ثقافة المقال

في الحاجة إلى الجابري

محمد العربي هروشي

خلف الراحل المتنور د محمد عابد الجابري وراءه مشروعا فكريا لا أحسب أنه استنفد وجوده، ولا هو قابل للتعويض إلا في حالة القراءة والتأويل المفتوحين على المستقبل، أي على الحوار البناء المؤسس على المعرفة واطراح كل مناولة للفكر منشأها ايديولوجي فج، الجابري و من خلال عمله التأسيسي «نقد العقل العربي » كما يذهب إلى ذلك الدكتور علي حرب هو فعلا بمثابة المشروع الفكري الذي أرساه هيغل من خلال مؤلف «نقد العقل الخالص » أو «نقد العقل العلمي » لغاستون بشلار، فلقد اخذ على عاتقه مساءلة بنية هذا العقل من خلال استنطاق منطقه الداخلي بغية انجاز قراءة هيرمونيتكية للتراث .
لقد انطرحت في هذا الصدد إشكالية الاتصال و الانفصال داخل نطاق التراث العربي الإسلامي ، وإذا ما استعرنا لغة الجابري جاز لنا القول بتوظيف عدة مفاهيم منهجية على رأسها مفهوم القطيعة الإبستمولوجية (تارة بالمعنى الألتسوري وأخرى بالمعنى البشلاري ) بحيث كان يحاور مشاريع كل من حسين مروة ، وطيب تيزيني، وعبد الله العروي ،محمد أركون، وصديقه اللدود جورج طرابيشي،إضافة إلى حسن حنفي ،وادوارد سعيد،وهشام جعيط ،وعلي حرب تمثيلا لا حصرا..
اتخذ هذا الحوار منحى جدليا غنيا خلف تصاديا فكريا هنا و هناك ( حوار المشرق والمغرب) في إطار الفكر العربي المعاصر، لقد كان الجابري حريصا كل الحرص على الإنصات العميق لهذا الذي سمي بالعقل العربي ، يفكك فيه على ما توهم فيه من انسجام و اتساق عبر حقب تاريخية تلون فيها بشتى الألوان التفكيرية من أفلوطينية وأفلاطونية وغنوصية إشرافية وبرهانية أرسطية..
إن تفكيك بنية العقل العربي من منظور الجابري دفع به إلى تشريحه و الحفر في عميق بناه أركيولوجيا (فوكو) ، ولذلك فان الراحل لم يأل جهدا في توظيف مقاربات منهجية متداخلة ومتنافرة في الآن ذاته ، فاعتمد البنيوية التكوينية الوظيفية في قراءته للتراث جامعا بين النظرة التاريخية ( المادية) و بين التحليل البنيوي ( السانكروني ) .
لقد لفت أستاذنا الجابري انتباهنا إلى خلاصة مفادها أن العقل العربي في جانب منه سيما المشرقي سواء عند ابن سينا ،أوالفرابي أو عند الفلاسفة المتصوفة كان اشراقيا وبالتالي فهو لامعقول مما جر عليه انتقادا شديدا من طرف بعض المفكرين المشارقة في مقدمتهم د علي حرب الذي حاول تقويض أطروحة الجابري فيما يتعلق بإقصاء هذا الأخير العرفان من دائرة العقل / المعقول حيث يقول علي حرب بنوع من معقولية العرفان شريطة أن نسبره، ولذلك فان الجابري من منظور علي حرب «… قام بذلك باستبعاد من داخل الثقافة العربية لكل ذلك القطاع الثقافي الذي يتعدى العقل البرهاني ويتجاوزه ويند عنه والذي يمثله في نظرنا الأصل النبوي بماهو بدء وملهم ».
ان القراءة المتأنية لأطروحة الجابري تقودنا إلى خلاصة على قدر من الأهمية كبير : أن نتعامل مع التراث تعاملا موضوعيا ، بوصفه معطى تاريخيا قابلا للتفكيك والترتيب بما يجعله معاصرا لنفسه في كل حقبة من حقبه ، وبالتالي فان القضايا الفكرية العربية والإسلامية هي التي كانت تتحكم في توجه الاختيار المنهجي لدى الجابري خصوصا وأنها امتداد للقضايا ذاتها التي انطرحت في عصر النهضة( الاستعمار ، لماذا تقدم غيرنا وتأخرنا نحن الخ…) وبما أن النخب المثقفة في العالم العربي بقي معظمها سجين ذات الأشكال فان زوايا النظر لابد وأنها تتباين وتتعدد بحسب الخلفية الإيديولوجية،إن وعيا أو بدون وعي ، في كل المشاريع الفكرية إلي برزت خلال نهاية القرن الماضي مع نخبة من المفكرين العرب .
إن للعامل السياسي أكبر تأثير على الانشغالات – في نظرنا – التي تحكمت في الخلاصات التي قادت صاحب تكوين العقل العربي الى اتخاذ الموقف المعروف من التراث وهو الموقف التوفيقي من قضاياه مما ينأى بصاحبه الى استبدال النظر الفلسفي وتضييق أفق التأمل التماسا لوجود حلول آنية للأسئلة التي تطفو على السطح كما يذهب الى ذلك د كمال عبد اللطيف في (درس العروي ) ولا غرابة في ذالك طالما ماضي الرجل كان سياسيا بالدرجة الأولى في حزب القوات الشعبية، فكان نموذج المثقف الملتزم بقضايا وطنه الصغير والكبير على حد سواء .
ان الجابري حالة فكرية تنويرية نادرة ما أحوجنا إليها في إطار البحث عن موضع قدم لأمتنا في العالم المعاصر كي نعيشه بعيدا عن قرون التخلف التي تكبل عقولنا .لقد منحنا الجابري فرصة لرفع هالة التقديس عن تراثنا الذي سيج بدغمائية أورتوذوكسية قاتلة للعقل و الروح معا.
ولذلك أصبح محتما على المثقفين العرب الأنواريين ممن لم تتخطفهم يد المنون بعد( مؤخرا رزئنا في محمد أركون وقبله حامد ّأبو زيد ) أن يفكروا في استثمار جهودهم الفكرية في تلامذتهم المبثوثين في أرجاء المعمور قصد تدشين مرحلة مابعد عصر التدوين التي عرفها العصر العباسي ، إلى مرحلة من شأنها و شأوها رسم قطيعة إبستيمية مع عصور التخلف . ولابد للنظام السياسي العربي أن يأخذ على عاتقه تنوير المجتمعات العربية والإسلامية، ويخرج من الأفق السلطاني المتسلط ولن يتأتى ذلك إلى بالأخذ بأسباب العلمنة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق