قراءات ودراسات

“بين الغمام”

بقلم د. صفا فرحات

سأحاول في هذه الورقة، تقديم مقاربة نقديّة لمجموعة من الأعمال، تتغيّا في أن تكون قصصا قصيرة كما تمّ التّصريح به في العتبة النّصيّة الثانية من كتاب بين الغمام.
وسأقوم في هذه العجالة بتقديم تصوّر حول سيميائيّة العنوان والغلاف وما يحتويه من صور وألوان، تشير إلى ما بداخل العمل محمّلة بالإشارة والإثارة والغموض في المنظومة التّراسليّة بين المرسل والنّصّ والمرسل إليه.
ولعتبة النّصّ عدّة وظائف، ومن أهمّها إدراك خصوصيّة النّصّ ويتمّ هذا بتحديد المقاصد والإشارات الدّلاليّة من خلال دراسة العلاقة القائمة بينها وبين المتن الرّوائيّ. والعنوان هو عتبة النّصّ الأولى ويُعتبر، كما جاء في كتاب السّيميوطيقا والعنونة، لجميل حمداوي، المفتاح الإجرائي في التّعامل مع النّصّ في بعديه: الدّلالي والرّمزي، فهو من الأهميّة بمكان للدّخول إلى عالم النّصّ.
وهكذا فإنّ العنوان، العتبة الأولى، من أهمّ المفاتيح لسبر أغوار النّصوص المغلقة وإعطاء إشارات تنويريّة تكشف غموض هذه النّصوص وتضيء مجاهيلها.


وفي تحليل العنوان وما يحيط به من صورة للغلاف والتّقديم والإهداء، نكون قد استعنّا بها بشكل صحيح في الولوج الآمن لعالم الرّواية، لأنّه في هذه المرحلة، مرحلة كشف عتبة النّصّ، تُنسج بذور العلاقة الأولى بين أطراف العمليّة التّراسليّة، وهي علاقة محكومة بالأساس بالبعدين النّفسيّ والأيدولوجيّ للمتلقّي، الّذي يصبح مشاركا فاعلا في إعادة كتابة النّصّ، وهكذا تتبلور الجدليّة بين الكاتب والقارئ والنّصّ لتنفضّ عن فهم عميق للمتن الحكائي.
وفي إبحارنا بهذه المجموعة الإبداعيّة، مجال الدّراسة، نجدها تضمّ بين جنباتها ثمانية من الإبداعات الأدبيّة، وغلّفت بغلاف موسوم بعنوان: بين الغموم، ونُقشت عليه صورة فتاتين وغزال، وهاتان الفتاتان تقبضان على عصا بحنوّ لكن، بتمكنّ ونظرات التّحدّي في عيونهما.
وقد أصاب من اختار العنوان المكوّن من كلمتين: بين الغمام، إذ قد نجح في إثارة الفضول والدّهشة والرّغبة في انقشاع هذه الدّهشة بقوّة دافع استمراريّة القراءة، لتنكشف أمام القارئ سبب هذا الاختيار من المقدّمة ومن التّطهير كذلك، إذ جاء فيهما:
اخترنا أن نطلق على هذا الإصدار اسما مميّزا بعنوان: بين الغمام، إيمانا منّا بأنّ حياة الإنسان تتلاطم بالعديد من التّحدّيات تتمثّل بالغمام، ونحن كأفراد، علينا أن نشقّ طريقنا بينها لنفتح طاقة من الأمل، تقودنا إلى غد أكثر إشراقا.
علما أنّ السّحر يكمن في استجلاء المراد دون تقديم تفسيرات، لأنّها تحدّ من حواريّة التّلقّي والاستقبال.
وبما أنّ المراد من العنوان صار واضحا، بقي علينا أن نتقصّى دقّة الاختيار وإيجاد العلاقة بين الغمام والصّعوبات المتراكمة المضمّنة في دلالة هذه الكلمة:

د. صفا فرحات

لقد ورد في لسان العرب، أنّ كلمة غمام جاءت من الجذر غمم، والغمّ والغُمّة بمعنى الكرب، وفي التّنزيل العزيز: ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة، ومجازها: ظلمة وضيق وهمّ.
وهكذا ومن البداية، نسير نحو اكتشاف ما ينتظرنا في المتن الحكائيّ، يتمحور حول تحدّي أبطال الصّور القلميّة للصّعوبات المتراكمة، وكيفيّة شقّ الطّريق نحو النّجوم المتلألئة، علما وأنّ من معاني الغموم، النّجوم الصّغار المخفيّة، كما تشير إلى السّحب الماطرة، وقد رمز العرب من خلالها إلى العشب والكلأ.
وهكذا وعلى الرّغم من الصّعوبات المتراكمة، الّتي أشار إليها بكلمة ” بين”، دلالة على تواجد أبطال هذه الصّور القلميّة في خضمّها، فإنّ روح التّفاؤل هي المسيطرة وهي الّتي ستقود إلى نهاية مشرقة بقوّة الانتصار.
وفي التّمعّن بالغلاف وبصورة الفتاة الّتي احتلّت جزءا كبيرا منه، نجد التّصميم والعزيمة في التّقدّم بخطى ثابتة واستشراف الأمل بفرجة لا بدّ من قدومها.
لقد نجح مصمّم الغلاف في تصميمه، بما أضفاه من أصباغ عليه، فهي قاتمة بما يحيط بالفتاتين، مغمومة في إشارة واضحة إلى وضعهما الحاليّ، وما بعد هذه الألوان، يجيء اللّون الأخضر انفراجا نحو الأمل الباسم.
وفي تقصّي المضامين الحكائيّة، تطالعنا القصّة الأولى” السّبيل”، وهي أقرب إلى الصّورة القلميّة منها إلى القصّة القصيرة، وهي تدور حول فتاة مشلولة في نصفها الأيمن، تحاول كتابة قصّة لفتاة من ذوات الإعاقات، لتكون العمل الّذي ستقدّمه في دورة الإبداع، هذه الدّورة الّتي أشير إليها في المقدّمة.
فقد أحالتنا القصّة إلى ورشة عمل إبداعيّة حقيقيّة، كانت هذه الأعمال نتيجة لها، وهكذا تصبح القصّة الأولى أقرب إلى المقالة القصصيّة، وهذه تلتقي بالقصّة القصيرة في كثير من نقاط التّلاقي، وبخاصّة في استعمال نفس التّقنيّات اللّغويّة المتّكئة على التّكثيف وتقترب من اللّغة الشّعريّة، لكنّها تفترق عنها في تواري شخصيّة الكاتب وظهورها، فهي في المقالة بارزة، تخاطب جمهور القرّاء مباشرة، مقابل تواريها خلف شخوص القصّة القصيرة، وفي ” السّبيل” نقرأ الجملة الآتية:” … عجز قلمي عن أن يخطّ أيّ حرف يذكر، موعد لقاء الدّورة القادم يقترب”. إشارة إلى ورشة العمل الّتي قامت بها جمعيّة المنارة.
هذا إضافة إلى الاستشهاد بأبيات شعريّة للمتنبّي ولخليل مطران كما رأينا في باص رقم 1 ، الأمر الّذي يؤكّد أنّنا أمام صور قلميّة أو مقالات قصصيّة بامتياز.
لكنّ هذه الأعمال الأدبيّة، مهما كانت مسميّاتها، تستند على التّرميز والتّكثيف، وتعتمد على تقنيّات فنّ القصّة في كثير من الأحايين، وترتبط في ما بينها برباط الرّفض والقبول.
ويظهر الرّفض في تهرّب بعض أطياف المجتمع من ذوي الإعاقات وعدم تقبّلهم بين ظهرانيهم ، وقد يصل الأمر حدّ الفظاظة المصحوبة بالسّخرية والإحباط، كما ظهر في قصّة الطّبيبة، وفي الحوار مع الطّبيب: ” يا خيي إذا بدّك تنتحر انتحر، شو بدّه يخسر العالم يعني؟ مين ماسكك؟ اطلع برا وارمي حالك قدّام عجل سيّارة وانتهينا”.
وفي الاتّكاء على نظريّة الأنساق الثّقافيّة، وفي محاولة تعرية المظاهر الاجتماعيّة واستكناه الشّخصيّة الثّقافيّة للأمّة، نجد عدم تقبّل مجتمعنا العربيّ لذوي الإعاقات، وظهر صارخا بأقسى درجاته، عندما جاء على لسان شريحة المتعلّمين، الّذين يفترض، أن يتعاملوا مع المختلف بعين التّعقّل والتّفهمّ والقبول، فنجدهم قد لبسوا رداء الرّفض، وهو أمر يشير إلى طريقة التّفكير تجاه بعض الأمور المغايرة، هذا مقابل نسق ثقافيّ لمجتمع آخر، ينطلق من ثقافة مغايرة، ترى في ذوي الإعاقات جزءا مكمّلا للمجتمع، يساهمون في تحصينه ورقيّه، وظهر النّسق المغاير، في نفس القصّة، وفي مدار الحديث عن الطّبيبة اليهوديّة، الّتي أبدت تعاطفا وتفهّما لصعوبة حالة المريض، لكنّها نصحت بطبيب يفهم اللّغة ليتمكّن من المساعدة، وغاب عن ذهنها أنّها تُحيل المريض إلى نسق اجتماعيّ رافض.
ويظهر القبول كخيط رابط جامع لمعظم هذه الأعمال، ومن الطّبيعيّ أن يرتبط بالعائلة، وبالذّات بالأب، الّذي يمثّل في نسقنا الثّقافيّ، الدّعامة والرّكيزة المعوّل عليها، ويكون هذا القبول مقترنا في كثير من الأحيان بالخوف، من فقدان هذا السّند الّذي يعمل بكلّ ما أوتي من إمكانيّات لتذليل الصّعاب، وشقّ الطّريق نحو مشعل نهاية النّفق.
وفي غياب هذا السّند، بقوّة قهر الموت للطّبيعة البشريّة ولذوي الحيوات عامّة، يُستحضر في المخيّلة، ويُبعث إلى حيّز الحياة من جديد، فبدونه يهترئ الصّمود ويعجز عن المقاومة.
وها هو هذا السّند، يزور فتاته في المستشفى، في قصّة: سأبقى بقربك دائما، ويقبّلها ويجلس على طرف السّرير ينظر إليها، ويبحث ع بصمت عن إشارات الحياة في عينيها، وتجلجل ضحكاتهما في أرجاء الغرفة، وقد خشيت الفتاة إزعاج المريضة الّتي بجانبها، وفي استمراريّة الإبحار في هذه القصّة، نعلم بأنّ الأخ يُرزق بطفل، ويطلب من الفتاة المريضة، أخته، أن تأتي لتشاهده” فهو يشبه أبانا، رحمه الله”!
وقد نجحت القصّة منذ البداية ، بإيهامنا بأنّ الأب على قيد الحياة، ويغدق حنانه على ابنته مخفّفا عنها ألم العمليّة الجراحيّة، هذا رغما من بعض الإرهاصات الّتي قد تشي بتهيّؤات الفتاة المريضة، وإلى استغراقها في أحلامها برفقة أبيها فهو المعادل أمام قسوة ما تمرّ به وهو الّذي يعيد إليها التّوازن لتتابع مسيرها في خضمّ الغيوم الدّاكنة.
ويبقى الآمل مسكونا في النّفوس، فالإعاقة الجسديّة، لم تكن يوما حاجزا أمام الانطلاق، وأمثلة الحياة كثيرة، تمتدّ عبر أطياف الحياة، ولنا فيها قدوة ومثال يُحتذى.
د. صفا فرحات
(ألقيت المداخلة في أمسية الإشهار في نادي حيفا الثقافي بتاريخ 09.01.2020)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق