ثقافة المقال

وداعا لقارئ الطيب

صادق الصافي

غيب القدرعالم الآثاروأستاذالتأريخ القديم البرفسور فوزي رشيد,رحل عنا بهدوء وتواضع أحد أهم العقول العربية العبقرية الجبارة , وأغمض عينيه فوق تراب بلاد الرافدين التي عشقها و أحبها وكتب مؤلفاته القيمة ودراساته وأبحاثه العلمية النادرة عنها, شكل رحيله في 26-3-2011 خسارة للأمة التي قدم لها تراثاً علمياً عظيماً وأخذ منها القليل. قارئ الطين أستاذ اللغات الرافدينية القديمة الذي تخرج من مدرسة العلامة القديرطه باقر. أحد أعلام علم الآثارالعراقيين والعرب, كتب عن سيرة أستاذه وفاءاً له في مقدمة كتابه – طه باقر- حياته وآثاره-أن أحترامي له يجب أن يكون أكبر من أحترام بقية الطلبة الذين درسوا على يديه, ولهذا فأن مكانة الأستاذ طه باقر بالنسبة لي لايكفيها أن يحل أسمه محل أسم والدي كما يفعل القدماء…

لذلك أخترت الوصف الذي ذكره الأمير السومري- كوديا- صاحب أقدم قلم مدّون في التأريخ وأول أمير أَمَرَ بأقامة مخازن للثلج ,وصاحب الأنجازات الأقتصادية والسياسية التي ساعدت على أزدهار العراق القديم, الذي أمتاز بتجارته الخارجية مع مدن الخليج العربي –ديلمون-البحرين الحالية –وماجان –عُمان الحاليه- مع بلاد السند, قول الأمير كوديا… للآلهة وهو يؤدي الصلاة في محرابها..

— لاأملك أماً,أنت أمي,لا أملك أباً أنت أبي —

أستطاع  العلامة الدكتور فوزي رشيد مع علماء قلة أن يفكوا رموزالكتابة المسمارية القديمة, ومعرفة أول طريقة للتدوين ومعرفة أول شعب أخترع هذه الظاهرة الأنسانية الفريدة,التي عدت من أهم مقومات الحضارة العراقية القديمة التي قدمت للبشرية أعظم التجارب كأول نظام سياسي برلماني وأول نظام تعليمي كما قدمت دروس من الأبداع اللامتناهي في كل مجالات الحياة العلمية والأدبية والفكرية, لقد أَثْرَتْ مؤلفاته المكتبة التأريخية العربية منها-

قواعد اللغة السومرية.. كتاب- يبحث في أكتشاف الخط المسماري مادة للكتابة وشكله الخارجي وأتجاهه,ويبحث في الشعب السومري ولغته ومراحلها وأنواع علاماتها والحروف الصحيحة وتغييراتها والضمائر والأسماء وبناءالجملة السومرية والأعداد والفعل السومري والتغييرات الصوتية.

– وكتاب- ظواهر حضارية وجمالية من التأريخ القديم – يسجل الأبداعات الحضارية الأولى للأنسان .. وتحليلها والبحث عن أسبابها ودلالاتها.. ومعرفة بدايات المظاهر الحضارية للأنسان ..من نشأة التقاويم الى غيبيات السحر وممارساتها في العالم القديم, ومن ظواهر الأستسقاء الى القوى الخفية للأنسان , و كيفية فهمها والتعامل معها.

كتاب- قواعد اللغة الأكدية- والجداول الخاصة بتصريف الأسماء والأفعال بكل أنواعها وصيغها والضمائر الملحقة بها ,وقراءة العديد من مواد شريعة حمورابي , وجزءاً من ملحمة كلكامش , وبيان معاني المفردات الأكدية المستخدمه.

وكتاب- سرجون الأكدي أول أمبراطور في العالم – من سلسلة الموسوعة الذهبية التي ضمت أيضاً – الملك حمورابي مجدد وحدة البلاد- آشورأفق السماء – الأمير كوديا – نرام سين ملك الجهات الأربع – آبي سين آخر ملوك سلالة أور الثالثة – وكتب تأريخية مهمة غيرها –منها- الشرائع العراقية القديمة- السياسة والدين في العراق القديم – علم المتاحف- الفكر عبر التأريخ-

كان الدكتورفوزي رشيد قد ولد في بغداد 1936, وتخرج من جامعة بغداد- كلية الآداب –قسم التأريخ عام 1960, وأرسل بعثة لدراسة علم الآثار في المانيا الغربية وأكمل الدكتوراه في الخط المسماري من جامعة هادلبرك في المانيا عام 1966, عاد للعراق وعمل أستاذاً للتاريخ القديم في جامعة بغداد , ثم تولى أمانة المتحف الوطني العراقي للفترة من 1978-1987- عاد بعدها كأستاذ في الجامعة , ولم ينصفه النظام السابق, حيث هاجر بحثاً عن ظروف حياة أفضل بسبب ظروف الحروب والأزمات الأقتصاديه في التسعينات ,حيث عمل أستاذاً في الجامعات اليمنية , ثم أنتقل الى ليبيا عام 1997 وعمل في جامعة السابع من أبريل في الزاوية ثم في جامعة مدينة زواره, وعانى الدكتور فوزي رشيد في ليبيا من أجحاف في تقييم موقعه ومكانته العلمية ,حيث أنهيت خدماته عام 2002, لكن الجامعات التونسية رحبت به فعمل فيها لغاية عام 2010 حيث أستقال بطلب شخصي منه لكبر سنه, وسكن ليبيا في مدينة الزاوية مع عائلته

عانى الدكتور فوزي رشيد من ألم الغربة وعذاباتها وجَذَبَه الحنين فصار تواقاً للعودة لبلده الذي أحبه خاصة بعد أن أوهنت الشيخوخه جسده, وعاد الى بغداد التي عشقها على متن الرحلات الجوية التي أرسلتها الحكومة العراقية لأجلاء العراقيين المقيمين في ليبيا بسبب الأحداث والعنف التي أجتاحت البلاد الليبية, ولم يمهله القدر طويلاً حيث وافته المنية في بغداد و قد ترك رحيله ألماً وحزناً في نفوس العراقيين على فراق هذا النجم المضئ في سماء بلادالرافدين ,  فلحق بثلة الكواكب من علماءنا الخالدينالعلامة طه باقر والعلامة حسين علي محفوظ والعلامة مصطفى الجواد والدكتورعبدالعزيزالدوريوالدكتور داني جورج وغيرهم من كبار علماء الأمة ,لقد كان الفقيد العزيز على موعد للرحيل فوق هذه الأرض التي أنجبته ونقب في تلالها وآثارها

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق