ثقافة المقال

لكن عبد الرحمن زناقي لا بواكي له..

بقلم الأستاذ: عبد الغني بلقيروس

تلقيت صبيحة الأربعاء 26 ديسمبر الماضي مكالمة هاتفية من أحد الأصدقاء ليبلغني خبر وفاة الأستاذ عبد الرحمن زناقي الكاتب والشاعر المبدع والمربي المعروف، وعن نقل جثمانه إلى تلمسان لدفه بمسقط رأسه في اليوم الموالي، وقد أحزنني وغمني الخبر، لا اعتراضا على قضاء الله وقدره ـ لا سمح الله ـ لكن للجحود الذي لقيه هذا الرجل من مثقفي بلده وحكومته، حيث ضل طوال السنين الأخيرة من عمره طريح فراش المرض يأمل التفاتة من منهم بزيارته أو تكريمه، خاصة في إطار لإحتفالات تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية، وهو الذي خص المدينة بديوانه الأول (إلى حبيبتي تلمسان).

وقت كنت ألح على المرحوم بضرورة تدوين مذكراته، لأهمية الكثير من محطاتها وقد بدأ فعلا في ذلك غير أن المرض أقعده عن مواصلة ذلك، ولكني لحسن الحض كنت قد سجلت معه الكثير من اللقاءات وأحاديث الذكريات، ومن تلك اللقاءات اخترت هذه النتف من سيرته، وقد ييسر الله أن نتوسع فيها في القادم من الأيام، كما نأمل من رفاقه الأساتذة: أبو القاسم خمار ومرتضى يقاش وعبد الرحمن عزوق ومحمد الصغير بلعلام والدكتور سعد الله وغيرهم أن يكتبوا لنا شهاداتهم عن حياة الفقيد.
ـ الولادة والنشأة:
ولد عبد الرحمن بن العربي زناقي في مدينة تلمسان عام 1934، من أسرة محافظة حيث كان جده سيدي سعيد أحد العلماء وأولاء تلمسان الصالحين، الذي اشتهر بمحاربته للدروشة والبدع المنافية للتوحيد. وترجع أصول العائلة إلى قبائل الشلوح الأمازغية بمنطقة لفقيق المغربية.
وأنجبت عائلة الزناقي عديد العلماء والمثقفين، مثل عبد العزيز زناقي الذي كان أحد كتاب المجلة الإفريقية، وابنه زهير الذي عمل مترجم قضائي بفاس المغربية، وكان زميلا للشيخ المهدي بوعبدلي.
حفظ عبد الرحمن زناقي القرآن الكريم بزاوية بن يلس بتلمسان صغيرا، كما حصل على شهادة الابتدائية الفرنسية، وبالموازاة حصل على ابتدائية مدرسة الحديث بتلمسان التي كان يديرها الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الذي روى لي عنه عديد الذكريات والمواقف كان الأستاذ زناقي شاهدا عليها . انتقل بعدها إلى معهد ابن باديس بقسنطينة حيث أتم دراسته المتوسطة، وكان من زملائه فيها الأستاذ على رياحي ومحمد شطيطح والأستاذ المؤرخ محمد الصغير بلعلام ـ حسب رواية الأخير ـ ، ليحصل بعدها على الشهادة الأهلية الزيتونية بتونس.
ومن حضه أن كان ضمن الدفعات الأولى التي أوفدتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى المشرق العربي لمواصلة الدراسة بجامعاتها ومعاهدها في أكتوبر 1952، وكان انطلاقهم من تونس على متن طائرة كويتية خاصة وفرتها الحكومة الكويتية، بعد سعي خاص من الشيخين الإبراهيمي والورتلاني لدى أمير الكويت، وقد توقفت بهم الطائرة ليوم في القاهرة حيث اجتمعوا بالشيخين الإبراهيمي والورتلاني، وكان بصحبتهما كما أكد لي الأستاذ زناقي مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، وفي تلك الجلسة تم تقسيم الطلبة إلى مجموعات وتعين مسئولي الأفواج بعد امتحان الأفراد في حفظهم للقرآن من قبل الشيخ الفضيل الورتلاني الذي طلب من زناقي أن يرأس فوج سوريا فاعتذر الأخير بحجة طبعه الخجول، وسلوكه اللين، فانبرى للمهمة المرحوم العربي طرقان.
وزودهم الشيخان بتوصيات ونصائح على رأسها ضرورة التفرغ للدراسة وتحصيل العلوم والمعارف، و التزام مكارم الأخلاق، واستشعار المسؤولية الوطنية التي يحملونها.
وبعد وصول مجموعته إلى سوريا نقل زناقي إلى دار المعلمين بحلب رفقة الشاعر أبو القاسم خمار والمرحوم حنفي بن عيسى ومرتضى يقاش ـ القانوني المعروف ـ وغيرهم، ورغم وصولهم متأخرين عن بداية الموسم الدراسي إلا أنه تم قبول تسجيلهم بقرار رئاسي من الرئيس أديب الشيشكلي شخصيا بعد بوساطة الشيخين الإبراهيمي والورتلاني، كما أصدر الشيشكلي مرسوم رئاسي أخر بمعاملة الطلبة الجزائريين مثل نظرائهم السوريين في الحصول على المنحة المالية والأكل المجاني (وهذا قبل الثورة الجزائرية).
وقد تتلمذ زناقي في المعهد على يد ثلة من أكبر الأساتذة الذين عرفتهم سوريا وقت ذاك وعلى رأسهم الدكتور عبد الرحمن عطية الذي أخد بيد فقيدنا في كتابة الشعر، وهو الحال مع زميله النابغة أبو القاسم خمار.
وفي 1957 حصل عبد الرحمن زناقي على شهادة أهلية التعليم، وعمل معلما لموسم واحد بمدرسة قرية جرابلس الابتدائية بالحدود التركية والتي تقطنها أغلبية من طائفة التركمان.
حصل بعدها شاعرنا في 1959 على منحة دراسية من الجمهورية العربية المتحدة لمتابعة تحصيله في جامعة عين شمس بالقاهرة، حيث كانت له فرصة من ذهب لتنمية موهبته الأدبية والاحتكاك بالأوساط الأدبية والثقافية بالقاهرة، لينال بعدها شهادة ليسانس تخصّص أدب وتربية في 1963، ويعود إلى الجزائر المستقلة ليشارك في معركة التعليم وبالبناء العلمي للجزائريين بعد قرن وربع من سياسة التجهيل والمسخ الاستعماري.
ـ نشاطه الثقافي ونضاله الوطني في المشرق:
كان الطلبة الجزائريين بالجامعات والمعاهد المشرقية بعد اندلاع الثورة التحريرية مجندين تحت إمرة مكاتب جبهة التحرير الوطني بتلك الدول، فأُرسل بعضهم إلى ميادين القتال بالداخل كالشهيد علاوة بن بعطوش و الشهيد عبد العالي عرعار والشهيد عبد اللطيف طولبة وآخرين، وكتب الله الحياة للبعض الأخر كالمجاهد الأخضر بوطمين ومحي الدين عميمور ومحمد الهادي حمدادو وغيرهم، وكلف البعض الأخر بتسيير الحصص الإذاعية الثورية بالإذاعات العربية كالدكتور تركي راح العمامرة وعبد القادر نور بالقاهرة، وأبو القاسم خمار ومنور الصّم ومحمد مهري بدمشق، وعثمان سعدي بالكويت وغيرهم، وقام بعضهم بمبادرات إعلامية فردية كمحمد الصغير بلعلام الذي كان يشارك بحصص عن الثورة بإذاعة حركة القوميين العرب بسوريا.
كما تفرغ البعض الأخر لتنشيط المهرجانات الشعبية والحملات الدعائية في الأوساط الجماهيرية وتوزيع المنشورات، ونشر القصائد والمقالات عبر الصحف اليومية والأدبية في مصر وسوريا ولبنان وغيرهم، كالدكتور أبو القاسم سعد الله والشاعر أبو القاسم خمار وشاعرنا عبد الرحمن زناقي ومرتضى يقاش وغيرهم.
وكانت سوريا أيام الثورة الجزائرية تشهد نشاط مكثف عبر تنظيم المهرجانات والمسيرات الشعبية والأسابيع الإعلامية الداعمة للثورة التحريرية الجزائرية، بدعم من الحكومات السورية والأحزاب والحركات الوطنية والإسلامية كحزب البعث الربي الاشتراكي وجماعة الإخوان المسلمين، وشارك زناقي بفعالية في تلك النشاطات سواء بالقصائد التي كانت تلهب الجماهير في المهرجانات أو عبر الكتابة في الصحف والمجلات، أو في حملات جمع التبرعات المالية، التي شارك فيها الطلبة الجزائريين بفعالية واقتدار، من بينهم عبد الرحمن زناقي الذي منحني صور له في شوارع دمشق وهو يوزع مناشير الثورة التحريرية.
وبعد تسجيله بجامعة القاهرة، غدا الأستاذ زناقي من مرتادي حلقة عباس محمود العقاد الأسبوعية بمنزله صباح كل الجمعة، وساهم في بعض النقاشات التي كانت تعرفها، وكان من أصدقائه ابن أخت العقاد ـ الذي انتحر بعد ذلك ـ واتخذ عبد الرحمن زناقي المنابر الثقافية المصرية الكثيرة في تلك الأيام لإبراز قضية وطنه الثائر على الاحتلال، وبالموازاة كان يُدرس اللغة العربية للعسكريين الجزائريين في معسكر مصر الجديدة الذي كان يشرف عليه الضابط في جيش التحرير الوطني سي بولنوار.
ـ نشاطه بعد الاستقلال:
بعد الاستقلال عاد إلى الجزائر وعمل بالتدريس، في العديد من المدارس الثانوية بالجزائر في تلمسان والعاصمة والبليدة، وفي الستينات أرسل في بعثة إلى موريتانيا حيث ساهم في حملة التعريب بها وتدريس اللغة العربية وآدابها، وقبل أن يتقاعد في 1992 عمل نائبا لمدير ثانوية الشهيد محمد الماحي بالبليدة ومبرمجا بوزارة التربية.
وبالموازاة عمل مراسلا لصحيفة الجمهورية الصادرة بوهران، ومنتجا إذاعيا بالإذاعة الجزائرية. ولم ينسى الكتابة الشعرية حيث نشر العديد من القصائد والمجموعات الشعرية، وشارك في الكثير من الملتقيات الأدبية، وعرف أيضا الرسم التشكيلي حيث شارك في العديد من المعارض الوطنية، كما شارك في تمثيل العديد من الأفلام السينمائية في أدوار صغيرة ومتوسطة، وقد ترجمت له موسوعة سعود البابطين الشعرية، واختارت قصيدتين من شعره، نشرتهما صحبة الترجمة.
ـ علاقته بالقضية الفلسطينية:
ارتبط شاعرنا بالمأساة الفلسطينية منذ بواكيرها الأولى، خاصة بعد قدومه إلى سوريا للدراسة في 1952، حيث اطلع على حجم الكارثة التي لحقت بالشعب الفلسطيني مع اختلاطه باللاجئين الفلسطينيين الوافدين إلى سوريا، وكان جزء منهم من أصول جزائرية، رُحلوا للمرة الثانية عن ديارهم، فنظم قصائد عديدة تحكي مأساة الشعبين الفلسطيني والجزائري، كما زار رفقة زملاءه في جامعة عين شمس مخيمات اللاجئين في غزة في زيارات تضامنية وحملوا معهم مساعدات إنسانية، وكتب المرحوم عن فلسطين قصائد حرّى، كما خص مجازر دير ياسين وكفر قاسم بقصائد منفردة، كما كتب عن الانتفاضة الأولى والثانية، وعن حرب غزة، وهو يقول دائما أن العرب والمسلمين شركاء في تضيع فلسطين، وعليهم أن يكونوا شركاء في تحريرها.
ـ مؤلفاته:
نشر المرحوم عبد الرحمن زناقي أكثر من عشرون كتاب بين مجموعة شعرية وقصصية أو تراجم لأعلام من تاريخ الجزائر، كما بقيت العشرات من قصائده ومقالاته موزعة بين المجلات والصحف التي كان ينشر فيها ومن مؤلفاته:
ـ إلى حبيبتي 1986 (مجموعة شعرية).
ـ نونو والمطر 1992 (مجموعة شعرية).
ـ السفن التي أبحرت نحو الشمال 1999 (مجموعة شعرية).
ـ أنسام وأعاصير (مجموعة شعرية).
ـ لالة فاطمة نسومر 2006 (قصة تاريخية).
ـ العربي بن مهيدي (قصة تاريخية).
ـ الإلياذة الإسلامية مخطوط.
ـ مذكرات مخطوط غير مكتمل.
ـ الخاتمة:
عبد الرحمن زناقي واحد من أعلام الثقافة الجزائرية الذين أعطوا زهرة أعمارهم للإبداع والعطاء، لإثراء الرصيد الفكري والحضاري للجزائر، التي تنكرت لهم مؤسساتها المسئولة في أخر أعمارهم، فلم يحضوا بكثير تكريم ولا قليله، كعربون شكر يكون ردا لبعض حقهم على الوطن، كما هو تحفيزا للشباب للإقتداء بالعلماء والأفذاذ، وتسلم مشعل الإبداع والعطاء للتنمية الثقافية وتعزيز للرصيد الحضاري الأصيل، وما هذه المقالة إلا محاولة لسد الثلم الذي اتسع عليه الخرق، فهل من مرقع أخر؟

 

 

 

 

 

٭ كاتب وباحث

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “لكن عبد الرحمن زناقي لا بواكي له..”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق