ثقافة السرد

حرمتان ومحرم

الجزء -5- من رواية المأساة الفلسطينية لصبحي فحماوي.

بعد تخرجهما من كلية تربية الشاطىء، تبحث كل من تغريد وماجدة عن وظيفة داخل الإقليم، فلا توفق أي منهما، ذلك لأن طلب الرزق عند تزاحم الأقدام يدفع الناس بعضهم فوق بعض فتدوس الأقدام على الأقدام ثم على الرؤوس ويهيج الناس ويموجون وينتشرون في الشوارع والحارات وتنطلق عربات الخضار والفواكه بسرعة الصواريخ وبائعون متجولون يحملون أمتعتهم على أكتافهم ونساء يحملن أطفالهن الرضّع بين أسنانهن ذاهبات إلى عيادة طبيب أو بيت معين وكلهم يسعون بين الصفا والمروة و(بين حانا ومانا، ضيعنا لحانا..) بحثاً عن منفذ مضاد للدبابات والدروع والجدران الفولاذية العزل والعوازل (ويا عوازل فلفلوا..!) والحفريات المزروعة في كل مكان تحاصرهم فلا يجدون طريقاً يمرون فيه فيضطرون للتسرب بين الغيوم وأحياناً يحشرون أنفسهم خفية ويتسللون مع الغازات السامة المتطايرة أو يضغطون أجسادهم داخل سيارات حاويات النفايات المرسلة إلى الهاوية و”إرهابي” مفقود تبحث عنه الأمم المتحدة ضدهم ضدنا ضدها ضدي ضدكَ ضدّكِ ضدكما ضدكم ضدكن ضدهن.. المهم ضد حرف الضاد ولغة الضاد فيَضلُّ الكل طريقه وأفاع تنساب من تحت أرجلهم مثل التيارات الكهربائية الخفية لأسلاك الضغط العالي وخطيب مفوه يلقي خطبة عصماء في ساحة الشهداء عن النساء الكاسيات العاريات وسيارات تنطلق منها زوامير ومزامير وسماعات ومكبرات أصوات تنادي على الوطن فلا يرد الوطن عليها لأنه يبقى يلعب هناك بعيداً وصبايا حسناوات شهيّات يسرن بدلال ورقّة وصبايا بشعات مكشرات عن أنيابهن المصفرّة يحملن على رؤوسهن جراراً فخارية مملوءة بمياه مصارف المستوطنات الجديدة أحسن مياه مجاري وبعضهن ذوات وجوه ينتشر عليها حب الشباب وواحدة منهن جرباء وثلاث منهن حسان بهيات القدود يظهر الماء المتسخ من أعناقهن الشفافة والحر الدبق يشتد تسلّطه وقسوته فيدخل في رئات المستضعفين بالقوة ويلهبها لهيباً “وبلغت القلوب الحناجر” وثار غبار كثيف غطى الجو وانعدمت الرؤية وجفت المياه وتلوثت البيئة وذبلت الأشجار ثم ماتت فدفنوها في مزبلة الجغرافيا وتكدست العربات الكارّة فوق بعضها البعض مع حميرها وأسطوانات الغاز الفارغة والجرار والمفروشات المستعملة وأدوات المطابخ والحمامات التي لم تجد لها مشترياً والخضار والفواكه الطازجة المرشوشة بالكيماوي وصواريخ تقذف قنابل الفسفور الأبيض الممزوج مع الأكسجين الأكثر سخطاً على الناس العرايا والمحرّم استخدامه دولياً تقف في الاتجاه المعاكس والأقدام الحافية تطب خبباً على الأرض الترابية وكلاب ضالة تركض هنا وهناك والراوية أبو حصيرة بثوبه الأبيض الذي تصدق به المحسن الكبير صاحب المليارات الخاسرة في سوق البورصة فاكتسى وانستر أبو حصيرة وراح يروي الأحداث الجسام التي زلزلت الكرة الأرضية زلزالها وجعلتها تخجل من نفسها وتنكمش على روحها وتتكور على شكل كرة أرضية ذلك لأنها تتألم لشدة ما تعاني وبطنها يوجعها ويعتصرها من شدة الألم فتضع الأرض يدها على بطنها وتنكمش مثل الجنين المتكور في بطن أمه استعداداً للهبوط بمظلته الخلاصية على سطح الكوكب وكلهم منكمشون ورؤوسهم للأسفل منقبضة تضامناً مع الشعب الفلسطيني الذي يعاني ويتكور تضامناً مع تكوُّر الكرة الأرضية ويتألم كما تتألم ويقول السيد الرئيس في خطابه المتلفز: أنا قلت لبريجينيف: الشعب عندنا عاوز لحمة، فقال لي بريجينيف بالحرف الواحد: (مفيش لحمة) فقمت وكلمت الأمريكان وانتو تعرفوا إني أقدر أكلم الأمريكان سواء كنت في البر أو في البحر أو في الجو فأكرمنا الأمريكان وفتحوا علينا أنهاراً من المشروبات الغازية الفوارة ففار الشعب..)
وضمن هذه المعطيات والظروف التي لا يعلم بها إلا الله، يتعذّر على البنتين العثور على فرصة عمل، فيقول لهما الراوية أبو حصيرة: (مفيش شغل). فتقعدان كالأيتام على..!


ما لنا ولهذه الترّهات، أختصر فأقول: للأسباب المدونة أعلاه مجتمعة، ولأسباب الفقر والعوز والحاجة وتحقيق الذات، تضطر الخريجتان للتعاقد مع الوفد التربوي القادم من ولاية الرمال العربية، والذي يزور البلاد باحثاً عن معلمات لغة عربية، إذ أن الصحراء العربية قد جفت فيها اللغة العربية، بسبب قلة المطر، فطلبت المدد من الأندلس وهيتي والتبت وسيريلانكا وفلسطين المحتلة، فأمطروها بوابل من المنقذات والمنقذين، فوجدتها الصبيتان فرصة للعمل معلمتين هناك!
طلبوا منهما أوراقاً ثبوتية، فأحضرت كل منهما ما طلب منها؛ أوراق تخرجها، وشهادة ميلادها، وكشف علاماتها، وشهادة صحية تثبت خلوها من الأمراض المعدية، وشهادة حسن سلوك، حيث ختم لهما مختار المعسكر” أبو شكشوك”أحلى شهادتي حسن سلوك، مقابل عشرين (شيكلاً) من كل منهما. لا أحسن من سلوك تغريد إلا سلوك ماجدة.. هكذا شهد المختار، بعدما قبض المعلوم.
لم يبق من الأوراق الثبوتية سوى المحرم..
من سيلعب دور المحرم في هذه الرواية ؟
الحلو في كتابة الرواية، أن الراوية يستطيع أن يتحكم في شخصيات روايته، فيرسل هذا، ويستقبل تلك، ويستبدل هذا بذاك، ويُدخِل القارىء الخجول أو الفضولي أو المحظور عليه إلى غرف نومهم، وموائد طعامهم، وسراديب سجونهم، ومنصات مشانقهم، وبرك سباحتهم، وأماكن دفن مسروقاتهم، وشواطئهم العارية، ويوجه شخصية ما لتسبح في بركة من الخمر، لذة للشاربين، وبمنتهى السهولة، يقتل هذا، ويسجن ذاك، تماماً كما يفعل الولاة العرب بعباد الله رعاياهم، عبر تاريخهم الممتد من (داحس) القديمة، وحتى (الغبراء) التي تتمدد اليوم متشظية على رمال الصحاري العربية (من المحيط الهائري، إلى الخليج الثادري)
ولرسم شخصية المُحرم في هذه الرواية، وتحديد من سيكون، فالخيارات مفتوحة أمام الراوية؛ فإما أن يذهب والدا الفتاتين، أو يذهب أخ مع كل منهما، أو يكون لكل منهما زوج محرم!
وهنا تتعقد الرواية، وتصعب السيطرة على الموقف، فدعنا من فكرة الزواج، ذلك لأن لكل من ماجدة وتغريد قصة، وحكاية عشق وخطوبة، وجاهات عائلية، وابن الجيران، وابن الحي، ومشكلات لا أول لها ولا آخر! لا تقلق، فأنا العبد لله سارد هذه الرواية، مُطّلعٌ عليها كلها، وسأحكيها لك بالتفصيل المثير! نعم ؟ تسألني من أين أتيت بالمعلومات؟ المشكلة يا أخي ليست في المعلومات! (ويا خبر بفلوس، بكره يبقى ببلاش) المشكلة هي مشكلة المُحرم، فإذا كنت فيلسوفاً، وكثير أسئلة، هات دبِّر لي محرماً لكل من هاتين الفتاتين الغلبانتين! فأبو غازي؛ والد تغريد، ولي أمر عائلة حطماء، مكونة من ثمانية أفراد، ويطقطق في دكان أعرج، يشتري بضاعته من أسواق الجملة العرجاء، ويبيع للجيران وأهل الحارة العرج متطلباتهم من المواد التموينية والمواد الاستهلاكية والمعلبات المنتهية صلاحيتها وغير القابلة للاستهلاك البشري، والتي لا يسمح لبعض تجار العولمة أن يدفنونها مع النفايات النووية فيتبرعون بها، ويكتبون عليها عبارة (ليس للبيع أو المبادلة..هدية للشعب الفلسطيني) ويرسمون عليها إشارة كفين متصافحتين..وقليلاً ما يطلبون الخضار والفواكه والكاز والشاي، ولا تنسى العصائر المكتوب عليها (عصائر طبيعية 100% بينما هي مياه مصبوغة بالكيماوي بتاع أخينا..!) والشرائح البلاستيكية لشبس البطاطا، وما دون ذلك من مواد ومستلزمات.. طبعاً لا تقل لي إن الرجل غشاش لا سمح الله! هذا هو الموجود في السوق، والجُود من الموجود! الرجل لا يتدخل في السياسة، ولا يمون على بيضاته..هو يتداول الأشياء الموجودة، وَرَبُّنا الله! هو يُنَقِّي، ويختار أحسن نوع زبالة! تريد منه أن يخلق لك بضاعة نظيفة مراقبة بمواصفات مأكولات قوات التحالف السريع؟ صحيح قلّة حياء يا أخي! المهم هو يطقطق في دكانه، مثله مثل سائر الناس المحاصرين في هذا الوطن فكيف تريد منه أن يذهب مع ابنته تغريد، ويترك هذا الدكان يتحطم، والأولاد يضيعون في غيابة الانتفاضة، حيث الغرباء يهاجمون بلادنا كالجراد الذي يزحف على الأرض وهو يمضغ، ويطير بغزارة في الجو وهو يمضغ، فيأكل الأخضر واليابس وهو يمضغ . ولكننا في النهاية ولشدة الجوع والقهر الممضوغ من جميع الجهات، نجد أنفسنا مضطرين لمقاومة انقراضنا، وذلك بمهاجمة الجراد وأكله..آه والله! كنا نأكله! كنا نهاجم الجراد ونجمعه في أكياس ونشويه ونأكله..وكانت تلك أنجع وسيلة لمقاومة الجراد..
وخير وسيلة للدفاع هي الهجوم!
هذا ما كان يشغل بال أبو غازي وهو يفكر ساهماً محتاراً وهناك في الصحاري البعيدة، سيقعد عاطلاً عن العمل، بانتظار ذهاب البنت إلى المدرسة، وعودتها من المدرسة، للأكل والنوم، ومن ثم :
” زهقانة يابا” ستقول تغريد.
“اختنقت من القعود داخل الدار يابا” !
– إلى أين سأذهب بك يا ابنتي؟
وفي الحقيقة لم يكن هذا هو بيت القصيد، فإن زوجته الجميلة عائشة، والتي تعوّد على حنانها ودفئها، وعلى تكوُّره داخل محرابها في الملمّات، وهروبه إلى داخلها في لحظات الخوف والشِّدة، فهو يسكن إليها ويحتمي بها من الشدائد إذ تجذبه نحوها بلطفها وجمالها الذي ما يزال أخاذاً رغم ولادتها لجيش من الصبية والبنات، فعائشة بيضاء رقيقة البشرة، ممتلئة الذراعين الطريين ذات القوام الرخص، زرقاء العينين، ذهبية الشعر تخفي معظمه تحت شاشتها البيضاء، وتبقي نموذجاً منه فوق مقدمة رأسها الأشبه بتاج طبيعي لملكة دون تتويج، والرجال في جنوب فلسطين أكثر سمرة منهم في شمالها، ولذلك فهم يفضلونها شقراء على رأي والده أبو عكرمة الذي كان يلثغ في حرف (الراء)، ويقلبه إلى (ياء)، وهو يغازل زوجته؛ الحاجّة ربيعة قائلاً: (فكّيتك بيظة ويقّاصة يا يبيعة، أتاييكِ سميا وحياقة يايا يبيعة!)
ولكن عائشة تختلف عن حماتها السمراء؛ الحاجّة ربيعة، وعكرمة الذي ولد أسمر البشرة لأمه، ولذلك تجد عنده عقدة نقص في مسألة البياض. وعائشة تحاول أن تخفي خيبات زوجها عكرمة في صدرها، وتحتضنه وتقول لـه أمام كل مصيبة تقع: “هذه سنة الحياة.” وعندما ضربت طائرة أباتشي سيارة مارّة في الطريق بصاروخ (لاو)، كانت الطائرة حولاء، ونظرها ضعيفاً، ويدها طرشاء، فنجت السيارة ومن بها، واستشهد ابن أخيه، الطفل بدران، وهو سائر في الطريق إلى المدرسة، ويومها قالت عائشة لزوجها: “غداً تخلف أمه ثلاثة صبية بدلاً عنه، وهذه إرادة المولى، والذي أعطى أخذ، لا تزعل، فالناس يموتون ليعطوا المواليد الجدد فرصة للحلول محلهم على هذه الأرض المثقلة بالسكان!” وكلام كثير من هذا النوع. وجرياً على عادتها قامت بالواجب في حضرة العائلة المنكوبة.
هكذا كانت تلفلف الأمور، وتشارك بالأحداث، وتجد الحلول، وتؤمن بالله، وبأن لكل نفق مظلم نهاية وتجاه زوجها كانت تحرص على متابعته بحنانها، وهو يقعد أمام عينيها، يشرب الشاي ويحكي لها حكايات الحارة والبائعين والنساء المشتريات، ويتنبأ لها بكل ما هو آتٍ..! فكيف تريد من أبو غازي أن يترك هذه العائشة؛ الحمامة البيضاء، ويسافر إلى ولاية الـ.. وهل يترك ذكر الحمام حمامته! في الحقيقة هو يعشقها أكثر من عشق الحمائم، رغم النكد والمشكلات، والصراخ الذي يعلو بينهما أحياناً!
– لماذا تكلمين هذا الشاب سلمان؟ ولماذا يقعد إلى جوارك، ويحدثك وهو يكاد يلتصق بك؟ ولماذا الضحك بصوت عال؟
” أنت مجنون يا عكرمة! فهذا الولد سلمان صديق غازي في المدرسة، وهو ابن جيراننا، وأنا أحبه فعلاً، ولكن كما أحب غازي الذي هاجر إلى أمريكا ولم يعد! تعرف يا أبو غازي، والله إنِّي أحبه، وأرى فيه طَلّة غازي عليّ. ألا تشعر معي كيف كان يدخل علينا غازي، كالرمح، كالشهاب المتألق، غازي صار عندي مشكلة، عقدة حياة، أرسلناه ليتعلم ويعود، فتعلم ألا يعود! تركنا وحدنا هنا في معسكر الحصار، تركنا في الحصار! أنت لا تفهمني يا أبو غازي، أنت لا تعرف الأمومة ولا الطفولة، أنت لا تعرف سوى البيع والشراء، والفواتير والديون المتراكمة مثل ورق الشدّة، ولكن غياب الروح عن الجسد هو غياب غازي، فأتفاءل بحضور صديقه سلمان، وأتخيله غازي وهو يقعد أمامي، يحكي لي عن حياة الصبية الذين من جيله، فيضحكني ويبكيني، ويسألني عن غازي، ومتى سيعود؟ تريدنا ألا نضحك يا عكرمة! تريدنا أن نموت بطائرات الأباتشي وصواريخ لاو، ورشات رصاص الدمدم.. دمدم. دم. دم. ونحن مكشِّرون عن أنيابنا؟ لا يا عكرمة! سنموت ونحن نضحك، سنغيظ قاتلينا الذين يريدون محو السعادة من حلوقنا، بأن نضحك. سنضحك حتى في الجنازات، ونغني خلف “أسوار الفولاذ” أغاني الفرح للشباب المغادرين على ألواح خشبية إلى الجنة، ونرقص معهم، رقصة (الحبشي الذبيح)!”
– أنا آسف يا عائشة، لم أقصد ذلك.! لقد حطّمتِ أعصابي بهذا الكلام الذي لا أعرف من أين تأتين به.. والله لو كنتِ في كواليس الكنيست، لأقنعتهم بالعدول عن اجتياح المسجد الأقصى، ومحاولات هدمه! ترى هل خسرناه يا عائشة؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق