قراءات ودراسات

مستويات الخرق في رواية بعيدا عن المدينة للروائية “آسيا جبار”

الباحثة: شهرة بلغول*

تشكِّل إعادة كتابة التاريخ هاجساً لدى  الروائية الجزائرية آسيا جبار في معظم أعمالها الروائيّة وإن كان حضوره قد تجسّد في أشكال مختلفة، إذ كان لتكوينها الأكاديمي في هذا المجال دور بارز في اتخاذ ها لهذا المنحى ، حيث نجدها تسعى إلى إسناد فعل الحكي إلى النساء اللواتي يحاولن ومن خلال فضاءات البوح إعادة ترميم التاريخ الرسمي المليء بمساحات الصمت . صدرت رواية “بعيدا عن المدينة” سنة 1991م في مرحلة شهدت فيها الجزائر حربا أهليّة تعد الأولى من نوعها بعد الاستقلال، حاولت الكاتبة من خلالها تقديم قراءة للأوضاع السياسية التي يمر بها وطنها مستعينة في ذلك بالتاريخ الإسلامي     منطلقة من حدث وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام وما تبع ذللك من فتن أدت إلى استباحة دماء المسلمين.

يندرج هذا النص من الناحية الأجناسيّة تحت مفهوم الرواية ،الأمر الذي أكّدت عليه الروائية و منذ البداية في افتتاحيّتها بقولها ” لقد أطلقت تسميّة رواية على مجموع هذه القصص والمشاهد و الرؤى التي أثارتها في نفسي قراءة المؤرخين الأوائل…”(1) .

لكن القراءة المتفحصة لمضمون هذا العمل تكشف عن تداخل أجناسي  مكثّف في ثناياه يتجاوز مسألة التنوّع، لتخلق لوحة بانوراميه يمتزج فيها عبق التاريخي بالأسطوري الملحمي إضافة إلى الرؤيوي الصوفي .

إذ تنقسم هذه الرواية إلى أربعة أجزاء، يندرج كل قسم منها تحت عنوان فرعي .

الجزء الأوّل بعنوان ” الحريّة و التحدي”:

و يتضمّن قصص نساء حاربن من أجل افتكاك حريتهن وقاومن بشراسة الأنظمة الذكوريّة التي سعت لطمس معالمهن من المدينة و شبه الجزيرة العربيّة ،أذ يبرز التحدي في “قصة الملكة اليمنيّة” التي استطاعت بدهائها أن تحرر قومها من حكم أسود ، كما يتجلّى بشكل أكثر حدة في موقف “فاطمة” المتمرّدة ضد المجتمع الذكوري في المدينة ، مرورًا بسلمى التي تحدّت جيوش المسلمين ممثلة في خالد بن الوليد ، و “سجاح” التي ادّعت النبوّة لتفتك بذلك حقاّ ظلّ منذ الأزل حكراً على الرجال .

الجزء الثاني بعنوان “خاضعات و متردات “:

في هذا القسم جمعت الكاتبة قصص مجموعة من النساء اتّسم حضورهن بالسلبيّة لتقابله فيما بعد بأخريات رفضن الخضوع ، المجموعة الأولى بعنوان ” اللواتي يُتزوجن بعد المعركة ” بدءاً بأم تميم التي ظلّت مجرّدة من كل حضور وفعالية ، فبعد مقتل زوجها مالك بن نويرة على يد خالد بن الوليد يقودها قدرها إلى خيمة قاتل زوجها لا كسبيّة و إنّما كزوجة “…أرملة ثمّ مرة أخرى زوجة، لتجد نفسها وسط التنافس المحتدم بين عمر[…] وخالد(2) .

ليتقاطع قدرها مع زوجة أخرى كان لها الأثر البالغ في تراجع مكانة خالد بن الوليد “الزوجة الجديدة بدت أكثر إثارة في نظر القائد، لا لكونها الأجمل […]أو حتى ربّما بكر […] إذا كانت هذه الزوجة أكثر جلالاً من أرملة مالك فلكون المهر الذي طلبه والدها يقدّر بمبلغ باهظ “(3)، لكن الغريب في الأمر أنه تمّ إغفال أي مؤشر حولها فحتى اسمها يبقى مجهولاً.                    بعدها تأتي قصة “المطلّقة” ممثلة في ابنة النعمان التي كانت فريدة بين قومها    ( بني كندة)”  و التي ظلّت موضوعا للرغبة بدءًا بالرسول الذي تراجع عن طلبه لها حين قدّمها له والدها على أنّها مثاليّة  ” لم تصب بالحمّى مطلقاً ” ، ثمّ عكرمة الذي سعى للزواج منها فيما بعد ، تتجاذبها الأقدار فترتقي بها إلى أعلى الدرجات لتصبح زوجة للرسول، لتعود من المدينة بعد تسريحها من قبله ، وبعد أن ارتدّت قبيلتها تقع في الأسر إلى أن يتم تسريحها من قِبل مجاهد، وهي في كل هذا وذاك فاقدة لكل فعاليّة إذ تمّ تغييب كل ملامحها .

وتلحق الكاتبة بهذا الصنف امرأة أخرى اختارت الخضوع لكن هذه المرّة عن قناعة ، إنّها “كرامة” التي اختارت الخضوع للمسيح والعيش في كنف الرهبنة   والتعبّد حتى نالت احترام قومها .

لقد كانت الصورة المقدّمة عن هذا الصنف من النساء مبهمة في كتب المؤرخين نظرا لحضورهن السلبي ، لكن الكاتبة رغم ذلك ترفض إدراجهن في دائرة النسيان فتحاول أن تعيد رسم ملامحهن وتسليط الضوء على الجانب المغيّب من ذكراهن لأنَّ قدرهن قد تقاطع في مراحل كثيرة بالشخصيّة المحوريّة في الإسلام ألا وهي شخصيّة الرسول عليه الصلاة و السلام .

في الطرف المقابل تبرز مغنِّية الهجاء و أم حكيم اللتان رفضتا الخضوع بكل معانيه ، إذ تجرأت الأولى على إنشاد قصائد في هجاء الرسول عليه الصلاة السلام لا على مسامع قبيلتها فقط (بني كندة قبل إسلامهم) بل بين قبائل العرب قاطبة ، وحتى بعد أن أنزل بها أشد العقاب (بقطع يديها و اقتلاع سنين لها) لم تتوان عن ذلك بل زادها هذا الأمر حماسة و إصراراَ ” سأغني بيدي ، سألعنهم بيديّ، يديّ المقطوعتين ، لن يستطيعوا تطويق صوتي …”(4).

لتختم الكاتبة هذا الجزء بقصة المقاتلة ممثّلة في أم حكيم التي أبت الخضوع للمجهول بل حتّى للإسلام والأعراف الجديدة في المدينة  ” …لقد عرف عنها أنّها كانت بشكل من الأشكال مسلمة بالاقتراض ، ليس خجلاً ولا نفاقاً ، ببساطة مسلمة (خاضعة كما يخصِّصون أحيانــاً) لأنّها حافظت اتجـاه و ضد الكل علـى زوجــها…لم تصلي “(5) سعياً وراء تحقيق هدفها ، مرة من أجل إنقاذ زوجها عكرمة ومرة أخرى عندما قررت أن تحيا مقاتلة بين الرجال .

لقد كان هدف كل منهما تحقيق و إثبات وجودهما المتميّز .

الجزء الثالث بعنوان ” المسافرات “:

سلّطت الكاتبة في هذا الجزء الضوء على نساء شكّل الارتحال نقطة مفصليّة في حياتهن ، فهذه أم كلتوم أوّل مهاجرة في الإسلام تفرّ من مكّة إلى المدينة خلسة لتلتحق بمعشر المسلمين بعد أن أسرّت إسلامها ، متحمِّلة من أجل الظفر بحريّتها الكثير من الصعاب ، ليستقر بها الأمر في نهاية المطاف في المدينة التي أصبحت رمزاً لتوقّف الرغبة في الارتحال لدى المسلمات ليتحوّلن بعدها إلى زوجات يتم تبادلهن بين الرجال .

ما ميّز أم كلتوم عن غيرها من النساء أنّها كانت تختار وتقرر في الوقت الذي تشاء متى تودّ الارتحال ، لقد كانت مسكونة بهاجس الرحيل ، فبعد ترمّلها إثر وفاة زوجها الذي لطالما أحبته “زيد ابن حارثة” تزوّجت “الزبير بن العوّام” الذي لم تستطع أن تستمر معه طويلاً فطلبت منه تسريحها (6)، لينتهي بها المطاف زوجة لعبد الرحمن بن عوف .

تشبه أسماء ” صاحبة الوشم ” سابقتها في كونها قد عرفت ارتحالاً عبر المكان  ( الهجرة إلى إثيوبيا ) لكنّها لم تكن مسكونة بهاجس الرحيل فيما تعلّق بعلاقاتها الزوجية إذ وجـدت في زيجاتـها الثلاث الشعور بالاستقـرار (جعفر، أبو بكر، علي )، لتبرز مرة أخرى في بعد آخر من أبعاد الارتحال الرمزي ،إنّه الارتحال من عالم الحياة إلى عالم الموت لكونها من تصاحب الموتى في آخر لحظاتهم من هذا العالم – عند تغسيلهم- لذا فإنّ كل أشكال الارتحال تتقاطع معها .

نموذج آخر للارتحال يبرز في قصة ” الغريبة أخت الغريبة” متمثِّلة في سيرين أخت ماريا القبطيّة التي غادرت مصر للالتحاق بالمدينة ثمّ مرّة أخرى إلى البصرة ، لكنّها رغم ذلك ظلّت سجينة ماض لازالت تسكنه و يسكنها ، إنّه ذكريات أيام الصِّبا التي قضتها في الإسكندريّة .

الجزء الرابع بعنوان” القول الحي “:

تناولت الكاتبة في هذا الجزء حياة عائشة عبر مراحلها العمريّة المختلفة ، بدءاً بطفولتها إلى أن صارت راويّة و حافظة للحديث .لقد افتتحت الكاتبة الرواية على مشهد احتضار الرسول عليه الصلاة و السّلام وإعراضه عن الإدلاء بموقفه حول مسألة من يخلفه في إدارة شؤون المسلمين بعده، لتقابل هذا الصمت في النهاية بالتأكيد على ضرورة الحديث لحفظ الذاكرة .

.الخرق على مستوى بنية النص:

إنّ هذا التنوّع و التعدد من ناحية المضمون قد قابله تعدد آخر من ناحيّة الأنواع السرديّة ، فقد اقتضت خصوصيّة كل موضوع نوعاً سردياً تتلاءم بنيته مع أبعاد الشخصيّة التي تهدف الكاتبة إلى بعثها من جديد ، و سأتطرق فيما يلي إلى إبراز أهم الأنواع السرديّة المتجليّة بصورة واضحة مع بيان مسوِّغاتها  الفنيّة  .

1.حكاية الملكة اليمنيّة :

تفتتح الكاتبة الفصل الأوّل من الرواية بقصة الملكة اليمنيّة التي نلمح في ثناياها الحضور المكثّف لعنصر الخيال، إذ تتوفر على كل أبعاد الحكاية  كما حددها الباحث الروسي فلاديمير بروب في كتابه “مورفولوجيا الحكاية الشعبية” وذلك عندما حدد مجموعة الوظائف التي تشكِّلها.

يبدو  ذلك منذ الوهلة الأولى بافتتاح الكاتبة هذه القصة بالصيغة المخصّصة لهذا النوع ” كان يا مكان” وهو ما يفتح أمام القارئ مجالاً لتصور العوالم التخييلية التي هو بصدد ولوجها ،كما تدفعه لاستحضار نماذج القصص الخرافي التي اطّلع عليها سابقا مثل ألف ليلة و ليلة .

يُتبع هذا التحديد بالإحالة على الشخصيّة البطلة وهي “الملكة اليمنيّة “التي تتمتّع بكل خصائص البطولة كالشّباب ،إضافة إلى المكانة الاجتماعية ” ملكة”.

تبدو الأوضاع مستقرة و سعيدة ،إذ تحيا الملكة في كنف زوجها الذي تولّى المُلك بعد والده ، ليبرز فيما بعد “أسود” كعنصر مزعزع لهذا الاستقرار، تقدِّم الكاتبة تصوراً مجملاً عنه فهو قائد متمرد من قبيلة يمنيّة مدّع للنبوة ، أسفرت أوّل مواجهة معه عن مقتل حاكم اليمن لتصبح الملكة اليمنيّة زوجة له.

تبقى دوافع هذه الزيجة مجهولة ” هل بدافع الخداع أو الخوف أو ربّما الرغبة ؟”

تتقاطع هذه الجزئية مع قصص “ألف ليلة و ليلة” فيما يتعلّق بعلاقة المرأة فيها بالعبد الأسود ، حيث وقعت زوجة شاه زمان و بعدها زوجة أخيه شهريار (الأولى)  تحت سطوة العبد الأسود إذ « يبدو أنّ العبد الأسود يمثِّل الفحولة التي لا يمكن للمرأة مقاومتها »(7).

يبدو هذا الجانب جلياً حين تصف الكاتبة حالة الانبهار التي اعترت الملكة وجعلتها تنسى ترمّلها ” أسود “الأسود” منتصر و مدعٍ للنبوة[…] كنيته و نصره جمّلا صورته في عين الأرملة التي سرعان ما جفَّت دموعها “(8).

لا تستقر الكاتبة طويلاً أمام هذا التصور بل تجعل من بطلتها “شهرزاد جديدة” تتمكّن بدهائها و سحرها من تحرير قومها، إذ« تمثل قصة شهرزاد هذا الانتصار العجيب للبريء و الضعيف الذي ينجح في تغيير مصيره بمداهنة جلاّده»(9). استطاعت شهرزاد في “ألف ليلة و ليلة” أن تنقذ بنات جنسها عندما خلقت عالماً آخر في مواجهة الموت ، في المقابل استطاعت الملكة اليمنيّة أن تضع استراتيجية للكيد بأسود بالاتفاق مع فيروز القائد المسلم، ففرضت عليه مخدعها ، كما ادّعت أنّ الصوت الذي أصدره عند قتله هو حالة اعترته عند مجيئ الوحي ، وكما يقول مالك شبل « في كل الحالات تبقى الخدعة وسيلة للإفلات من نظام الحبس الذي خضعت له المرأة العربيّة منذ قرون »(10).

تسعى آسيا جبّار لنسج تفاصيل نهاية سعيدة لهذه الحكاية  و ذلك حين تتوقّع وقوع البطلين( الملكة و فيروز) في الحبّ “… يَمثُل كحبيب ، لم لا كابن عم حبيب ”  .

لقد تمكّنت الكاتبة أن تخلق من بطلتها شخصية بحجم شهرزاد بالاستعانة بعنصر الخيال الذي أعاد للمرأة وهجها الذي غيّبته كتب التاريخ ، كما يبدو جلياً أنّه كلّما كان مسرح الأحداث بعيداً عن المدينة كلّما كانت حريّة المرأة مطلقة وهو ما يبدو بدءاً من العنوان ” بعيدا عن المدينة هو أن تكون المرأة بعيدة عن القيود، بعيدة عن الفضاء الذي يحدُّ من حريّتها  “.

2.البعد الملحمي في قصة “سلمى المتمرِّدة”:

تأخذ  قصة ” سلمى المتمرِّدة ” بعداً ملحمياً منذ البداية إذ تروي حكاية أسيرة الحرب التي تنشأ في جبهة العدو دون أن تشعر بالحقد ، بل على العكس من ذلك تصبح صديقة مقرّبة لزوجة عدو والدها” عائشة” التي بفضلها تستعيد حريّتها وتعود إلى قبيلتها لكن هذه المرة كمسلمة .

لكن وقبل عودتها تحدث النبوءة ، ففي يوم من الأيام يمر الرسول عليه الصلاة   و السلام على مجلس عائشة مع مجموعة من النساء فقال ” من بين هذه النساء هناك من ستستنبح كلاب الحوأب ، ستثور ضد الله ورسوله “(11).

فبعد مقتل أخيها في حروب الردّة تجد نفسها مجبرة على الأخذ بثأره والتنكر لصديقة الأمس فضلاً عن دينها الجديد ، فتحشد الأنصار من القبائل الموالية لبني غطفان و تستعد لمواجهة جيش خالد بن الوليد .

تصف الكاتبة الأجواء الملحميّة للوقعة بين الجيشين وهو ما يجعلنا نستحضر في أذهاننا أصداء الملاحم اليونانيّة كالإلياذة و الأوديسا “الاقتتال بين الجيشين منذ الفجر ،استمرّ اليوم بأكمله”.

إنّ هدف الملحمة الأساسي يتمثّل في تمجيد الأبطال الذين يحضون بأهميّة كبرى في تاريخهم القومي و تخليد ذكرهم عبر الأجيال، لكن آسيا جبّار عملت على قلب هذا المسار، إذ جعلت من سلمى بطلة ملحميّة لا لكونها شخصيّة لها حضورها الطاغي في التاريخ و إنّما لجعلها تحتل هذه المكانة ، كما أنّ مقارنتها بالكاهنة الملكة البربريّة التي قاومت الفتح الإسلامي لبلاد المغرب يمنحها هذا الحضور الطاغي في تاريخ بطولات المرأة.

كما لا يخفى أنّ أبطال الملاحم هم في غالبيّتهم شخصيات ذكوريّة فرضت حضورها في الذاكرة الشعبيّة مثل جلجامش في الملحمة البابليّة ، آشيل في الملحمة اليونانيّة…و غيرهما ، فالكاتبة من خلال نسج تفاصيل هذا النص تحاول أن تقوِّض هذه المركزيّة الذكوريّة و تثبت في مقابلها أنّ التاريخ الإنساني كان ليحظى بهذا الحضور لولا عمليّة الاقصاء و التهميش التي تعرضت لها النماذج النسويّة من الذاكرة .

كما أثبتت الكاتبة من خلال استحضارها لشهرزاد و الكاهنة أنّ أيّ حداثة عربية لابد أن تنطلق من التراث العربي الذي يزخر بنماذج نسويّة خالدة ،إذ تصرِّح قائلة :«إنّ هويّة الحداثة العربيّة لا يجب أن تعتمد على استحضار الأساطير      و الأبطال المشكِّلة للمخيِّلة الغربيّة ، بل ينبغي أن تستثمر مخيالها الخاص   بالنساء »(12).

تتقاطع قصة سلمى المتمردة في جانب آخر مع أسطورة الملكة البربريّة “تنهينان” التي انسحبت إلى الصحراء مع قافلتها المكوّنة من النساء لتحفظ بذلك سر الكتابة عند التوارق  « لقد تركت المرأتان آثاراً أكثر ثباتاً من حبّات رمل الصحراء »(13).

وكما هو الأمر في الملاحم تختم الكاتبة صفحة هذه البطلة بنهاية تراجيدية تعيد في أذهاننا  ذكرى المصير المأساوي للكاهنة ، فبالرّغم من صمودها و شجاعتها يتمكّن خالد من القضاء عليها ، لكن الكاتبة تتساءل عن الدافع وراء تمرّدها ، هل حقاً كانت ثورتها ضد الإسلام أم أنّها كانت ضد ذاكرتها في  المدينة التي كانت رمزاً للسجن و الأسر و غياب الحريّة .

3.البعد الأسطوري في قصّة “فاطمة”:

تقدِّم الكاتبة قصة فاطمة على مرحلتين ،إذ تبرز أولاً في “البنت المحبّبة” أين تسلِّط الضوء على طبيعة العلاقة التي جمعتها بوالدها ، و تبدأ هذا الجزء بخبر وفاة فاطمة بعد ستة أشهر من وفاة الرسول عليه الصلاة والسّلام ،الذي وكما تسرد عائشة قد بشّر ابنته وهو على فراش المرض بأنّها أوّل من سيلحق به بعد موته .

يبدو هذا الجزء بمثابة التمهيد الذي سعت الكاتبة من خلاله إلى إضاءة ما سيأتي لاحقاً في الجزء المعنون بـ” التي قالت لا للمدينة “، حيث تعود الكاتبة لسرد الملابسات التي سبقت وفاتها والتي كانت السبب الرئيسي في هذه النهاية المأساوية .

تبدو فاطمة ومنذ الوهلة الأولى شخصية لها حضورها الطاغي نظراً للمكانة التي تحتلها في الوسط الإسلامي بحكم كونها البنت المفضّلة للرسول عليه الصلاة و السّلام ولكونها من ضمنت استمرار نسله حين أنجبت له الحفيدين الذكرين الوحيدين “الحسن    و الحسين” ، ويبدو ذلك حين تدخّل الرسول عليه الصلاة و السّلام لحمايتها من تقليد متعارف عليه في الإسلام ألا وهو “تعدد الزوجات” وذلك عندما أراد علي أن يتخذ زوجة ثانية هي ” جويرية ابنة أبي جهل “، إذ ألقى خطبته على مسامع المسلمين يؤكد فيها رفضه لكل ما يؤذي ابنته ” ابنتي جزء مني من يؤذيها يؤذيني “(14).

وبعد سنوات قليلة تحيي فاطمة هذا الموقف الرافض من جديد لكن هذه المرة ليس اتجاه علي و إنّما في مواجهة أهل الحل و العقد في المدينة بأكملها ممثّلين في خليفة المسلمين رمز النظام الذكوري الذي يريد أن يسلبها حقّها في الميراث .

إذ يقرر أبو بكر أن يحرمها من الميراث بحجّة أنّ الرسول قد ألقى على مسامعه حديثاً يقول فيه :” نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة “، و بالتالي فإنّ هذا الحديث قد تمّ تفسيره بحرفيّة دون ربطه بسياقاته ، وعليه تقرر حرمانها من أهم حق منحه الإسلام للمرأة .

إنّ التفسير الذي اقترحه أبو بكر للحديث النبوي يعطيه بعداً ينحرف عن طبيعة اللغة الدينية التي تتميّز عن غيرها في كونها « تعرض صوراً رمزية للحياة و الوجود »(15) ،أي أنّها بشكل من الأشكال تقترب من اللغة الشعريّة التي تنفتح على التأويل وتغيب فيها الدلالة القطعية، فهي تلامس المعنى و تجاوره.

إضافة إلى ذلك يكشف التأمل الدقيق للبنية اللغوية لهذا الحديث عن تعدد احتمالات تأويله ، فحسب الدكتورة ألفة يوسف يمكن أن يتخذ قول الرسول عليه الصلاة والسلام  دلالة أن ما ترك بوصفه صدقة لا يدخل في مسألة الميراث(16)، بحكم أنّ التركيب عبارة عن جملة واحدة .

تثور فاطمة على سلطة هذا النظام الذكوري ، لا طمعاً في متاع دنيوي وإنّما لكون هذا الفعل يمثِّل قطيعة مع روح الإسلام و خرق صارخ لحق إلهي .

تتقاطع شخصيّة فاطمة في بعدها التراجيدي مع شخصيّة أسطوريّة خالدة ألا وهي شخصيّة أنتيجونا  إذ من السهل إيجاد الملامح المشتركة بينهما.

أنتيجونا هي ابنة أوديب في الأساطير اليونانيّة تتمرّد على سلطة الحاكم كريون حين يقرر حرمان أحد أخويها” بولينيس” من طقوس الدفن بحكم أنّه تحالف مع العدو ضد مدينته” ثيبة”، لكنّها تأبى أن يُحرم أخوها من شرف الدفن فتقرر دفنه خلسة وتبدي استعدادها لتحمّل عواقب هذا الفعل ، لذا فإنّها تلقى مصيرها المأساوي نتيجة تمرّدها .

تتشابه الشخصيتان في كونهما قد ثارتا على سلطة النظام الذكوري ،وبذلك قد استحقتا النهاية المأساويّة ، فهذه أنتيجونا تبرر مخالفتها لقرار كريون بقولها : « ذلك لأنّه لم يصدر عن “زوس” و لا عن “العدل” مواطن آلهة الموتى، ولا غيرهما من الآلهة الذين يشرعون للناس قوانينهم، و ما أرى أن أمورك قد بلغت من القوة بحيث تجعل القوانين التي تصدر من رجل أحق بالطاعة و الإذعان، من القوانين التي تصدر عن الآلهة الخالدين »(17)، وهذه فاطمة ترفض التفسير الحرفي الذي تبناه أبو بكر فيما يخص حديث الرسول المتعلق بالميراث لتردّ عليه بحديث آخر للرسول عليه الصلاة و السلام يعلن فيه معارضته لكل من يُغضب فاطمة، لتضع بذلك مصداقيّة التفسير الأول موضع الشّك .

يبدو ملمح آخر فيما يتعلق بالأسرة التي تنحدران منها، فبالعودة إلى أسطورة أنتيجونا نجد أنّها تنحدر من أسرة قد لحقتها لعنة الآلهة منذ لايوس الذي قتله ابنه أوديب ليتزوّج من أمِّه فيما بعد و ينجب منها ، و بعد أن تحلّ اللعنة و تنكشف الحقيقة يفقأ عينيه و يهيم على وجهه فراراً من مواجهة القدر، في المقابل يبرز التشابه في كون الرسول عليه الصلاة و السلام “أبتر” أي أنّه لم يرزق بمولود ذكر، فكل نسله إناث .

كما تتقاطع شخصيّة أبي بكر مع شخصيّة كريون إذ يمثِّل كلاهما السلطة التي لا تتراجع عن قراراتها رغم المكانة التي تحتلّها البطلتان في نفسيهما ، ففي المشهد الذي تصوِّر فيه الكاتبة مجيء أبي بكر للاعتذار من فاطمة نلاحظ هذه الازدواجيّة في الموقف “كيف بي أنا الذي يشعر بتعلّق شديد بك ،أنا الأكثر وعياً بفضلك و شرفك ،كيف لي أن أحرمك من حقك في الميراث، لو لم أستمع إلى حديث الرسول عليه الصلاة و السلام وهو يعلن ” نحن معشر الأنبياء لا نورِّث ما تركناه صدقة “(18) ، إذ يبرز جانبان من شخص أبي بكر، نلمح في الشق الأوّل من الخطاب أبا بكر الإنسان الذي يصعب عليه إيذاء من يحب ، فيما نلمح في الشق الثاني ملامح الحاكم السياسي الذي لا يمكنه التراجع عن قراراته .

يبدو أنّ الكاتبة تسعى من خلال دمجها لملامح فاطمة بملامح أنتيجونا لجعلها رمزاً إنسانياً للتمرّد يحيا عبر الزمن في كل النساء اللواتي يتعرّضن للحرمان بدوافع تجد في النصوص الدينيّة ما يجعلها شرعيّة وذلك بإخضاعها لتفاسير لا تتجاوز حرفيّتها    و إضفاء طابع التقديس عليها ،وبالتالي فهي تشير إلى أنّ الاجتهاد الذكوري قد تراجع عن الثورة التي جاء بها الإسلام، لذا فهي بشكل آخر تدين الحاضر باستعادة الماضي لكي تقول من خلاله أنّ على النساء المسلمات أن  يتمردن عند اللزوم ولهن في فاطمة و مثيلاتها نماذج يقتدين بها .

4.المـذكّــــِرات :

يعد فن المذكِّرات من الأنواع السرديّة التي تكشف عن الجانب الخفي في الإنسان و يعود ذلك إلى حالة الصدق التي تعتري المرء عند تسجيله لما يختلج في أعماقه من فيض الخاطر وخلجات النفس، سواء تعلّق الأمر بحياته الشخصيّة أو بما يحيط به ، الأمر الذي يجعلها تتقاطع في بعض جوانبها مع السيرة الذاتية التي يعزى إلى جون جاك روسو فضل السبق فيها، لكن الاختلاف بينهما يكمن في أنّ هذه الأخيرة ترتكز أساسا على سرد تفاصيل تتعلق بحياة صاحبها وكل ما يتعلق بخبراته و منجزاته ، أمّا المذكرات فتعنى أساسا بوصف الأحداث و تعليلها سواء التي عايشها الكاتب أو شاهدها من قريب أو من بعيد(19) .

ارتأت آسيا جبار تقديم بعض قصصها في شكل المذكِّرات نظراً لطبيعة الجوانب التي يعالجها الموضوع ونلمح ذلك تحديداً في قصة ” كرمة المسيحيّة” و ” المحرّرة”، إذ نلمح الغياب الكلي للإحالة التاريخيّة فضلاً عن التعليق ، كما أنّ الشخصيات في هذا النوع هي التي تروي تفاصيل ما حدث بدوافع مختلفة ، سواء تعلّق الأمر بإضاءة جوانب من حياتها الشخصيّة أو بنقل مشاعرها أو شهادتها على ما حصل.

ففي قصة “كرمة المسيحيّة” تروي البطلة تفاصيل تتعلق بحياتها الخاصة وتحديداً ما حدث سنوات بعد وفاة الرسول عليه الصلاة و السلام عندما انتشرت جيوش المسلمين في شبه الجزيرة لنشر الإسلام حيث وصل جيش خالد بن الوليد إلى قبيلتها (الحيرة) ، و بعد التفاوض استطاع الطرفان التوصّل إلى اتفاق ، لكن أحد البدويين طلب الحصول على كرمة كأمة بحجة أنّ الأمر يتعلّق برؤيا رواها  الرسول على مسامعه ” شواغل ادّعى بأنّ رسولهم محمد رأى في أحد المرات كيف أنّ العراق و بلاد فارس ستصبح أرضا مسلمة، شواغل حضـر هذه الرؤى ، سمع كثيراً الحديث عن جمال كرمة ابنت القائد عبد المسيح في الحيرة ، شويل طلب المسيحيّة كأمة للرسول الذي أبدى قبوله ” (20) .

تروي كرمة تفاصيل تفاوضها مع خالد بن الوليد وكيف أنّها تمكّنت أن تشتري حريّتها من هذا البدوي وتحمي قبيلتها من عواقب الدخول في مواجهة مع المسلمين.

أمّا في القصة الثانيّة” المحرّرة” فتنقل بريرة شهادتها فيما تعلّق بالخلاف الذي نشب بين عائشة و عمر بن الخطّاب عقب وفاة أبي بكر إذ يبدأ هذا الجزء بتولي الشخصيّة تقديم نفسها ” أنا بريرة المحرّرة…” ، وكيف حرّرتها عائشة من عبوديّتها لتقرر فيما بعد أن تقضي حياتها في خدمة البيت النبوي .

لكن الجزئية الأكثر أهميّة هي ما تعلّق بشهادتها على الخلاف الذي حدث بين عائشة و عمر بن الخطاب حين أراد أن يمنع النساء من البكاء على الميِّت بحجة أن بكاءهن سيحرمه من السكينة ، فتتدخل عائشة لتعارض هذا القول و تثبت بطلانه ” عمر بن الخطاب أخطأ، لم يفهم لهذا الحد فكر النبي” (21).

تلح الكاتبة على أن بريرة قد شهدت هذا الموقف إذ نلاحظ تكرر الفعل “رأيت” بصورة مكثّفة لتجعل منها شخصيّة لها حضورها الفاعل كحافظة للذاكرة مثل عائشة .

إنّ هذا الموقف و إن تعلّق بماضي المسلمين في المدينة ،إلاّ أنّه في واقع الأمر يلقي بظلاله على مجريات الأحداث في الجزائر لتثبت الكاتبة من خلاله أنّ ما يعتقد المتشددون أنّه الإسلام ليس في حقيقة الأمر سوى تصوّر متعصب بعيد كل البعد عن روح هذا الدين و سماحته ، فهي بشكل من الأشكال تحذِّر من عواقب وصول المتطرفين إلى السلطة ، و في الوقت نفسه تدين هذا الخطاب المتطرف باستخدام أدواته .

5.حضور اللغة الشعريّة :

تطوي الكاتبة تفاصيل هذا العمل بخاتمة تعيد إحياء مأساة هاجر خادمة سارة زوجة إبراهيم التي أنجبت له أوّل ذكر عندما تركها في الصحراء رفقة ولدها إسماعيل الذي شارف على الموت  بسبب غيرة زوجته الشرعيّة، وكأنّها بذلك تؤكد على أنّ معاناة المرأة في شبه الجزيرة العربيّة امتداد حتمي لقدر أمهن ” هاجر” وليس السعي بين الصفا والمروة في مناسك الحج سوى إحياء لمأساتها .

ما يعتري انتباه القارئ في هذا الصدد هو أنّ الكاتبة قد أخرجت هذا الجزء في لغة شعرية تتقاطع في كثير من ملامحها مع الشعر الحر، إذ كثيراً ما يتكرر اسم “هاجر” في مقاطع متتالية كلازمة شعريّة تخلق نغمة موسيقية فضلاً عن اللغة الموحيّة التي توظفها الكاتبة ، فمثلاً تقول في أحد المقاطع :

«هاجر المبعدة ، لأنّها الخادمة ، لأنها أوّل من أنجبت

هاجر في الصحراء قبل أن يتفجّر النبع ،قبل أن تنمو أوّل نخلة ،هاجر قبل حتىّ أن تُبنى الكعبة من طرف خليل الله “ابراهيم” ، رجعت إلى المرابع أين نشأ ابنها، ابنها و نسل ابنها…هاجر…»(22).

فقد تمّ تهميشها وأسدل الستار على تضحياتها و لم يبق منها سوى كونها “أم إسماعيل” «مسلوبة من مرجعيّتها “هاجر أم إسماعيل” تلتحق بـ”مريم أم عيسى” أين لن يكنّ و لقرون سوى أمهات، أخوات ، بنات، زوجات…»(23)، لذا فإنّ هذا

الحدث ينفتح على التاريخ الأزلي للاستلاب الذي تتعرّض له المرأة.

2/- الكتـابة علــى الأثــر:

يعد مفهوم “الأثر” مفهوماً مركزياً عند آسيا جبار إذ تشتغل أساساً على تفكيك الخطاب التاريخي بقلب مركز ثقله من خلال إعطاء الصدارة للهامشي فيه و الانطلاق من النقطة التي يتوقف عندها المؤرخ لإعادة تأثيث ذلك الماضي، لذا فإنّ مقاربة هذا المفهوم انطلاقاً من تصور “التفكيكية” سيكشف جوانب عديدة من رؤيا الكاتبة .

يغدو المعنى من منظور التفكيكيّة مؤجلاً بشكل لا نهائي وتغدو عملية توالد المعاني متواصلة بشكل لا يعرف الثبات والاستقرار، الأمر الذي يجعل الإمساك بالمعنى أمراَ مستحيل التحقق ،وهو الأمر الذي سعت آسيا جبار لإثباته منذ البداية وذلك من خلال مساءلتها للتاريخ الإسلامي بوصفه نصاً ثقافياً متمركزاً حول جملة من الأنساق المتحكمة في الفكر الإسلامي، معتمدةً في ذلك على مجموعة من الآليات المتمثِّلة فيما يلي :

أ-الصيغة الاستفهاميّة:

تُتبع الكاتبة في كثير من الأحيان المعطى التاريخي بطرح مجموعة من الأسئلة تكشف من خلالها عن المسكوت عنه و المغيّب في النص التاريخي لتفتح المجال فيما بعد لتصوّر الموضوع من زاوية مغايرة ، نلمح ذلك في الكثير من المقاطع فمثلاَ تتساءل الكاتبة عن السبب الذي جعل فاطمة لا تبدو في كتب المؤرخين سوى بوصفها أماَ للحسن والحسين ” لماذا لم ترد الإشارة إلى فاطمة في كتب المؤرخين إلاّ بوصفها أماً للحسن و الحسين”(24)، و في موضع آخر تتساءل الكاتبة عن السبب الذي جعل أبا بكر يطلب من أسماء بنت عميس تغسيله بعد موته ” لماذا من بين زوجاته الثلاث اختارها هي؟ هل كانت المفضلة لديه، هل تأسس هذا الخيار لكونها قبل سنتين قد غسّلت فاطمة البنت المفضلة للرسول؟”(25).

إنّ الهدف من وراء هذا الأسلوب هو دفع المتلقي للمساهمة في إعادة تشكيل لبنات النص وذلك بإخراجه من دائرة التلقي السلبي للتاريخ والخضوع لسلطة قبليّة ، من خلال تنبيهه على مساحة الصمت الواسعة التي تلف التاريخ وجعله يستعيد فاعليته لملء هذه الثغرات المعتمة .

ب-التعليق :

لا تكتفي الكاتبة باستحضار النص التاريخي بل تتبعه بتعليق يكشف عن تحفظها على ما ورد فيه في مسعى منها لإعادة قراءة التراث الإسلامي برؤيا تبتعد عن التقديس فضلاً عن التحقير ،ذلك أنّ التاريخ نص ثقافي بالدرجة الأولى أسهمت مجموعة من الأنساق الاجتماعية و السياسيّة في تشكيله ،وعملت قوى خاصة على إضفاء طابع القدسيّة عليه مع تقادمه في الزمن، حتّى أصبح يخيّل للعوام بأنّه نص مقدس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ،لكن الحقيقة الراسخة هي أنّ التاريخ صناعة بشريّة توجهها الإيديولوجيا بشكل أساسي و القول بأنّ التاريخ محايد فيه كثير من المبالغة .

فمثلاً في قصة الملكة اليمنيّة تعلّق الكاتبة على الدور الذي لعبته للقضاء على “أسود” والذي قوبل بتهميش من طرف المؤرخين بأنّ” الوقت لم يحن للمخيلة العربية للارتقاء بكذا شخصيات أو باختراعها، ليس على الأقل في هذه النصوص القديمة”(26).

مرة أخرى تعلِّق الكاتبة في نهاية قصة” نوّار” التي شاركت طُليحة في ردته على التغييب الذي تمارسه المصادر التاريخيّة في حق الحضور النسوي قائلة ” يروي التاريخ أنّ طليحة أصبح مؤمنا طيلة حياته ، بالمقابل منذ فرّت نوّار مع طليحة على ظهر جملها غابت في سوريا معه ، صمت مطبق لفّ هذه المرأة الشابة”(27).

إنّ ما تعيبه الكاتبة على المؤرخ هو اختزاله للحضور النسوي في شكل ديكور يتأثث به مسرح الحدث ، أو باعتباره عنصراً ثانوياً ليس له أثر وفاعليّة في تحريك مجريات الأمور ما جعل المصادر التاريخيّة تحجم عن الإطالة في ذكر التفاصيل التي تتعلق بالمرأة عندما يتوقف الفعل الذكوري ، بمعنى آخر فإنّ الحضور النسوي مرهون بشخصيات ذكوريّة تشكل بؤرة السرد التاريخي وما عداها فهو ثانوي .

تتخذ آسيا جبّار من هذا الأمر حافزاً لخلق صورة أكثر إشراقاً عن تلك النسوة وذلك بإخراجهن من الهامش و إحلالهن المركز ، الأمر الذي لا يتأتّى سوى بدخول العوالم التخيلية التي تتيح رسم تفاصيل و معالم تلك الشخصيات .

ج-التخييل :

إذا كان المؤرخ قد تعامل في متنه بتحفظ فيما يخص الحضور النسوي في التاريخ الإسلامي، تحفظ تمليه طبيعة الفكر العربي آنذاك بالنظر إلى جملة الأنساق المتحكمة فيه فأحجم عن رسم تفاصيل كافية عن حضور المرأة في ذلك الزمن ، فإن الكاتبة ورغبة منها في إتمام الجانب المغيّب من الصورة قد وجدت في الاستعانة بالخيال ما يكفل لها خلق عوالم أكثر إشراقا .

إذ أسهم الخيال في تجسيد صور تلك النسوة اللواتي برزن في المتن التاريخي كأشباح مبهمة كالملكة اليمنيّة وسجاح ونوّار وغيرهن ، كما ساعد على خلق فضاءات جديدة احتلّت فيها النساء مواقع الصدارة  فمثلاً تمكّنت الكاتبة من خلق عالم بأكمله على هامش ما أورده الطبري فيما تعلّق بقصة طليحة ، إذ انطلقت من إشـارة عابـرة إلى زوجته نـوّار لتجعل منها محور السرد في ” التي تنتظر جبريل “(28).

كما تمكنت الكاتبة من التعمّق في رصد الحياة الخاصة بالنساء في أدقِّ تفاصيلها، سواء تعلّق الأمر بماضيها( عائشة مثلاً) أو بمشاعرها( كسلمى المتمرِّدة) أو حتى بأكثر اللحظات حميمية في حياتهن ( كأم كلتوم وعلاقتها بزوجها زيد).

3/- دور التصدير في إضاءة مضمون النص :

يسعى النقد المعاصر اليوم إلى الاهتمام بما يسمى مداخل النص أو العتبات (بدءا بالعنوان ،اسم المؤلف، النوع، الإهداء…إلخ)، و يرجع ذلك إلى ما تُشكِّله هذه المداخل من أهميّة في قراءة النص والكشف عن مفاتنه ودلالاته، فهي بمثابة النصوص الموازية التي تساهم في سبر أغوار النص و تفكيك شفراته .

كما أنّ وظيفة العتبات تتمثل في أنّها تُحفِّز و تهيِّئ المتلقي لولوج عالم النص برؤية مسبقة ، وعليه فإنّ غيابها يضع القارئ أعزلاً أمام أبواب مغلقة ينبغي عليه فتحها ، ومن هنا تتجلى لنا أهميّتها لما تحمله من معانٍ وشفرات لها علاقة مباشرة بالنص .

يعد “جيرار جينيت” من السبّاقين لتبني قضية العتبات و يبدو ذلك في الكثير من أعماله و بالخصوص في كتابه “عتبات” .

فالعتبات ليست ظواهر نصيّة طارئة ولا ثانوية و لا عرضيّة ، بل على النقيض من ذلك هي مُكوِّن جوهري لا يمكن الاستغناء عنه ، ومن بين هذه العتبات يبرز”التصدير” وهو حسب جيرار جينيت اقتباس يتموضع عامة على رأس الكتاب أو في جزء منه، كما يمكن أن يكون فكرة أو حكمة (29)

للتصدير وظيفة تداوليّة إذ يوضع لتنشيط أفق انتظار القارئ بربطه بالنص المنخرط في قراءته لذلك لابد أن يراعى في اختياره الملاءمة الدلاليّة ، ووحده التأويل الجيّد  يستطيع إخراجه من دائرة الصمت .

لقد صدّرت الكاتبة عملّها الروائي بنصّين مقتطفين من ثقافتين مختلفتين ، الأوّل للفردوسي صاحب كتاب الملوك ( الشهنامة) الذي يسرد فيه تاريخ الفرس و ملاحمهم و هو كتاب مثقل بالميثولوجيا الفارسية أين تختلط الخرافات بالتاريخ، و الثاني للمؤرِّخ الفرنسي ميشلي وهو مؤرخ رومانسي استلهم فلسفة التاريخ من هيجل الذي يؤكِّد على دور الذات، الإرادة و الخيال البشري في صناعة التاريخ ، وقد اتسمت كتاباته أحياناً بافتقادها للحس النقدي نظراً للمساحة الواسعة التي يمنحها للخيال(30) .

يقول الفردوسي في هذا المقطع :” كل ما سأقوله قد قيل من قبل، كلّنا تمشّينا في بستان المعرفة ، مع ذلك ، لا يمكنني أن أحتل مكاناً مرتفعاً في الشجرة الملآى بالثِّمار لأنّ قواي لن تخولني ذلك ، حتى الذي يأخذ مكاناً تحت نخلة قويّة سيضمن أن يحتمي بظلِّها ، ربّما يمكنني أن أجد مكاناً فوق غصن سفلي…”(31) .

إنّ الفكرة التي تناولها الفردوسي في هذا القول هي أنّ المؤرِّخ لن يقول أكثر ممّا قيل سابقاَ و إنّما يتحدد عمله وفق المنظور الذي يتّبعه ، وقد عضّدت الكاتبة هذا القول بأن ألحقته بمقطع لميشلي  يؤكِّد فيه على فكرة الحوار مع المؤرخين  القدماء .      ومن زاوية أخرى فإنّ حضور التخييلي في كل من تاريخ الملوك و كتابات ميشلي يعطي الكاتبة شرعيّة في أن تنتهج  منهج الشّك حول التاريخ عموماً نظراً لخضوعه لمبدأ الانتقائية ، ومن هنا يمكن للقارئ أن يلمح كيف أنّ الحدود الفاصلة بين التاريخي          و التخييلي قد تمّ تجاوزها في النص الروائي خدمة للتصوُّر الذي تشتغل عليه الكاتبة ، وعليه لا يمكننا محاكمة هذا النص بمنطق الصِّحة أو الخطأ فهو نص روائي بالدرجة الأولى يسعى لتأسيس رؤيا استناداً إلى منظور مغاير .

الهوامش و الاحالات :

1-Assia Djebar : loin de Médine, édition Albin Michel,1991 , ( avant-propos).

2-Ibid.p105.

3-Ibid.p107.

4-Ibid.p125.

5-Ibid.p145.

6-Ibid.p175.

7- Jamal alsheibani : réécrire l’histoire au féminin, les enjeux idéologiques et poétiques de la narration dans Loin de Médine, thèse de doctorat/spécialité littérature française comparée, université de Cergy-pontoise,2009.p114

8– Loin de Médine .p20.

9-فاطمة المرنيسي : شهرزاد ليست مغربية، تر: ماري طوق، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط2،2003.ص19.

10- Jamel Alsheibani : réécrire l’histoire au féminin .p115.

11- Loin de Médine .p34.

12-Assia Djebar , à propos de Loin de Médine, Marburg , 1994. p209.

http://www.assia djebar.net/women/index_women.

13 -Rowistha Geyss : Bilinguisme et double identité dans la littérature Maghrébine de la langue Française le cas d’Assia Djebar et de Leila Sebbar, mémoire de magister en lettres modernes, université de Vienne, April. 2009 . p147.

14-Rowistha Geyss : Bilinguisme et double identité dans la littérature Maghrébine de la langue Française le cas d’Assia Djebar et de Leila Sebbar, mémoire de magister en lettres modernes, université de Vienne, April. 2009 . p147.

15-محمد أركون ولوي غارديه : الإسلام بين الأمس و الغد، تر: علي المقلد، دار التنوير للطباعة و النشر والتوزيع، دط، بيروت، لبنان،2006.ص202.

16-ألفة يوسف: حيرة مسلمة في الزواج و الميراث و الجنسية المثلية، دار سحر للنشر، ط3،تونس ، 2008.ص25.

17- سيفوكليس : من الأدب المسرحي عند اليونان أوديب ملكا، انتيجونا، الكترا، تر:طه حسين ، مهرجان القراءة للجميع ،2004.ص82.

18- Loin de Médine .p83.

19-ar.wikipedia.org/wiki/مذكرات

20- Loin de Médine .p130.

21- Ibid.p263.

22- Ibid.p303.

23- Driffa Sebai :Assia Djebar ou la tentation de l’histoire, actes des journées d’études « paroles de femmes et ecritures formatrices » equipe de recherche universitaire(en juin2007 et mars2008), département de français, université d’Alger.p72.

24-  Loin de Médine .p61.

25– Ibid .p213.

26- Ibid.p28.

27- Ibid.p33.

28- Ibid.p29.

29-عبد الحق بلعابد :عتبات( جيرار جينيت من النص إلى المناص)، منشورات الاختلاف ، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1،الجزائر،لبنان، 2008.ص107.

30-Jamal alsheibani :réécrire l’histoire au féminin .p48 .

31- Loin de Médine .p9.

*باحثة وناقدة جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق