قراءات ودراسات

محمد شحرور: ماله وما عليه

قراءة نقدية

د. محمد الزّكري القضاعي
 
محمد شحرور ليس بأول ” قرآني ” ولكنه القرآني الأول في عصرنا الراهن الذي استطاع أن ينقل “علومه” إلى أفق الفضاء العام (تحديدا الشباب) من خلال القنوات الفضائية والتسجيلات اليوتيوبية وجعل قضية “القرآنية” جدل بين جماهير الأمة وهذا أهم رصيد أذكره به.

كما أنه تميز بكونه منهجه شبه لغوي بحت. أي يفهم القرآن من خلال فهم مفردات القرآن الحكيم لغة بدون العودة إلى التراث. وهو هكذا تميز عن القرآنَيين الجماهيريين الذين تَلَوْه: د. عدنان إبراهيم والأستاذ حسن فرحان المالكي، والذين اختلفا عن شحرور بقبولهما لكل التراث شرط أن لا يتعارض مع شيء من القرآن.

عندما بحثت عن جذور هذه “الحركة القرآنية اللغوية البحتة” ذهلت عندما وجدت أن أول ثلاث كتب تفسير في التراث الإسلامي اتبعت نهج التفسير اللغوي البحت.
اسم أول كتاب في تفسير القرآن “معاني القرآن” وقد ألفه أبو سعيد أبان بن تغلب بن رباح البكري الجريري الكندي (ت. 141 هـ.) وهو راوي ومُفسّر ومُحدّث ونحوي كوفي وقارئ لغوي. وقد كان من أتباع التابعي علي بن الحسين (ت: 95 هـ) ، والباقر محمد بن علي (ت: 114 هـ) ، والصادق جعفر بن محمد (ت: 148 هـ )، وقد نصّ كذلك بعض علماء السُنّة على وثاقته وصدقه، فمنهم أحمد بن حنبل ومنهم الذهبي الذي قال في ترجمته: ”أبان بن تغلب الكوفي شيعي جلد، لكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته“.
اسم ثاني كتاب في تفسير القرآن أيضا “معاني القرآن” من تأليف أبو جعفر محمد بْن الحَسَن بْن أَبِي سارة الرُّؤاسيّ الكوفي، (؟؟؟ – 187 هـ) وهو كتاب لتفسير القرآن أيضا على نهج لغوي بحت.
أما ثالث أقدم كتب تفسير القرآن فقد ألفه أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي النحوي البلخي المعروف بـالأخفش الأوسط (توفي 215 هـ) أحد نحاة البصرة. وكتابه مشهور ومتداول بين أيدينا واسمه ” تفسير معاني القرآن “، وطبع باسم معاني القرآن، للأخفش، وحققته هدى قُراعة، وطبع في مكتبة الخانجي، القاهرة، عام 1990.

عليه فإن نهج محمد شحرور بتفسير القران بناء على فهم لفظ المفردة لغة هو نهج السلف وهو على نهج أول وأقدم ثلاث كتبت تفسر القرآن.
في حين أن أول كتاب في تفسير القرآن من خلال الموروث (وهي موجة السلف الثانية وليست الأولى) كتبه محمد بن ماجه سنة 273 هـ وهو غير موجود. على أن ثاني أقدم كتب تفسير القرآن من خلال الموروث هو ما كتبه بن جرير الطبري (ت. 310 هـ) والمعروف باسم “جامع البيان عن تأويل آي القرآن” وهو متوفر اليوم. وتبعه على هذا النهج ابن المنذر النيسابوري (241 هـ – 318 هـ) في تفسيره.
بمعنى آخر ظهرت كتب التفاسير بالموروث عند مطلع القرن الرابع وذلك بعد تدوين الحديث وليس قبله.
فبعد أن اقتصر وعي جماهير الأمة (وليس خاصتها) في فهم القرآن العظيم في فترة القرون الثلاثة الأولى على المنهج اللغوي تم من القرن الرابع بإعادة تشكيل وعي الأمة في فهم القرآن من خلال الموروث.

ولو ذكرنا تقاسيم محمد عابد الجابري (ت. 2010 هـ) للذهن العربي التفكيري بين العقل البياني والعقل البرهاني والعقل العرفاني فإننا لا نستطيع بسهولة وضع كتابات محمد شحرور في خانة العقل البياني اللغوي فقد ترك ثغرات بيانية أصيلة في مباني العقل البياني دون خوضها.
فهو لم يؤسس في كتاباته المبكرة تحليلا وتفكيكا للبنية البيانية اللغوية ليتخذ من خلال ما توصل اليه سببا يوضح لنا لماذا اتخذ هذا الموقف وترك الآخر؟
فمثلا هو يفسر بناء على نهج لفظ المفردة دون إقحام العلاقات الدلالية للمفردة مع مفردات أخريات عند انتظامها في سياق جملة أو حزب قرآني أو بكونها تابعة لدلالات السياق للسورة الفلانية.
أهل البيان الذين فسروا القرآن باللغة كانت لهم صولات وجولات في مثل هذا وشحرور ترك نهجهم.
الغريب في الأمر أن الأستاذ محمد شحرور يلصق نفسه ب اللغوي ابن جني (ت: 392 هـ ) حيث يقر أنه أخذ من نهجه ولكن تجد شحرور يقول بأنه لا يرى بالمترادفات في اللغة في حين أن ابن جني يفصل ويؤطر لوجود المترادفات في اللغة واقتصرت حجة محمد شحرور في ذلك أنه يتبع نهج أبو علي الفارسي (ت: 377 ه‍) دون ذكر سبب قناعته بذلك.
وقد يكون أجاد تلامذة عبدالقاهر الجرجاني (ت: 471هـ) عند فهمهم أطروحة الجرجاني ” نظرية النظم في دلائل الإعجاز” عندما قال بالحقلين الدلاليين. حقل دلالي يطوق المفردة ليهب لها خصوصيتها التي لا تشترك فيها أي مفردة أخرى ومن ثم يطوقها حقل دلالي أكبر وفي هذا الأكبر تتقاطع حقول دلالية كبيرة لمفردات أخرى لتخلق من هذا التقاطع عائلة من المترادفات والتي يسميها جلال الدين السيوطي (ت: 911 هـ) بالمشجرة في كتابه “المزهر في علوم اللغة وأنواعها”.
فقد توافق الجرجاني مع من قال بعدم وجود المترادفات عندما قال بوجود طوق الحقل الدلالي الألزم بالمفردة وقد قال بالترادف عندما قال بوجود طوق من حقل دلالي أكبر يطوق الطوق الأصغر.
كل هذا النقاش لم يخضه محمد شحرور لنفهم مبانيه البيانية، لكن المحرج فعلا أن برفض محمد شحرور للمترادفات هو يقترب من ابن تيمية الذي يرفض المجاز. وقد بين الأستاذ محمد نور الدين المنجّد في كتابه ” الترادف في القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق” أنه عندما أنكر البيانييون حدوث الترادف أنكروه لأسباب إنكارهم بلاغية اللغة كالمجاز والتشبيه والكناية. فهذا الفريق يرى بعدم أصالة المجاز في الوضع اللغوي، في حين أن واقع الرسائل اللغوية التي كتبها من يرى بالمترادفات يشهد بأن كثيرا من تلك المترادفات حدثت بسبب من المجاز والكناية والتشبيه. ولعل الخلاف الحقيقي عند أهل البيان بين الفريقين من يرى ولا يرى بالمترادفات أمرين اثنين:
أولهما: أن المنكرين جعلوا الترادف منافيا للحكمة الإلهية في وضع الألفاظ لخلوه من الفائدة فيما يرون، على حين جعل ابن جني الترادف من الحكمة الإلهية في الوضع لما له من فوائد جمة تعين البياني.
ثانيهما: ان المنكرين تكلموا وحاكموا الترادف بمقياس العقل والمنطق فلم يجدوا لوقوعه مسوغا في حين استشهد من يرى بالمرادفات من خلال استقراءاتهم اللغوية.
لماذا كان هذا محرجا لمنهج محمد شحرور؟
لأنه وبالرغم من أنه يقول بعدم حصول الترادف لغة فإنه يستخدم أدوات المجاز من كناية وتشبيه واستعارة للوصول الى المعرفة اللغوية التي يوصلها لنا.
من الأمور الأخرى التي لم يحسمها محمد شحرور هو سؤال: هل اللغة تسبق الفكر أم أن الفكر يسبق اللغة؟ فالصراع العقدي سبق اللغة. فمن قال بالمجاز استخدمها لتعطيل مفردات التجسيم. ومن ألغى المجاز الغاه نصرة لميوله إلى التجسييم والتشبيه فبالالغاء منع للمعطلة القدرة اللغوية من تأويل اليد والوجه والكلام مجازيا
بعيدا عن هذا الاضطراب لو عدنا الى القرآن العظيم لوجدنا أن المعرفة القرآنية تنتج من خلال ثلاث مستويات. مستوى التفسير ومستوى التأويل ومستوى التعبير.
الإطار التفسيري وهو المرحلة المدّكريّة. يقول الله تعالى: “لقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟” (22) سورة القمر. فالتجربة المدكرية تجربة لغوية قريبة من تجربة محمد شحرور وهي ميسرة جماهيريا للجميع. وفي هذه المرحلة التفسيرية لا يحتاج الإنسان الى أي مرجع سوى اللغة.
الإطار التأويلي وهو المستوى الثاني . سورة آل عمران الآية 7: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ هنا يبدأ الحديث عن العلم للخروج بتأويل مناسب عند التشابه .
وفي قوله تعالى : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) يحيل القرآن من يريد أن يعرف القرآن إلى أهل الذكر (الذكر إسم من أسماء القرآن) ولا يحيلهم الى أهل اللغة أو أهل الحديث. وعند هذه الآية يجدر بنا التروي والتأمل.
وهناك الإطار التعبيري وهو ضارب في رمزيّته وإيشاريّته. يقول الله تعالى: ” إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79). في هذه المرحلة الذي يستطيع ملامسة جواهر القرآن المكنونة هم المطهرون وليس العالمون.
بالنسبة لي محمد شحرور هو أفضل أن يكون أنموذج منهجي لمحبيه وليس إلى مرجع (لكل) ما توصل إليه.
فإني أرى أن على كل إنسان أن يخوض أولا تجربة التفسير المدكرية اللغوية البحتة (وهذا ما فعله محمد شحرور بغض النظر عنما توصل اليه) ليصل كل إنسان الى قاموسه التفسيري الخاص به.
بعد ذلك عليه أن يخوض التجربة التأويلية والتي يحسن فيها الجلوس الى أهل العلم وأهل الذكر. وفي هذه المرحلة تدخل دراسات التراث مع بقية العلوم لإسعاف الراغب التقرب الى الله من خلال القرآن العظيم. وثم البحث عن النخبة الذين استطاعوا ملامسة جواهر القرآن من أهل الولاية والتأمل العميق.
أرجو أن أكون وفقت في هذه المقالة من تقديم قراءة نقدية لمحمد شحرور بطريقة علمية ومن شكر محمد شحرور بطريقة علمية.
أخيرا وليس آخرا، رحم الله تعالى محمد شحرور وغفر له وتقبله إنه مجيب الدعاء.

 
*عربي يقيم في ألمانيا
أنثروبولوجي في الدراسات الإسلامية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق