ثقافة السرد

اغتصاب دجاجة

مهند الخيكاني

ما زلت غير مستعد و غير معتاد على هذا التحول ، إلا أنني توزعت بشكل غريب بين ذاكرتي ، وبين ذاكرة الديك .

حدث ما حدث ، كذا قتلى ، كذا جرحى ، أغلقت الفيس بوك ، اطفأتُ الضوء ، وقررت النوم .
دق المنبّه دقاته مع النبض مع تدفق الدم من القلب وعبر الشرايين ، بشكل مرعب وغير مسبوق ، فتحت عينيّ بسبب ذلك ، وقد ظننت انه وقت الاستيقاظ والذهاب الى العمل .إلا اني صدمت بكوني تحولتُ الى ديك ..
لن اطيل الشرح والتفصيل هنا ، كافكا اخبرنا الكثير عن ذلك التحول في روايته ” المسخ ” لكن قصتي مع الديك مختلفة .
شاهدتُ الناس تروح وتجيء ، صوت قارئ القرآن يتسرب عبر مكبرات الصوت بكل الانحاء ، مخترقا شقوق الجدران المتعبة ، وصولا الى أعمق الأشياء وأبغضها داخل المنازل .
النساء يصلن الى باب البيت حيث العزاء ، ويصرخن ” يبووي ” ، فاصل ثم ” يبوووي ” فاصل .. وهكذا .
كنت أشعر بالفضول ، لكن غرائز الديك تثنيني عن الشعور بالطريقة المنطقية المعتادة لبشري ، وعلى الرغم من أنني ما زلت غير مستعد و غير معتاد على هذا التحول ، إلا أنني توزعت بشكل غريب بين ذاكرتي ، وبين ذاكرة الديك .
هناك تنافسٌ صغيرٌ حدث في الحلبة الواقعة في رأس الديك ، بين وعيي ووعيه ، بين غرائزه القوية المستيقظة في الجسد ، وغرائزي الخفيفة ، وعلى الأكثر فإن الديك ينتصر .
هو ما جعلني في الليلة الماضية استجيب لغريزتي الحيوانية كديك يحتاج الى أن يقضي الليل برفقة الدفئ ، كان صوتُ دجاجة الجيران يدعوني وهي تنقر الحائط ، وهو صوت تنظيفها لذلك المنقار على الجدار .
طرتُ عبر الجدار الفاصل بين البيت الذي أسكن في حديقته ، وبين البيت المجاور ، جناحٌ يحلق ، قدمٌ على أحد البراميل ، قفزة اخرى ، يحلق الجناح مرة اخرى ، استطيع القول انني طرتُ في تلك اللحظة ، وهو قول يخصنا نحن الديكة ، على الرغم من اننا لا نطير ، لكننا ذوو كبرياء . ونرفض أن يقال لنا ، طيور معاقة مثلا.
اكتشف صاحب الدار في تلك الساعة من الليل خلال الضجيج الذي أحدثته غرائزي ، أنني الديك الشقي وقد مارست مع دجاجتهم المصونة ، الجنس . نحن لا نسميه الجنس ، نسميه الغريزة فقط ، فليس لدينا علم اجتماع او فلسفة ، ولا نفكر كثيرًا بما سيحصل وكيف ستعيش الفراخ ومن يصرف عليها ، ويرعى مسؤوليات الأم وحاجاتها ، ثم مرحلة اختيار الاسم والهوية واجراءات لا تنتهي ، نحن نفعلها ونمضي .
الأصوات تختلط في رأسي الآن ، وتقسمه الى نصفين ، هناك مجموعة من الرجال ، يحملون أعلامًا ويطلقون اهازيج مختلفة ، يرافقها صوت يربك الأرض ، وبين ما أتذكره انا عبر ذاكرة الديك ِ ، أن صاحب المنزل ، كان رجلا شريفًا جدًا ، ولا يمكن له أن يسمح ل ديك الجيران ، أن يعتدي على دجاجته المصونة ، رغم ان الدجاجة كانت سعيدة ولم تقل كلمة .
اخرج صاحب المنزل المجاور ، كل اسلحته الخفيفة والثقيلة ، وتبادل معه صاحبُ المنزل الذي أسكن في حديقته اطلاق النار ، بعدما شعر بالتهديد .
بينما كنت انا والدجاجة في أحد ممرات البيت ، تحيطنا الظلمة من كل جنب ، نمارس الغريزة .
انتهى الامر بأن حدث ماحدث ، كذا قتلى ، كذا جرحى . في ذلك اليوم تحديدًا وبعد انتهاء المعركة ، ودّعت دجاجتي العزيزة ، جناح يحلق ،قدمٌ على احد البراميل ، قفزة أخرى، يحلق الجناح مرة اخرى . عدت الى البيت .
ضوضاء من الأطفال تجتمع في الخارج ، يتضارب فيها الضحك والقلق ، هناك طرقٌ عنيفٌ للباب أيضا ، فتحت عينيّ مرة أخرى ، نهضتُ من فراشي بتثاقل مريع ، كان الجيران يبحثون عن ديكهم ، على مايبدو هناك من رآه يقفز الى باحة منزلنا ، فركتُ عينيَّ بقوة تصاحبها الدهشةُ لسماع ذلك ، الأمر الذي خلع الثقل عني ورفعني درجة من الاستيقاظ والانتباه .
ضحكتُ وحمدتُ الله كثيرًا ، أننا لا نملك دجاجةً في المنزل ، أقصد لا نربي الدجاج ، فكل الدجاج الذي يدخل منزلنا يعيش في الثلاجة فقط .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق