ثقافة السرد

السجن الكبير

عبد الكريم ساورة

هانحن جميعا نقترب من خط النهاية، ونصر بإتقان مبالغ فيه أننا أنجزنا كل ما ينبغي إنجازه في هذه الرحلة التي كانت كلها محفوفة بالمخاطر، بالألم الذي نخبئه بتبادل الهدايا الرخيصة، وإن لم تحضر بالكلمات، آه هل تتذكرون أيام الشباب، كم كنا نتراشق بالكلمات من أجل أن نسقط بعضنا البعض على الأرض، كملاكمين محترفين في فن الضربات القاتلة.
لقد علمتني أمي الحبيبة منذ صغري ألا أبكي، كانت تقول لي في أذني عندما يضربني أبن الجار، عليك أن تتذكر أنك رجل، والرجل لايبكي أبدا، مهما كانت الظروف، وعندما كبرت ورأيت الرجال يبكون في مناسبات كثيرة، كنت أشعر بالندم، يالحسرة على عمر قضيته دون أن ألمس فيه قطرات تنزل على كفي، أه على كفي الجائع الذي لم أكفف به يوما ولو دمعة واحدة.
هانحن الآن نتوارى إلى الخلف في صمت رهيب، نختار الوحدة كقضاء وقدر، وإذا حكمت الظروف أن نلتقي على مائدة طعام، وأغلب الظن تكون بسبب موت مفاجئ لأحد الأصدقاء، نسكت طول الوقت، وإذا تكلمنا، باقتصاد كبير عن ذكرياتنا، عن الماضي، تشتعل ذاكرتنا ونبدأ في تأليف القصص، أغلبها كاذبة، غريب حتى الكذب أصبحنا نجد فيه لذة كبير من أجل أن يخرجنا من عزلتنا ، من سجننا الكبير الذي شيدناه بأيدينا.
هاهي الأيام تمضي، لا أحد يكلم الآخر، نتهم بعضنا بعضا بالخيانة، خيانة الصداقة والدم، والجوار، والزوجية، والمبادئ، والأفكار اللائحة طويلة، لا أحد يستمع للآخر، نشعر جميع بالتعب، بالتعب الكبير، فنبحث أن نهرب من بعضنا البعض، فيضع كل واحد منا قبعة كبيرة، يخفي بها حزن عينيه، يا لا الأشقياء مثلي، لايستطيعون أن يذرفوا ولا دمعة واحدة ورؤوسهم مفتوحة على السماء.
أيها الأشقياء، حان الوقت لتخرجوا من بيوتكم التي أصابها الصدأ من كثرة عناقكم لجدرانها الباردة مثل أرواحكم، احتفلوا جماعة بعيد ميلاد أحدكم، ارفعوا من صوت الموسيقى، أرقصوا مثنى وثُلاث، لاترقصوا بمفردكم، املؤا المكان بالصراخ، بالضحك، تحدثوا عن حاضركم، تحدثوا عن خصمكم الحقيقي، اسخروا من كذبه طول الوقت، كفوا عن التصفيق بدون مناسبة، تحدثوا في كل المواضيع، امسحوا اللون الأحمر من ذاكرتكم، تعلموا أن الحقيقة هي أعظم مقدس، ابحثوا عنها في كل مكان، اقرعوا أبواب المعرفة بقوة، أطردوا الخوف من قلوبكم، لاتنسوا أن تبحثوا عن دفء الكلمات، لاتترددوا، ابحثوا عن الحب فهو قريب منكم، وهو مفتاح خلاصكم.
كاتب وناقد مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق