث كان البلد فريسة الجوع والعنف والفاقة.
إن من يقرأ هذا المحكي السير-ذاتي يدرك بأم عينيه لماذا اعتبر” الخبز الحافي” نصًّا ملعونا.
بطل “الخبز الحافي” طفلٌ أمّيٌّ، مشرد ولم يكن له حظ الذهاب إلى المدرسة. وإذا كان الشارع قد حلَّ محلَّ المدرسة، فالأمرُ لمْ يكنْ من باب الصدفة؛ إذْ يعجُّ النص بمشاهد هذيانية، مبتذلة ومشبعة عنفا وفحشًا( المخذرات، الكحول، الدعارة، اللواط والكفر ألخ…). بهذا يمكنُ أن يصنف “الخبز الحافي” ضمن ما يمكن أن نصطلح عليه بـــ” الأدب الراديكالي”.
في”الخبز الحافي” كلُّ شيءٍ مهيَّؤٌ للهذيان، وليس بإمكان القارئ أن يمكثَ غير مبالٍ أمام الخراب العارم الذي يخترق المحكي من بدايته إلى نهايته. إنه محكيُ تنشئةٍ يواجهُ، من خلاله البطل، كلّ ألوان العذاب وأهوال الدنيا: مشاهد المجاعة المخيفة وموت الأطفال والعنف الجسديّ و”ركلات البطن ولكمات الوجه” والعنف اللفظي والمساس بالمقدسات والدعارة المنحرفة…ألخ. بإيجاز نجدُ كل الانحرافات وصور الزيغ وخرق الأعراف والانحطاط الاجتماعيّ والإنسانيّ أمام طفولة عزلاء.

4.خلاصة
خلاصة القول، أن نصــــــــوص “الماضي البسيط”و”الذاكـــرة الموشومـة”و” الخبز الحافي” تشتركُ، كما بيَّنا، في شعرية الهذيان وهي تسعى لعرض صور الطفولة. وقد تبيَّنَ لنا، من خلال هذه القراءة المتعددة، أن هذه النصوص التي كتبت، في سنوات متقاربة، وبأكثر من لغة، ووفق خلفيات فلسفية متنوعة، تكشف عن شبكة من القيم النسقية المتقاربة:
1) العناية بالذاكرة والذكرى، بعامة، والطفولة، بخاصة؛
2) بطل هذه النصوص بطل إشكالي يقف في منزلة بين المنزلتين: يعيش في محيط ضاغط ويسعى إلى إحداث قطيعة معه؛
3) الماضي البسيط والخبز الخافي تشتركان في حضور صور الكراهية بمختلف مظاهرها، خاصة كراهية كل نزعة أبيسية، في حين اختارت الذاكرة الموشومة الاحتفاء بالطفولة من خلال الكتابة؛
4) طفولة الشرايبي والخطيبي مطبوعة بحضور الثقافات الغربية، بتأثير من المدرسة، في حين تبدو طفولة شكري بعيدة، نسبيا، عن أي تأثير مؤسساتي؛
5) يمثل الأطفال الثلاثة الهوة الفاصلة بين جيلهم وجيل آبائهم؛
6) تغذي شعرية الهذيان محكيَ الطفولة في النصوص الثلاثة وسارديهم أيضا؛
7) محكي الطفولة هو بمثابة لحظة حاسمة لفضح أشكال العطب والجمود والأزمة التي عاناها الطفل المغربي في مرحلة ما قبل الاستقلال.

2

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق