قراءات ودراسات

مجالسة ليلى عامر في رواية امرأة افتراضية

إلهام بورابة*

لماذا نقرأ الروايات؟ للاستمتاع؟ للاستماع لحكايا الناس؟ نلامس حياتهم / حيواتهم؟ نعرف أقدارهم؟

لنتأمل هذا الفضول ، هل له جدوى في عالم افتراضي؟ من خلال رواية ” امرأة افتراضية” للكاتبة والنفسانية ليلى عامر .

الكتاب بيّن من عنوانه/ امرأة افتراضية. وأوضح منه الغلاف بلون أزرق يكتبها وحرفf الصغير رمز الفيسبوك ، يقنعنا بأن الرواية تتحدث عن عالم افتراضي وقد سبق ليلى عامر في هذا كتّاب عديدون فماذا تريد ليلى إضافته إذاً؟

الإضافة هي العنوان الفرعي حتى لو كان من مستلزمات العنوان الأصلي. فلابد من اسم المستخدم لولوج هذا العالم الافتراضي. لكن الاسم المختاروالذي تبيّن لي لاحقا أنه مختار من فيلم قديم ذي علاقة مع المشكلة التي تطرحها الكاتبة، دم الوردة، لا يدع لي مجالا لأيّ اجتهاد للقراءة. ولا يقنعني بأن الرواية تخص العالم الافتراضي فيسبوك. فقد صار معروفا بل مرجعا مهما رمز الوردة في النقد الأدبي ، فهناك اتفاق بإحالته إلى رواية ” اسم الوردة” ل أمبرتو إيكو، لتفسير كل حدث روائي أو التنبؤ بمضمونه. وعليه بنيت فرضيتي بأن موضوع الرواية ” قاتل تسلسلي”. فقد قطع النقد الأمر بأن الوردة في الرواية هي قاتل تسلسلي. فليس من عندي أقول هذا . والوردة في النقد الفني دائما كناية عن قدرة الإيذاء بدلالة الجزء على الكل / الشوك.

فإذا كانت في التحليل النفسي الكناية تعبير عن خسارة ، فإن الكناية في البلاغة هي تعبير عن شيء غائب. ونفهم منها أيضا إقصاء شيء أو شخص لصالح آخر أكثر أهمية والإقصاء له معنى القتل ،

الكناية هي تقليص أشياء متشابهة تتحدد في سلسلة مع بعضها ،

فبدمج الرؤية النفسية والأدبية فنحن أيضا أمام قتل تسلسلي.

لنلاحظ هذا الافتراض التالي: اسم المستخدم / دم الوردة ، وباختزال اسم الوردة ، يصير لدينا دم المستخدم.

بلا شك أنا أمام روايتين: رواية أصلية ترتبط باسم الوردة ، أي رواية ظاهرية عن جرائم منفذها شخص واحد ، ورواية ضمنية هي الأصلية نقيضة للأولى . وليس كما يبدو عليه حقيقة العنوان إذ يقدم الموضوع الافتراضي عريضا ” امرأة افتراضية”.

يشير هذا الانقسام إلى ازدواج في الرؤية ، وكل ازدواج يدل على انفصام أو تقمص .

إذا موضوع الرواية الحقيقي هو الفصام . فصام افتراضي. وقبل أن أسأل ليلى هل تفتح بهذا مجالا جديدا يشتغل عليه النفس، أمضي للتأكد من فرضيتي. لكن اللغز يبقى في ” دم المستخدم”. خاصة وأن لفظ المستخدم منه لفظ ” دم”. دم ودم ، والدم رابطة قرابة أكثر منه نزف. فمن القريب الذي سبب الأذى لليلى؟

امرأة افتراضية قدّمها الاستاذ مشعل العبادي باستفاضة بينة ومشوّقة ، لكني مضيت للرواية واثقة بفرضيتي ولا أريد إلا اكتشاف اللغة التي تحمل كلّ هذا الزخم القصصي. وإذا منذ البداية أتأكد من حالة الفصام . لكنه فصام حقيقي وليس افتراضي. فأولى من التقيت من الشخصيات هي سميرة / إيمان ، في مصحة نفسية ، اختلط علي التشخيص ، هل هي حالة فصام أم تقمّص؟

ثمّ تأكدت من موضوع قاتل تسلسلي من جملة قصيرة وفي النص التمهيدي للرواية . الجملة هي : “لا أخبره شيئا عمّا ارتكبته / تصفية هؤلاء الأوغاد”.

منذ البداية لم أجد دهشتي ، عدا تأكدي من فرضيتي. فحالة سميرة / إيمان ، حالة معروفة في التحليل النفسي وقد كانت موضوع عديد الأفلام والمسلسلات ، أهمها بالنسبة لي المسلسل المصري “حالة عشق”، فقد بكيت فيه ما شاء لي قلبي. وربما هذا خلق فيّ أخيرا اهتماما بالرواية ، تضامنا مع سميرة . فاشتدت رغبتي لمعرفة الدافع النفسي لاختيار إيمان موضوع التقمص. ففي حالات التقمص يتم اختيار الشخص المطلوب بالضبط. لكن الأسباب تختلف حسب الأثر النفسي للشخص البديل في لاشعور المستبدِل. في حالة عشق مثلا تقمصت ملاك اختها التوأم عشق التي شهدت قتلها خلال طفولتها الأولى. القاتل كان الأب. ولعدم استطاعة عشق التبليغ عن الجريمة ، التجأت للحل النفسي المريح / التقمص. فعاشت لنفسها ولشقيقتها في شخصيتين. شخصية مستقيمة سوية / شخصيتها ، وشخصية شقيقتها التي تشبه سميرة الأخرى في رعونتها وإباحيتها ومغامراتها المنحرفة. ولهذا رضيت إتمام الرواية مستفيدة بين الفينة والفينة من سياحة ثقافية جميلة في منطقة من وطني الكبير لا أعرفها. فعرفت تيهرت / اللبؤة ، ، تيهرت الرستمية ،تيارت الزخم الاجتماعي والعمراني وروح ابن خلدون فيها ، منطقة وطنية أجهل تاريخها النضالي . عرفت أكثر علي معاشي الذي استعارت منه ليلى اسمه لبطلتها / سميرة معاشي. أخجلني جهلي لتاريخه رغم جائزة وطنية كبيرة في الأدب باسمه ، فكنت سأسأل هل هذه هي خسارة ليلى عامر؟ جائزة علي معاشي؟ لكني صرفت نفسي معها لتحية البطل الشهيد ، أحفظ معها قصة نشيد / أناس أماهو حبي المختار ، أناس أماهو ، عزي الأكبر ، لو تسألوني نفرح ونقول بلادي الجزائر.

ما أجمل مشرع الصفا ، موطن سميرة / ليلى ، تبعتها في كل طريق سلكته ، كما تابعتها في كل طريقة ستتم بها استدراج الضحية إلى الوردة الحمراء، فعرفت أن الفسيبوك لم يكن بالأهمية التي منحها له العنوان ، فلا يعدو أن يكون غير جبهة من جبهات حياتها اليومية ، جهاتها. وحتى مضيّي بعيدا في الرواية لم أحقق هدفي في معرفة الجواب عن سؤالي / لماذا إيملن؟ وحتى بعد ظهور إيمان مع جلال ، وحسبتني فهمت حيلة سميرة لتقمص إيمان ، تعويض خسارة عاطفية وتحصيل موضوع تمنته لذاتها فكان لإيمان / جلال. جاءتني ليلى تفاجئني . فلم تكن كل القصص التي تابعتها إلا أوهاما. ليس في الرواية قاتل تسلسلي بجنس أنثى / سميرة ، ولم تكن هناك إيمان ، ولا جلال. كانت هلاوس غيبوبة دخلتها سميرة إثر مناوشة مع أخيها على الحاسوب. وأسمع ليلى توبّخني: ولو يا إلهام ، تتذاكين علي؟ أنا ليلى ، ” ليْ. لا”، التي في المثل العربي : لا يعرف حيْ من ليْ. فأركن إليها طالبة السماح ، شاهدة لها بانتصار شخصي وأدبي. وأصفق لها بحرارة.

فرضيتي إذاً سفسطة ، وقراءتي جعجعة ، لكني أواصل بما يحفظ لي ماء اجتهادي.

النهاية صادمة ، و ليست مدهشة . فلايعقل أن تحدث كل هذه القصص المتناقضة المختلفة العديدة ، ويحدث قتل في غيبوبة. لا يعقل أبدا حتى لو كانت في رواية. لكن مثل هذه النهايات أعترف بها إنسانيا. النهاية التي تقلب الموازين حتى ولو كانت بلا دهشة ، نهاية بأية ذريعة كانت ، لأننا فقط يجب أن نغلق ملفا وراءه أذى . عرفت مثلها في رواية اكتشاف الشهوة للكاتبة فضيلة الفاروق. حيث الارتباك ليس من النهاية ولكن من أثر موضوعها في الذوق العام. أما في رواية امرأة افتراضية فتوجد ” ليْ ” ، وتريد الكاتبة إخفاءها دفعا لخطر ما.

كدت أتخلى عن فرضيتي الخاصة باسم الوردة وأمبرتو إيكو. وأعلن إفلاس النقد. لولا إصرار الكاتبة على مفاجأة أخرى في الصفحة الأخيرة فتكتب:

المتصل: جلال

آخر رسالة منه بتاريخ ….

” صباح الخير سميرة ، منذ أسبوعين وأنا أحاول التواصل معك ، أين أنت؟”

وصلني طلب صداقة من حساب باسم دم الوردة . فيه المعلومات نفسها الخاصة بحسابك رحيق الوردة. أنتظر الجواب.

وقبلها كتبت:L (بتصرف)

مستحيل أن يحدث هذا ، ولا حتى جلال؟

ولا حتى جلال.

وأنت يا أبي لم تمت ، الحمد للله فليذهب كل شيء إلى الجحيم.

ظهور جلال ، في الرسائل ، يربك النهاية مرة أخرى . ويخلط كل حساب.

دوّختني ليلى ،

أنا الآن أمام حالة فصام افتراضي. وأعود للبداية / امرأة افتراضية ، والكتاب يبين من عنوانه.

وأعود لمقدّمة الأستاذ مشعل العبادي ، لأتفق معه على حالة انفصام نعيشها عبر الوسائط الاجتماعية. وهذا هو الجديد الذي ناقشته الكاتبة ليلى عامر في الرواية. من منطلق تكوينها النفسي.

فلم تعد حالات الفصام نفسية بل افتراضية ، ولا حالات التقمص تستدعي صورا ذهنية . قد أتاح الفيسبوك لمتاعب النفس حلولا صحيّة ومقبولة اجتماعيا وفكريا للتمظهر وللتعبير عن أوهامها وأحلامها العميقة. وقد استشهدت الكاتبة منذ الفصل الأول بقول أوبرا وينفرا : أكبر مغامرة يمكن أن نعيشها، هي أن تعيش الحياة التي في أحلامك”

كانت حيل النفس لمعايشة الأحلام هي الهروب من الواقع إلى أعماقها، تأخذ لأحلامها استعارات وهمية يفرضها اللاشعور فتحياها غير واعية إلا بما تحققه من انسجام غريزي مع أعماقها السحيقة حتى لو بدا غير طبيعي وغير مفهوم، فظهر علم النفس للأخذ بها إلى عالم صحي كما اتفق عليه المهيمنون على العالم . واليوم، صارت النفوس تبحر عبر الافتراض في حالة انفصام أيضا عن الواقع، وتختار لها أسماء منتقاة بدقة وذكاء ، وبأسماء مستعارة قد تكون عديدة لأجل تقمص عديد الشخصيات التي تسكنهم وكما أوردت الكاتبة في الفصل الثاني عن أمين معلوف: أستشعر بداخلي عدة أشخاص ، أحدهم يضحك ..الآخر يبكي…والثالث لا يبالي بشيء.” ، لكنه فصام مقبول ومريح .

السؤال: مادام الافتراض يطلع كل المكبوتات ويحقق طموحاتها، فما إمكان وجود قاتل افتراضي؟ وهل عندئذ نعترف بالجريمة الافتراضية ويسن لها قانون ويكون فيها حكم ، وكل هذا افتراضيا ، لا يتدخل فيه الواقع بشيء؟

لا أستطيع قول كل شيء عن هذه الرواية، اكتفيت بما انتبهت إليه . إن قصّرت فمن جهلي ، لكن بقي فيّ إحساس عميق بخسارة كبيرة اجتهدت الكاتبة في ليّها. وهي الرواية الحقيقية من امرأة افتراضية/ الحياة الواقعية للمستخدم.

شكرا ليلى عامر للفسحة ، للذكاء الحقيقي في الكتابة و للأداء النفسي العارف .

*الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “مجالسة ليلى عامر في رواية امرأة افتراضية”

  1. قاتل تسلسلي هو ترجمة حرفية للمصطلح الإنجليزي serial killer
    والترجمة العربية الصحيحة هي : سفاح

    1. في المعجم اللغوي أجل ، لكن غالبا نعتمد في مثل هذه القراءات المعجم النفسي والذي يلتزم بالترجمة العلمية اللفظية من الانجليزية.
      شكرا للإثراء استاذ عبد الحكيم الزبيدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق