ثقافة المقال

المبدعون والنقاد مدى الاتفاق والاختلاف

عمر طرافي

هل كل ما يمليه نقاد الأدب يجب  الالتزام به لدى المبدعين ؟ أعتقد أنّ المبدع الذي يفعل ذلك يكون قد حصر نفسه داخل دائرة الإبداع الأكاديمي الكلاسيكي  ، وهذا النمط الأخير لا يخلو من عيوب رغم فائدته !  لأنّ حركة النقد متجددة و متطورة وسيرها بدأ يتسارع كثيرا مما أثرى ساحتها بالمزيد من الرؤى النقدية تصل إلى حدّ التعارض والتناقض بيد أنّ أجمل شيء تهللّ له المبدعون إزاء النقد الحديث هو تغيّر مفهوم النقد الأدبي  الذي كان  يُعدُ إلى وقت قريب حُكما يُجلّي الرديء من الحسن في النص الواحد  أو عدة نصوص، وإنما أصبحت هذه خطوة أولى لا مناص من اتخاذها لانتقاء النصوص المزمع نقدها، ولا شكّ أنّ أيّ ناقد لن يختار إلا النصوص التي يرى أنها راقية في جمالياتها فيكشف لنا بعضا من تلك الأسرار مما يزيد في تضخيم ذلك الأثر الفني من قراءة تلك النصوص الجميلة. ولن يستطيع أن يكشفها كلها مهما حاول ومهما عظمت موهبته في التبيين لأنّ القراءة لم تعد واحدة في النص المفتوح ، بل تتعدد القراءة مع كل قارئ على مبدأ تعدّد التأويل وفق مستويات القرّاء بل وتختلف نفس القراءة وتتعدّد عند القارئ الواحد حين  تتغير الأمزجة  والأمكنة  والأزمنة و نمو الوعي الأدبي  وغير ذلك من العوامل .

إنّ هذا الرؤية الجديدة للنصوص الأدبية أصبحت تُطبّق حتى على نصوص قديمة العهد ، وقد وجدنا أنّ بعضا من الاتهامات بانغلاق نصوص  رائعة وخالدة كالشعر الجاهلي مثلا هي اتهامات قاصرة وتحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر ، كما أنّ العديد من الأطروحات الجامعية اتجهت لقراءة التراث بهذا المفهوم المعاصر وهذا ما نشجعه ، ولا يعني هذا أني متعصب للقديم كما قد يظنّ ظانّ  لأنّ خلود النصوص القديمة إلى يومنا هذا دليل مشرق على أن هناك اتفاق في كمون أسرار جمالية بذائقة رفيعة في أغوارها .

حينما بدأت أطالع كتب نقد النقد والمناهج النقدية  ـ وأنا في ذلك مبتدئ ـ وجدت كثيرا من النقاد العرب يؤاخذون  من أبهرتهم  المناهج النقدية الغربية لاسيما النصانية منها ، ويدعون إلى تأسيس نظرية نقدية عربية خالصة انطلاقا من جذورنا الأصيلة ، لكن هذا الاتجاه انتـُـقد كون نقدنا القديم لم يسلم من تأثير حضارات أخرى  ، وبالتالي لايمكن الخلوص لنظرية عربية قـُحّة ، ثمّ إنّ المناهج النقدية الغربية رغم أنها منتقدة كلها من طرف الغرب أنفسهم قبل العرب ، وأنّ بعضها قام على أنقاض البعض الآخر كالبنيوية والتفكيكية تظل ّ بلا ريب ذات قيمة لها وزنها  كلما نجح نقد النصوص على تلك المناهج ، ولعل الأسئلة  التي تهمنا في هذا المقام  هي : ما معنى نجاح نقد لنص ما ؟ وهل هناك فشل لمناهج نقدية ؟ وهل حقا أنّ الغرب بدأ يتخلى عن هذه المناهج وأنّ له الآن رؤى وتصورات نقدية جديدة وأنّ العرب يأخذون فقط ما استهلكه هؤلاء حقبة من الزمن بعد لفظها ممجوجة ؟  مهما يكن من أمر فإني أرى مايلي :

  • تعدّد المناهج النقدية  بشقــّيها : النصانية والسياقية هي إثراء جميل وزوايا مختلفة لمنظور يكتشف أغوار النصوص .
  • لا توجد حقيقة مطلقة وقراءة  تزعم أنها هي القراءة الصحيحة دون الأخريات مهما كانت نتائجها مدهشة .
  • كلّ نص منقود انتهى بنتائج مفيدة هو نقد ناجح وفعّال .
  • قد تتعارض أو تتناقض النتائج لكنها لا تعني التفنيد والإلغاء والإقصاء ، بل هي مساحة للاختلاف وتعدّد الرؤى من منطلقات منطقية .
  • كل من اختار منهجا نقديا لابدّ أنه مختبَر ُ ُ   قبل أن يظهرهُ الناقد للعلن وبالتالي لاتجوز المؤاخذة  على استعمال هذا المنهج أوذاك فضلا عن كونه وسيلة لإحدى  القراءات .
  • كل نص له ما يلائمه من منهج أوعدة مناهج أو تركيب أو حتى  لامنهج وهي مهارة وفراسة ودُربة يتحلى بها الناقد الحذوق ،
  • لايوجد منهج نقدي  واحد نتهمه بالفشل ، إنما الفشل يكون في اختيار المنهج غير الملائم أي الذي لايعطي نتائج مفيدة .
  • كل النصوص التي يرغب النقاد في ممارسة النقد عليها هي نصوص ذات أبعاد جمالية بها اختيرت للتطبيق .

وبناء على كل ما سبق فإنّ وظيفة النقد هي كشف بواطن الجمال للنص الأدبي بأيّ درب مسلوك وجعلها تتجلى أكثر سطوعا على القراء وهي وظيفة كما نرى تتقاطع مع علم الجمال ،ولا يمكن بأي حال من الأحوال  أن تكون وظيفته تلقين المبدعين محاضرات في علم الجمال !!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق