ثقافة السرد

الفتية الثلاثة..

أسامة طبش*

كان في القرية ثلاثة فتية رفقاء، زملاء في نفس القسم بالثانوية التي يدرسون فيها، في أحد الأيام ثار شجار بينهم، فجأة سرى عنفوان دم الشباب في عروقهم وبدأت معالم الرجولة تتبدّى على ملامحهم،  قال أحدهم: أنا جدي صلاح الدين الأيوبي محرر القدس، وقال الآخر: أنا جدي طارق بن زياد فاتح الأندلس، وقال الثالث: أنا من سلالة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. احتدم النزاع ليشمل جميع من في القرية، انقسم أهلها كل يدافع عن الفتى المنتمي لنسله، فسادت  البغضاء والشحناء بعدما كان الهناء والسعادة تغشى ربوعها، لم يكن ليرضى أي منهم التنازل، كل متشبذ برأيه وركبت الجاهلية رؤوسهم، وبعد مرور فترة من الزمن أدرك الجميع ضرورة الاحتكام إلى عقل مُتَعَقّل، فوقع الاختيار على حكيم القرية.

حكيم القرية رجل وفد إليها منذ مدة ليست بالوجيزة، اندمج بسرعة بين أهلها، لمسوا فيه كل معاني التقوى والورع، أحبوه حبّا جمّا، أصبحت له مكانة مميزة  في قلوبهم، فلطالما رأوه معتكفا في صومعته، يتعبد مولاه بكل خشوع وتذلل.

أقبل عليه الجمع وبين أيديهم  الفتية، قصوا عليه الحكاية وأسلموا له تلابيب أمرهم، بسرعة أدرك الحكيم دوره الحساس في أن يصلح  ذات بينهم، أطرق قليلا بتأمل ثم توجه بناظريه نحو الفتية قائلا لأولهم: ما اسمك؟ قال: محمد، قال للثاني: ما اسمك؟ قال: خالد، وقال للثالث: ما اسمك؟ قال: طارق، ابتسم الحكيم ابتسامة عريضة ولمعت عيناه الدعجاوين، ثم أردف قائلا: ما لسانكم؟ أجاب الفتية جميعا بالعربية، أعاد الكرّة بالسؤال: ما دينكم؟ أجابوا بالإسلام! تعجب الفتية من سذاجة أسئلة الحكيم، وبدت السخرية على محياهم.

رفع الحكيم رأسه وهو يهزه، وتوجه إلى الجمع بالكلام، قال: ألا تكفيكم كل هذه الروابط؟ أنتم أشبه بمن لديه كأس مملوء بماء الزّلال، فبدل من أن يرتوي ويتضلّع به، راح يبحث عن الجزء الفارغ الغير موجود أصلا.

عاد الحكيم إلى الفتية مرة أخرى، وهو يقول:  يا أبنائي، أنتم كمثل أناس ركبوا قاربا صغيرا يبغون به النّجاة، تتقاذفهم الأمواج الهائجة في عرض البحر، فأمسك فرد منكم بالدّفة والآخر قام بالتجديف والثالث يحرص على الصيانة، إن حدث أي إخلال من أحدكم غرق القارب وغرقتم معه.

هنا شعر الجميع بالخجل وفهموا المغزى وفهموا الرسالة جيدا، ندموا ندما شديدا لما بدر منهم، وتمنوا لو أنهم لم يصلوا إلى موصلهم ذاك، دون شعور منهم بدأ العناق المتبادل واعتذر كل منهم للآخر، حمدوا الله كثيرا أن ألهمهم اللجوء لهذا الحكيم الذي ألّف بينهم وداوى جروحهم وآلامهم.

عادت القرية إلى ما كانت عليه من هناء وسلام، وعادت المحبة والأخوة بين أهلها، أما الفتية فقد توطدت أواصر صداقتهم أكثر فأكثر، أدرك الجميع أن الخلاف مشتت لشملهم وأن التنوع والاختلاف نعمة، إن وضعت موضعها كانت سببا في زيادة قوتهم وتماسكهم، وأن الحياة قصيرة جدا يجب استغلالها، فلا تستحق أبدا أن يقضيها الإنسان في شقاء وتعاسة.

كاتب جزائري *

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق