ثقافة السرد

سرطانُ السرطان

طه بونيني

يا بُنيّتي:
“جميعنا، نحن البشر، في هذه الحياة، نشهد الموت كلّ يوم، نقود الملايين من أقاربنا وأحبابنا نحو مثواهم الأخير، ثمّ نوريهم الثرى ونغادر. وإزاء هذا الوضع الغريب، يصاب البعض منّا بمرض تجاهل الموت، أي الانغماس في الحياة، بينما يصاب البعض الآخر بمرض تجاهل الحياة أي الهوس بالموت. لكنّي اليوم وأنا أحتضر لا مناص من مواجهتهما معا: الحياة والموت، كما لم أفعل من قبل”.
قال عمر لابنته وهو طريح الفراش. إنّه لا يقوى على الكلام لكنّه لا يتحمّل السكوت كذلك. كلّما وجد بجانبه شخصا تجده يُثرثر بل أحيانا يجادل نفسه عندما يخلو إليها. بدا جسمُه هزيلا، وصوتُه ضعيفا. أنابيب المصل والأكسجين، وأسلاك كثيرة تمتدّ منه نحو أجهزة كثيرة. جهاز تخطيط القلب، جهاز متعدّد القارورات لأجل ضخّ المواد الكيمياوية والأدوية المتعدّدة في جسمه وأجهزة أخرى. منذ شهور وهو يتلقى العلاج الكيماوي ثم العلاج بالأشعة، والعلاجات الهرمونية، حتّى أنّه تطوّع مرّات عديدة، ليكون موضوع اختبارات لأدوية جديدة، معظمها مؤلم جدا.
تجاوز عُمر الخمسين منذ سنة، إلّا أنّه يملك روحا شابّة، مفعمة بالحياة، مع أنّ الموت يقترب منه بسرعة أكبر من سرعة الحياة.
“اسمعي يا بنيّتي، أترين كيف يعاملونني أنا القادم من الجزائر إلى كندا لأجل العلاج. هل ترين مستوى الطبّ هنا.. أرأيتِ الأطباء.. أرأيتِ النظام والمتابعة؟ رغم ذلك فهذا السرطان الخبيث لا يريد الاستسلام. جرّبنا كلّ شيء معه لكنّه عازم على إنهائي. استعملنا أدوية قادمة من كل مكان، ومن مخابر خاصة في أمريكا. عندما تعودين يا بُنيّتي قولي لهم بأنّي حاولت كلّ شيء، وبأنّي تمنّيتُ لو كنتُ معكم، لأموت بقربكم، لكنكِ تعرفينني، يا بنيّتي، لا أريد الموت كما يموت الكثيرون في الوطن، بائسا يائسا. أمضيت حياتي أدَّخر القرش الأبيض لليوم الأسود، وها قد أتت الأيام السوداء لأصرفه…”
كانت سليمة الفتاة العشرينيّة تبكي. انهمرت دموعها دون توقف. كان عُمر يتحدّث بقوة وبصوت يتحدّى الضّعف بل يُخفيه، لكنّها رغم ذلك، لم تستطع تمالك نفسها، وكفكفة دموعها.
” أعرف أن القليل يُقدّرني بين العائلة والأقارب، والدليل أنّ لا أحد يتّصل. لن يفتقدني الكثيرون..”
سكت، نظر نحو التلفاز المُعلَّق في غرفته، لمؤانسته، ثمّ عاد بناظريه إلى ابنته وأضاف:
“إلا أنت يا بُنيّتي. ستفتقدينني، لكنّك قوية كأبيك…”
وانطلقت باكية، مغادرة الغرفة، وهي تقول: “تستحق أن تعيش يا أبي، تستحق أن تعيش…”
قالتها باللغة العربية، ولم يفهمها أحد، غير أنّهم فهموا لغة الدموع. الكآبة تغشى رِواق الأمراض السرطانية. تعوّد الجميع على الموت، وهي تدبّ بين تلك الجدران، تتسلل في كل وقت وحين، إلى الأجساد الهزيلة، التي تتمدّد هنا وهناك، أحيانا لتزورها وأحيانا لتقطف أعمارها.
في الرواق بعض المرضى يجرُّون كراسيهم المتحركة، يستنفذون آخر ما تبقّى لهم من الحياة، وبعض الأطباء والممرضين، يتنقلون بين الغُرف الحزينة. لقد كان أحد الأطباء عند باب عمر، ينتظر خروج سليمة من غرفته. لم يُرِد إفساد تلك اللحظات الخاصة بين الأب وابنته، في مرحلة أقسى ما تكون عليهما معا.
دخل الطبيب، عاين الأجهزة، كتب بعض المعطيات على دفتره، أقفل الباب وجلس قبالة عمر الذي كان قد أطبق جفنيه، محاولا أخذ إغفاءة.
تنبّه عمر لجلوسه، استفاق وعدّل وضعيته جالسا. تبسّم الطبيب وقال بظُرف:” لا تقلق لستُ قاتلا مأجورا، أنا فقط ذلك الطبيب الذي أضجرك بتلك الأدوية والاختبارات الغريبة، بصفتي طبيب الاختبارات في المستشفى.”
“ألا تجدني فأر تجارب شجاع؟”
“بل أنت رجل جزائري شجاع جدا”.
” لن تصدّق بأنّ الرجل الذي هو أمامك كان مُستلقِ منذ أشهر، بلا حول ولا قوّة، وكأنني شيء انتهت مدّة صلاحيته، أو كفأر وقَعَ في مصيدة. هل تعرف ما الأمر المؤسف منذ بداية قصة السرطان هذه، يا دكتور؟ لقد خبّأ عني أهلي تقارير الطبيب، مدّة ثلاثة أسابيع، ظنّا منهم بأنّ الفلاح المريض، لن يتفطّن. وبأنّه من الأفضل الموتُ بسلام وبسرعة خير من أن يفجعني خبر السرطان ويُقضى عليّ بالغصّة والمرارة. لقد أخبروني بأنّها مجرّد قرحة صغيرة في المعدة. لكنّي أجيد القراءة، فأنا فلاح مُتعلّم. والدليل أنّي أتحدّث معك بفرنسية طلْقة.
لا أدري ما الذي طرأ ببال أهلي؟ ربّما بسبب تجربة ماضية، حيث أُصيب جارُنا المرحوم الحاج مصطفى ذلك الرجل العطوف، منذ عامين بسرطان قولون، وراح يعالج بالكيماوي حتّى أرهقه الكيماوي بل استنزفه، وعندما شارف الموت، تمنّى لو أنه لم يجرّب هذا العلاج ولو أنه أمضى أوقات العلاج بالقرب من أسرته. وهكذا انطفأ جارنا وقد تلاشت كلّ حياته وأحلامه وماضيه وحاضره ومستقبله في لحظة أسف. ربّما لأجل هذا لم يُخبروني.
لكنّي علِمتُ كما أخبرتُك، واكتشفتُ أنّ السرطان في مراحله المتقدّمة. لكن قبل ذلك، ظلّ النّاس الذين يعلمون بحالي، يعُودونني، بينما أتلوّى ألماً على فراشي، دون أن أعرف ما يعتريني. عشرات المرضى كلّ يوم، يتحلَّقون بي كغربان، يغمرونني بنظرات الشفقة، وبين الحين والحين، يأتي أحد العائدين، ليرمقني بإحدى النظرات الغريبة، فأترجمها لوحدي إلى كلمات. إحدى العائدات كان لسان حالها يقول:” مُت يا أيها البائس. لطالما حرمت زوجتك من الخروج، ورُحت تصيح هنا وهناك بسبب أو بلا سبب كديك رومي. مُت اليوم قبل الغد”. وبعد أن تُنهي نظرتها ذات المعاني، تجهرُ لي بالدعاء، وتذرف دمعة تمساح، وتجرّ سحنتها بعيدا عنّي، فأتنفس الصعداء.
كانوا يأكلون الحلوى ويشربون القهوة ويمزحون وكأنّها احتفالات الخامس من جويلية بينما أحتضر، ويتكلّمون كثيــــــــرا. هل تُصدّق سخرية القدر؟ لقد كانوا يتجاذبون أطراف الأحاديث ولساعات، بينما لا أبرح مكاني، جاهلا حقيقة ما يصيبني. ولا أخفيك بأنّ أولئك الناس الناعقين حولي، كانوا أشدّ عليّ فتكا من السرطان. “
كان الطبيب يهمُّ بقول أمرٍ يبدو مُهمّا. لكن عُمر لم ينفكّ يجترّ ماضيه. ولو كان يعلمُ بما سيقوله الطبيب لكان قد قطع الحبل السُرّي الذي لا يزال يصلُه بالماضي، لكنّه لم يعلَم وواصل:
“لطالما كان السرطان مرادفا للموت، في وطني. ولطالما كان المرض سببا للزيارات الكثيرة والتي ظاهرها عيادة المريض، وباطنها الجلسات الطويلة التي تُرضي الشامِتين وفضولهم فتزيد المريض مرضا والحزين حزنا والسرطان سرطنةً! ولمّا علمتُ بمرضي بذلتُ قصارى جهدي للتخلص من جو التعاسة الذي خنقني.”
لَزِم المريضُ الصمتَ لدقيقة وطأطأ رأسه، همّ فيها الطبيب باغتنام الفرصة. لكنّه عاد ليرفع رأسه ومعها سبّابته إلى السماء صادحا بصوتٍ عالٍ:” هل يُعقل أن يصير شخص مثلي، ظلّ حرا قويا يزأر طوال حياته، مُحتجزاً كدجاجة مريضة في القنّ، بينما يصيح الجميع من حوله. لم تكن احتمالات الشفاء كبيرة، لكنّي رغم ذلك قرّرت المجيء إلى هنا. إلى أبعد نقطة عنهم، مع وحيدتي ابنتي الغالية سليمة”.
هنا تدخّل الطبيب:
” اعذرني إذا بدوتُ مُستعجلا بعض الشيء، لكنّي أريد أن أخبرك بالمستجدّات قبل أن أعود إلى عملي”.
استرعى هذا الكلام انتباه عُمر بالكامل. تفتّحت عيناه الذابلتان رغما عنه، وارتفعت أذناه. وأخذ يُعدّل وضعيته مُقتربا من الطبيب، وقال بلهفة: “تفضّل”.
“هناك اختبار أخير، أريد تجربته. ولنقل إنّها فرصة أخيرة نودّ اغتنامها. إنّها عملية جراحية تتطلّب تدبيرات خاصة. سنحاول استئصال الأورام من جسدك، حتّى آخر نسيج مصاب”.
قال طبيب الاختبارات، وأجاب عُمر: “ألم تفشل العملية الجراحية من قبل؟”
“نعم ” أجاب الطبيب، وواصل: “لكنّ هذه المرّة سنشغل السرطان، من خلالك. حيث سينتقل وعي السرطان من الخلايا السرطانية، إلى وعيك، إلى موقع التفكير والخيال والذكريات، ستجعله يسافر معك بعيدا عن الجسد، في الوقت الذي سنعمل فيه. سيكون التخدير موضعيا جزئيا، لنحافظ عليك واعيا يقظا”.
“لم أفهم؟ للسرطان وعي؟ وكيف أشغله؟”
“نعم هذا ما اكتشفته آخر الأبحاث. ستتكلم معه. أصارحك بأنّها سابقة. ولهذا فكلّ شيء مُحتمل. سيتعلّم العالم كلّه من هذه التجربة. لا نعرف بالضبط ماذا سيجري، لكنّنا نعرفه نظريا. “
” ما هو الأمر المؤكد الذي تعلمونه نظريا؟ يا ايّها الطبيب، لأكتسب بعض الثقة”.
“ما نعلمه بالتأكيد، هو أنّ السرطان يتفاعل مع حالة المريض النفسية. مع حواراته الداخلية، ومع الآخرين. إنّه يتحفّز بالشعور والكلام. هذا الوعي يظهر أوّليا في جهاز رصد النشاط العصبي بعد حقن بعض المواد الكيماوية، حيث سيتواصل وعي السرطان مع وعيك عبر جهازك العصبي. ولن يكون ذلك عبر الانتقال عضويا، بل حسّيا من خلال السيالات العصبية. إنّه ذكاء من نوع آخر. ليس بشريا، ليس حيوانيا، ليس اصطناعيا، إنّه بيولوجي، وهو شرّير. هل فهمتني؟.”
“نوعا ما..حسنا..يتعيّن عليّ الحديث معه.. أو بالأحرى أن أصطاد وعيه..حسنا ما هو الطُعم المناسب. هل هو الاستفزاز أم الشعور بالشفقة.”
“افعل ما شئت معه..قُل له ما شئت.. إنّه سرطانك! وسنتابع تجاوبه من خلال نبضات القلب، ومن خلال مُستشعر إشعاع الخلايا السرطانية، وباستعمال الآلة المُطوّرة خصيّصا لتتبع النشاط العصبي للسرطان، بالموازاة مع نشاطك العصبي.”
“حسنا..يبدو أنّها معركة. من المُهمّ أن تكون عمليتي الجراحية أوّل معركة واعية للإنسانية مع هذا المرض الواعي الخبيث”.
قال عُمر للطبيب. وخلال ما تبقّى من اليوم، راح الأطباء والممرضون، يتحضّرون لهذه العملية الاستثنائية، من خلال نقل بعض الأجهزة إلى غرفة المريض، وتحضير جسمه هرمونيا إلى العملية. لقد كان قويّا، ورغم كلّ التجارب السابقة لا يزال بُنيانُه صامدا.
وسُرعان ما علِمت سليمة، وعلِمت الصحافة المحلية والعالمية بأمر هذه العملية الجراحية، وعلمت العائلة من وراء المحيط الأطلنطي.
وبعد أسبوع من ذلك الحوار الشيّق بين عُمر وطبيب الاختبارات، وعندما تمّت كل التحضيرات التقنية، الإدارية والجسمانية للمريض، تقرّر بدء العملية، على الساعة الثامنة.
قبّل عُمر ابنته سليمة، وعانقها كما لم يُقبّلها ويعانقها من قبل. اتّصل بأسرته، لم يفتح لهم المجال للكلام، بل عبّر لهم عن مسامحتِه لهم، وطلب منهم الصّفح، فلطالما كان مُتزّمتا، ثمّ أقفلَ الخطّ.
أغلق الأطباء الغرفة، وبدأت التحضيرات.
“أترى ذلك المؤشر الضوئي؟ عندما يومض بالأحمر، يبدأ دورُك بالكلام.” قال الطبيب مخاطبا عُمر، الذي أومأ إيماءة خفيفة.
تمّ ضخّ المواد الكيميائية، وانطلق الكابوس. ظهر وعي السرطان على جهاز الرصيد العصبي، وومض المؤشر الضوئي بالأحمر. على عُمر أن يجذبه سريعا، قبل أن يبدؤوا العملية. في غضون ساعة يزول مفعول المواد الكيميائية، ولن يتمّ رصد السرطان بالآلة، ولا يمكنهم ضخّ هذه المواد مرّة أخرى، وهكذا تضيع الفرصة.
سرعان ما سُمع عُمر وهو يُتمتم، وكأنّه يهذر:” اتركني أعيش، دعني أحيا. اتركني أعود لوطني، لمزرعتي، لأبنائي. أريد فرصة أخرى…”
واستمرّ عُمر على هذا المِنوال، دون أن يحدُث أي تحفّز. السرطان حاضر بوعيِه، لكنّه لا يُبدي اهتماما لخيال عُمر أو ذكرياته، لم يقترب حتّى من مركزه العصبي. نظرت الطبيبة المساعدة لِيلِي إلى الطبيب المسؤول روبرتو، نظرة أسف وحيرة.
أشار عُمر إلى الطبيب بإيماءة، متسائلا إذا حدث أي شيء.
“عليك أن تُتابع المؤشر الضوئي. على تلك الومضات الحمراء المتباعدة زمانيا، أن تتسارع وتيرتها. كلّما تفاعل مع وعيِك، وانشغل بخيالك، زادت الوتيرة، حتّى تضيء دون انقطاع، حينها فقط، يُمكننا العمل.”
قال روبيرتو.
“حسنا. يبدو أنّ خطاب الأسف والشفقة لم ينفع”. قال عُمر.
“لأنّه لم يكن صادقا وحقيقيا، أليس كذلك يا عُمر؟”. قالت لِيلِي.
“نعم. صحيح.”
” عليك أن تتفاعل أنت مع ما تقول ليفعل هو.” واصلت الطبيبة.
“يا أيّها الخبيث. يا أيّها القاتل! الستُ أتحدّث معك؟ هل تُريد قتلي دون أن تُنصت إليّ حتّى؟ أنا أعلمُ بأنك تفهمني فأنتَ جزءٌ منّي.”
زادت وتيرة الوميض.
أومأ الطبيب روبرتو إلى عُمر بالمواصلة. علامات الوجع بدأت تظهر على عُمر، فقد صار السرطان أكثر توهّجا.
“يبدو أنّنا على نفس الموجة الآن. اسمع جيّدا، تظنّني رجلا بائسا يائسا يودّ لو يعيش سنة أخرى أو سنوات، وأنت فرحٌ جدّا لتحطيم هذا الأمل، كما تفعل كلّ يومٍ مع كثير من المرضى، وكأنّها لعبةٌ بالنسبة لك، يا أيّها اللاعب بالأرواح، المُتلاعب بالأنفس، المُداعب للموت، المواظب على الأحزان. فلتعلم بأنّي إذا غادرتُ اليوم عالم الأحياء، سأغادر سعيدا، واثقا بأنّك لن تعيش من اليوم فصاعدا إلّا المآسي يا مُحبّ المآسي…”
زادت سرعة الوميض، وأوشك أن يستقرّ. وواصل عُمر مُتوجّعا:
“لكن قبل ذلك، أريد منك أن تفتح نافذة خيالي، وأن تستنشق البعض من ذكرياتي”.
ثمّ توقّف عُمر عن الكلام، لقد كان الوجع قد زاد، حتّى قبل أن يبدؤوا العملية، إنّه السرطان، وقد زاد توهّجه.
بقِي الأطباء والممرضون يُحدّقون إلى ذلك المؤشر الضوئي شاخصين، وظلوا لبعض الثواني قبل أن يستقرّ المؤشر الأحمر ويضيء بلا انقطاع. لقد علِق السرطان بين ذكريات عُمر.
أعطى الطبيب روبرتو إشارة لمساعديه، بتمرير الأدوات.
في الخارج تنتظر سليمة، ويتدافع الصحفيون بميكروفوناتهم وكاميراتهم، لاقتناص أي خبر.
أمّا داخل الغرفة، فقد ارتفع صوت الصراخ رغم التخدير الموضعي. تفاعل السرطان مع ذكريات عمر. كان يتوق لرؤية البؤس والشقاء والمأساة في حياة عمر وماضيه، ليشمُت ويسعد لإنهاء حياته. فالسرطان يتغذّى على الأحلام المجهضة والآمال المقتولة.
ولكنّه وجد عكس ذلك، حياة مرصعة بالإنجازات. كل حلم في حياته كان يبدو مستبشرا فرحا. فاغتاظ السرطان وحنق على عمر.
عمل الفريق الطبي دائبين كالنحل، على استئصال الأورام المتفشية في جسده، وهي مستسلمة لهم.
لقد كانت عملية غير عادية، صراخ يتعالى ومقصات تصطكّ وساعة تستهلك دقّاتها. إنّها ملحمة الحياة والموت.
بعد انقضاء ساعة إلا ربع، تشنّج المريض وراح يرغي ويزبد، فيما يشبه النوبة القلبية وواصل الأطباء العمل، مضيفين جرعة أخرى من المخدر، فقد أوشكوا على استئصال كل الأورام والأنسجة المصابة.
بعدها هدأ المريض وغفا. فرغ الأطباء من عملهم وجاء الدور على تقطيب الجرح. وبعد مضي بعض الوقت على العملية واستقرار المؤشرات الحيوية للمريض، وبعد القيام ببعض التحاليل الطبية، تبيّن أن المريض برئ كلية من السرطان.
بعد أسبوع استعاد عمر وعيَه، غير أنّه لا يزال فاقد الوعي. صار تجاوبه مع الأطباء والزوار غير طبيعي، فقد عاد يتصرّف كالمتخلف ذهنيا. ثمّ تأكد الامر، صار عمر تائها بين المجنون والعاقل. لقد أكل السرطانُ وعيَه.
استفاد الاطباء والباحثون والعلم عموما من العملية الأولى وتم اكتشاف مصلٍ يُحقنُ خلال العملية ليضمن التفاعل التامّ مع وعي السرطان، وهكذا لا يضطرّ المريض للبقاء صاحيا، والمعاناة خلال العملية.
تمت متابعة حالة عُمر خلال الشهور الآتية. اختفى السرطان وتلاشى وعيُ عمر معه. لعلّه ضحّى لخيرِ الإنسانية جمعاء. ولم يُفهم لعُمر كلام بعد ذلك إلا عبارة يُردّدها: “أنا سرطان السرطان”. يقولها فيبتهج!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق