ثقافة المقال

كوني ملكة

رأي في كتاب ليالي إزيس كوبيا للكاتب واسيني لعرج.

بقلم: إلهام بورابة

يعجبني الكاتب كنموذج موهوب. ثمّ أحب أن أعرف عنه من أيّ الناس هو، وكيف هو تعامله مع الناس والحياة.

ولصعوبة تحقيق ذلك أكتفي بالقراءة بلا بحث فيها عن أيّ كمال. فقط أحب أن أشعر في قراءتي بالتقدير.

بالطبع قد نختلف مع الكاتب لكننا ننصت للتجربة التي يعرضها باحترام ، فعليه بالمقابل احترام قلوبنا حين يتحدّث إلينا عن شخص معروف محبوب. فلا يبالغ بكلمات وصور معينة يظنها تنشّط المجال اللغوي لكنها تجني على المشاعر. أو يبالغ في التخيّل على سبيل البلاغة لأجل صور حسيّة بلا أدب. وهذا هو أسلوب الكاتب واسيني لعرج الذي تعرفت عليه من كتابين / نساء كازانوفا ، وليالي إزيس كوبيا.

ربّما يتعلل بحرية التعبير أو لأن ” الغاشي” يريد، حسب المفردة التي تولى شرحها في كتاب نساء كازانوفا، لذلك فله في هذا الكتاب تبرير. لكن في ليالي إزيس كوبيا فلا عذر له وأعتبر لغته فيها جنحة أدبية اعتمادا على الشخصية النموذجية التي يقدمها وتخص مجتمعا بعينه ، خاص، راق ، نخبة وليس ” غاشي”.

صراحة ، أنا لا أحب لغة واسيني وهذا الشأن خاص بي وحدي، ولن يضره والمعجبين به عباده الحافظين كلامه في تزايد. لكني هنا أشفق على مي من لغته ،هي التي قدّمها إشفاقا كما ظنّ . فقد خلق فعلا مضادا من حيث رأى الحفاظ على الأديبة في علاقاتها مع مجتمع فني هي وحدها فيه منظومة من الفكر والثقافة توجهّه.

بدا لي الكاتب يسرّد جسد مَيْ وليس يسرد قصّتها ، لاحتضان رغبات له لا تخمد. فماكان عليه أن يكتب ممارساتها السرية في ملجأ قديم أو مدرسة داخلية للراهبات ، مع جسدها أو مع مربية غير سوية . غير لائق أبدا فعله بها وهو في مقام الدفاع عنها.

فهل قرأ حقا واسيني هذا السلوك من مخطوطها؟ حتى وإن اعترفت مي بممارساتها على سبيل حقيقة السيرة الذاتية ، فهو في مقام دفاع وعليه أن يحترم هدفه فيحترم بذلك تصوّر القارئ الإيجابي عن نموذج إسمه مي زيادة.

لم تكن ماري الياس زيادة شخصية أدبية فحسب،لجيلي . بل نموذج تربوي لإعداد الفتاة. مازلت أذكر معلّمتي في اللغة بمرحلة الإعدادي وهي تقدّم لنا نصّ مي ” كوني ملكة”. قدّمته على أساس نموذج لحياة وليس للأدب. قدّمتها على أساس ” المفضّلة” وليس لشرح متن في القراءة لكن لأجل محاكاتها لنون مثلها متميّزات ، صادقات، متحرّرات، صالحات، بسريرة نقية سليمات الفطرة فتماهينا مع الشخصية وليس مع نص. مع أن هذا الكمال أنتجه نص للقراءة . فكيف يأتي وفي مرحلة متأخرة من عمرنا كاتب وبمبررات الأدب يسرّد الأدب؟

حقيقة لم أستطع إكمال الكتاب منذ وصلت إلى حديثه هذا عنها، مع أني منفتحة في القراءة وبلا حصر .

النصوص من الحياة وليست عبارات متصلة تقدم للقارئ بلاحذر. حتى لو كانت على جانب فني قويم. والإنصاف ليس في طرح الحقيقة كما هي بل في الذوق الخاص. خاصة في كتاب بمنزلة مرافعة لرفع الظلم والغبن عن غصن ارتفعت إليه أيد كثيرة للنخب.

علاقتي مع مَيْ ليس الأدب / الكتابة، بل الأدب / الأخلاق. مشروع تربوي ضربه واسيني في العمق.

السيرة بكلماته ولغته . أما لغة مي فإشارات مهذّبة ، مختارة ، فاضلة ولذلك صارت أثرا أخلاقيا وليس فنيا فقط. وعليه، فقيمة ما قدّمه واسيني هو جهده في البحث عن المخطوط وإخراجه في كتاب وهو جهد يشكر عليه، فليت الأدب، لو أحسن إخراجها بقيمتها التربوية كما حرص على قيمتها الإنسانية التي لا أنكرها .

لكن السؤال: هل حقا بنى واسيني روايته على مخطوطة كما تعوّد على ذكره في بعض كتبه؟

هناك حديث في السر عن حيلة بعض الكتاب الذين كل مرة يروجّون لأعمالهم بتوهيم القرّاء بأن العمل مأخوذ من مخطوطات قديمة ، عثر عليها صدفة أو جرى التنقيب عليها كأثر تاريخي مهم وهذا لما تكتسيه المخطوطات من أهمية في ذهن الناس ترتبط بكشف الأسرار. والناس عادة تقصد بفضول عجيب ما كان في روح الزمن القديم. إذن هناك افتراض بأنه لا وجود لمخطوطة مي هذه التي تسرد أيامها في مصحة العصفورية. هو فقط ذكاء من الكاتب لجذب الاهتمام. لذلك جاءت اللغة غريبة عن لغة مي وتناقض صبوتها في الطموح إلى العلا .

وحتى لو كان المخطوطة حقيقة ، فللأسباب السابقة ، فقد أساء الكاتب لصورة مي في ذهني، ميْ الملكة تشدو بها الدنيا كلها ، تعظّمها وتعظّم ضريحها .

لا أعرف الكاتب مع أني التقيته أربع مرات خلال أكثر من ثلاثين سنة ، أول مرة في ثمانينيات القرن الماضي، ثم عام 2016 حين قدم نساء كازانوفا بسطيف. بالحق، كانت قاعة دار الثقافة هواري بومدين عامرة عن آخرها ولا أنكر أن حديثه كان رائعا ، شهيا ، جذابا. وكان محاورا لبقا تلقى أسئلة محدّثيه باحترام وود .

وحين قدّم ليالي إزيس كوبيا بقسنطينة، تمنيت حضوره لأجل مي ولأجل الإنصات لحديثه أيضا فهو بارع، وعند استحالة حضوري أرسلت ابنتي فكانت ترسل لي بين الفينة والأخرى جزءا من اللقاء، فاستهوتها خزائنه حين فتحها وهي في بدء فتح عينيها على العصافير وليس على ” العصفورية”. هي مثلي تحب مي وطالعت رسائل جبران إلي مي، فلم تقاوم حديثه عنها حتى جعلها تبكي.

قرأت نساء كازانوفا أوّلا، أنهيته على مضض. ثم إلى ما ظننته أحلى “ليالي إزيس كوبيا”. تمدّدت على ظهري آخذة بين يدي وجه “مي” الأطهر من أي طهر ليصدمني طير واسيني لعرج.

ليس رأيي هذا للنقد. إنما ضرورة الكلمة التي تفرضها القراءة. وأكثر منها الدفاع عن ” ميْ” من جانب ذاتي وجداني . فما أضاف الكاتب لها ، هي المعروفة جدا بجمالها وأدبها؟ ماذا استفاد القارئ من تجربتها الصحية وتفرق الأصدقاء عنها؟ هو المغرّر به بالتأثير عليه بالموقف الانساني من قضية عائلية لكاتبة؟ أين جذوة الكاتبة ورسالتها ” كوني ملكة” ؟

قد انتزع الكاتب منها ومنّا جمال الكلمة ، وروعة أخلاقها ، وابتهالها أمام الله كالعذراء فرحة بعذريتها. لا تعذّبها أنوثتها ، زنبقة صوفية تختبئ في مسوح الراهبة.

**

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق