ثقافة السرد

حدثنا خازن بن مخزون

محمد  الزاكي*

حدثنا خازن بن مخزون ،  ونحن في أول رمضان ، وقد اجتمعنا بالزقاق. قال فيما نقله عن صديقه ” بولعيون “، قال لي بولعيون وهو يرى المدينة ، ويرمق غصصها وغصص ابن المصباح: ” المدينة لم تستسغ بعد صيرورتها، وهي مقتحمة كرها في طواحين النسيان.. يهددها مثل تهديده لابن المصباح.. هاهو يمر أمامنا .. مشيته يحسبها الجاهل اختيالا وفخارا.. أما أنا وأنت فنعلمها حق علمها.. ندرك أن ابن المصباح أوشك أن يصبح نسيا منسيا.. “. واصل خازن بن مخزون حديثه ، بعد توقفه قليلا ريثما يأخذ قارورة السعوط الصغيرة التي جاء بها ولد با ادريس فقال مستأنفا: ” لذلك بقي أولئك المنسيون لا يهنأ لهم واقع المدينة.. ليس بيدهم ما يقدمون أو يؤخروا،  وتجري رياح الأيام على غير ما تشتهيه أنفس أولئك .. “.

وانتهى حديث ابن مخزون .

ودخل الزقاق ابن المصباح الذي كنا نأمل بركته .. دخل يسأل بعد غيبة سحيقة عن هذا المكان وغيره : هيه يا أولادي تغيرت الأماكن ، قال لأحدنا:

– أهذه هي سانية بوشعرة ؟!

قال له مجيبا :

– هي بعينها .

فقال له مستنشقا نسائم الحنين :

– أصبحت أثرا بعد عين .

ثم قال ابن المصباح لطفل اقترب إلى المراهقة :

– وهذا الزقاق ماذا يسمونه ؟

أجاب الطفل بسرعة :

– زقاق المعتمد بن عباد .

اهتز رأس ابن المصباح ، وقال :

– جميل هذا الاسم مثل شعر صاحبه الصافي الرقيق .. درسته في صباي عند علامة من علماء هذه المدينة .. جميل حقا بجمال زمن الطفولة بهذه الأزقة والدروب .. جميعها كانت بساتين مزروعة مخضرة تعبق بأريج النزهة و البهجة .

قال أحد المتجمعين :

– تعني كذلك جمال ” أيام النزاهة ” التي تغنى بها المرحوم الحسين السلاوي ؟ ..

قال ابن المصباح وقد ملكه الإعجاب :

– أجل .. وبكل تأكيد .

قال له خازن بن مخزون في حديث يذيب لفائف القلوب :

– إذا كان المرء جده قاضيا مشهورا ، وكان عمه عالما بأمور الفلك ، وكان … وكان …ثم  ترى المرء ينحدر نجمه إلى الأفول ..

قال ابن المصباح :

– أفصح يا ابن مخزون أو اصمت ..

قالت قائلة :

– علمنا من أبي وجدي أنك كنت طالب علم نبيها ، ثم دارت السنون ، فصرت إلى ما صرت إليه ، ولا عيب في الزمن فالعيب فينا نحن ..

نظر إليها ابن المصباح وإلى ابن مخزون .. اشتد غضبه ، وفي لحظة قصيرة انغمس في هدوء متدرج .. قعد على كرسي بائع مواد البناء .. نظر إلى اليمين وإلى الشمال  ، لم يزده  ابن مخزون أي حديث كي لا يغضبه أو يركسه في قعر سؤال موجع .

قال ابن المصباح مناجيا نفسه :

– لم يقل ابن مخزون سوى الحقيقة .

اقترب مغيب الشمس .. حركة درب ” سانية بوشعرة ” غير عادية .. تتسارع خطوات الذاهبين والآتين .. هذا ينظر إلى ساعته .. ذاك يشتري الحلوى من فرن زقاق الدرب .. هذه عائدة من الحمام ، والأخرى مستعدة للذهاب إليه مباشرة بعد أذان المغرب بدقائق قلائل كي  تجده  غير مزدحم بالمستحمات .

ووقف ابن مخزون وقفة الواثق من نفسه ومن صحة ما يروي ، فقال لنا: ” أخبرني من لازمته طويلا ، ومن كان علمني – رحمه الله – صناعة الحصير ، وكان يتقن حرفته ..  قال لي فيما سمعه عن أمهر حصار عرفته المدينة يوم كان للحصير من السمر قيمة عالية ،  قال : إذا كان لابد لهذه الحرفة أن تتلاشى في المستقبل المجهول ، فلا يضر هذه المدينة اندثار هذه الصناعة ، وما أخافه على هذه المدينة أن يندثر من يزن حمولة حضارتها وثقافتها وتاريخ أعلامها بالقسطاس المستقيم ” .

سمع ابن المصباح كلام ابن مخزون ، أدخل قارورة السعوط في جيبه ليستأنس بها عقب الإفطار .. قصد ب ” باب احساين ” .. لقد أفطر بلاذع الكلام قبل إفطاره بلذيذ الطعام .. قدم له ولد با ادريس الماء والتمر عند سماعه لأذان المغرب ، أكل ابن المصباح تمرة ، وأتى على قدح الماء بكامله ليبل غلته ، فقد انتشف حلقه من حديث خازن بن مخزون .

استند ابن المصباح إلى عكازه .. جاوز الزقاق والدرب .. اختفى تماما عن الأنظار في برهة قصيرة .

انفض جمع المتجمعين ، هذا إلى بيته ، وهذا سيفطر في دكانه ، والآخر في مقاهي الحي .. بقي واحد من المنفضين .. كأنه يناشد ابن مخزون أن يطلعه عن الأسرار المكنونة في جعبته ..  فطن ابن مخزون إلى وقوفه  فقال :

– لا حديث بعد الآذان عن الشجون والأحزان .. وفوق ذلك نحترم ابن المصباح ونقدره ..وحديثنا معه هو حديث معاتبة لا غير .. فاذهب إلى أولادك .. إنهم في انتظارك للإفطار جميعا .

ثم أسرع ابن مخزون في  اتجاه الطريق الذي سلكه ابن المصباح كأنما يود اللحاق به .

  • قاص من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق