ثقافة المقال

جدليَّة المَوْتِ الحبِّ والحياة

ابراهيم مالك*

في الأسبوع الأخير من شهر نيسان المُنْتَظر ، هذه السنة ، سأبدأ أعيش الأيّام الأخيرة من سنة عمري الثامنة والسبعين . كَثيرًا ما لاحَظْتُ أن أكثر من سَبْعَةٍ وسبعين سنة انقضت من عمري الطويل القصير ، المليء بفرح الحياة وخيبتها ، انقضت وأنا أتنفّس وأتحرّك.. ما أجمل هذا الكشف: أنّك تتحرك ، تتنفس حياةً وتحاول قدر ما يسمح لك عقلك ومناخ حياتك الإسهام النسبي والمتواضع في دفع عربة الحياة الاجتماعية أماما وتجميل حياتك الإنسانية وحياة الذوات الأخر. وظهر لي بشكل مُبْهِجٍ سرّ سعادة المرء حين يكتشف جمال زمالة الحياة ودِفئِها وتواصل الأصدقاء وحواراتهم ، أن يجد حوله ، قريبًا أو بعيدًا، ناسا يقاسمهم ويقاسمونه لحظة فرح ، شعرت ساعتها كم هي كبيرة حاجة الإنسان للحظات فرح إنساني ، وان تكن عابرة وقصيرة وموجعة أغلب الوقت .  بدأ هاجس الموت، بصورة متزايدة ، يصبح جزءا من أحاسيسي الدائمة . والموت كما بَدأتُ أفهمه ليس قدرا مفروضا، بل حاجة حياة وأحد تجليات هذه الحياة وهو نقيض الولادة وَشَرْطُها. حقيقةً لا أخاف الموت ، أعتبره صديق حياة ألفناه . وقَدِ انْدَهَشتُ كثيرا حينً تَذَكَّرْتُ أكثرَ ما عَناهُ صاحِي ومُعِلِّمي أبو العلاء مِنْ حِكَمِ فِكْرِ إنسانِيٍّ حين صَرَخَ مُنْشِدًا :
” نَزولُ كما زالَ آباؤنا ويَبْقى الزَّمانُ كَما سنرى
يُضئُ نَهارٌ وليلٌ يَجئُ ونَجْمٌ يَغورُ ونَجْمٌ يُرى “
فالنَّهارُ هُوَ الوِلادة والليْلُ هو الرَّحيلُ والزَّمانُ ، دائمُ التَجَدُّدِ هو الحياة .
ورَدَّده بَعْدَه بجُرْأةٍ مُفْرِحة كاتِبُنا وَمُفَكِّرُنا أبو بكر بن طُفَيل حين كشف في عمله الرِّوائي الفكري ” حي بن يقظان ، فَكَتَب ما مَعناه :
لَنْ يكونَ شيء ما لَمْ يَكُن آخَرُ قَبْلَهُ .
وأكثر ما أخشاه أن يفقد المرء أثمن ما يمكن أن يبلغ ، أي أن يفقد كونه سيّد مصيره وحراكه ، فيصير غائبا ومُغَيَّبًا عن وجود آدميّ كريم وغير مؤذٍ ، عاش حياته أمَلاً في أ ن يكونه ويًظَلَّهُ .
***
فالموت في نظري، رغم ما فيه من وجع ومآسي حياة اجتماعية وجسدِيَّة ، هو حياة للآخرين:
نموت ليحيا من يأتي بعدنا . فالموت ، أشعر لحظتها أنّه جميل في مُحَصِّلَتِهِ لأنه يعني الولادة ويعني تجدُّد الحياة .
فهو مظهر من مظاهر جدلية الحياة .
وهوَ أحَدُ شُروطِها وضروراتِها .
ولأنه كذلك لا أخافه.
***
لحظة دنوت من نهاية عامي الثّامن والسبعين ، شَعَرْتُ أنَّ الشيخوخة تقدَّمت بي خطوات معدودة ، وبقي من العمر أيام معدودة أيضا .
أذكُرُ بعد أن ألمَّ بي المرض ، في 12 شباط من سنة 2003 ، كتبت في مجموعتي الشعرية الثانية ” نشيد حب لفاطمة ” ما معناه ” حيث يكون الحب تنتصر الحياة ” . أعرف ، لم أكن أوَّل من كتب هذا القول ولن أكون الأخير ، فهذه تجربة حياة . فأنا مدرك لفهم بديهية حياتية ، ” أنّه لا يمكن الهروب من هذه الكأس ” . وقد خبره فلاسفة العراق الأقدمون وسجلوه في ملحمة الطموح الإنساني العَبَثي نحو الخلود في ملحمة جلجامش . فخلصوا إلى ما ظنوه حقيقة : ” لن يبقى إلا الآلهة . فالخلود هو من سمات الآلهة، أما البشر فهم الفانون ” .
وان كنت لا أعتقد بصحة الشطر الأول من هذا القول ، إلاّ أن شطرَهُ الثاني حقيقةٌ حياتية ، بيد أنّ الفناء يعني هنا تجدُّد الحياة . لكني في تلك القصيدة ” حيثُ يكونُ الحُبُّ تنتصِرُ الحياة ” ، كنت أطمح ” بالانتصار النسبي المؤقت ” ، الذي يُبقي شجرة
الحياة خضراء قليلا . ولا أخفي أني أردت القول انه حيث يكون حب تكون حياة وحيث تكون حياة ينتفي الموت ، ولو آنيا . وقد أدركت عمق معنى ما قاله آخرون قبلي وسيقوله كثيرون من بعدي ، أكتب لأنني أحب ، أكتب وأقرأ لأعمل ، أحقق ذاتي ولأعيش، وبالتالي لأبقى ،
فالكتابة ضرب من العمل الإنساني الهادف وضرب من التحقق الذاتي ، ولذا فالكِتابة هي حياة وهي لا تنتهي بانتهاء الحياة الشخصية الفردية ، حين تكون قيّمَةٌ إنسانيّا ، جميلة فنيا ـ أدبيًّا ومجدّدة شكلا ومضمونا. جميل أن يبلغ المرء سنّ الشيخوخة الواعية والقادرة على نوع من الحركة والتنفّس . للشيخوخة جمالها ، كما لكل جيل ، لأنّ الحياة هي الأجمل.
***
صحيح أن الشيخوخة بدأت تدهمني ، لكنها لم تنجح في إخماد جذوة الحب المضطرمة والمشتعلة في قلبي ، حب الوطن ، حُبِّ ناسه وحب كل ما هو جميل . أعترف أنني أحب زوجتي ، شريكة درب حياتي من قرابة خمسين عاما ، لكن هذا الحب لم يكن في ذات يوم عائقا أمام عشقي الوطن ، ناسه وكل ما في عالمنا وفيه من جمال . ولم أكتم زوجتي أنّي عاشق للمرأة الجميلة ، أيا كانت ومن تكون !
أرى في المرأة تجسيدا لذاتي الإنسانية ، وأريد لهذه الذات أن تشع جمالا وفتنة. وأنا لا أخجل من هذا الحب ، وهو الذي لم أخفه يوما، وأصارح به . وقد طوّرت مفهومه من قراءاتي المتعددة للأدب الصوفي ، الذي أحاول تنقيته لنفسي وفهمي من العَيْبِيّات ، وصار هذا المفهوم نبراس سلوكي وحياتي . فحين أرى شابة صبيّة جميلة ، أو أخرى متوسطة العمر أو متقدمة شائخة ، يأسرني ما فيها من فتنة وجمال ، فأجدني أحدّث نفسي همسًا ” أتوحّد فيك فلا أسأل وصلك ” ! . وهو ما كتبته في قصيدة ” قالت ” ، نشرتها في مجموعتي الشعرية الثانية “نشيد حب لفاطمة”. وحين أتحدّث عن حب المرأة ، ذاتي الأخرى ، أدرك أن هذا الحُبَّ لا يكتمل إلاّ في وطن أحبّه وبين ناس أحبهم ، وأدرك أنه حبٌّ لا يُعنى بتفاصيل الجسد ، وإن يكن الجسد ، إناء الإنسان ، يعنيني وتلهمني تفاصيله ونحته الجمالي ولكن لا تشغل عقلي شهوانيّاته  ومُغرياته.
***

بلغتُ مِنَ العمر اليوم ثمانيةً وسبعين عاما .
وكم يُحزنني ما نحن فيه .
أتأمل عالمنا ، ولا أخفيكم :
أخاف أن هوسًا أصاب بعض ناسه ، ممّن ألهاهم الجشع وحال دون أن يروا المنحدر الذي يدفعون إليه عالمنا الجميل بفعل جشعهم ،
طمعهم وعنفهم .
فأيّ منزلق ننجرف إليه ؟
وهذي الناس ، التي أعنيها ، للأسف الشديد ، ممسكة ، وإن يكن في غفلة من الزمن وغفلة من عُقول الكثيرين من الناس ، ممسكة
بعنان عالمنا وتستطيع ، إن سمحنا لها ، و إن لم تكن إنسانيتنا واعية كفاية وحذرة ، تستطيع قتل الجمال والحياة فينا وفي عالمنا.
***
أدرك أنَّ ما قضيته من حياة ، حتى يومنا ، ليس عمرا طويلا ولكنه ليس قصيرا .
وهي حياة مشبعة بالخطأ والكبوة ومشبعة بالنجاح ، بالندم والتفاؤل ، بالحسرة والبهجة ، بما يمكن وصفه ، كما كتب الفيلسوف
الألماني هيغل مرّة عن ” مكر الزمن ” وخيانات التاريخ وانكساراته ، ومُشْبَعَة بالخيبة والطموح .
وأدركُ أنَّ الحياة هي السعي ، الذي لا يعرف الكلل ولا الملل ، للفوز بصداقة الناس ، أترابي ، والفوز بمحبتهم ، فمحبة الناس ،
محبَّة الإنسان ، مَن كانَ وحيث يكون ، هي قوّة ، ومحبتهم لك حين تشعرها وتُدْرِكُها أكثر قوة .
وأدرك أنني أشيخ قليلا ليكبر أولادي وأحفادي الجميلون والجميلات ويكبر كثيرون في عالمنا وبلادنا . وهذا مصدر فرح لا أكتمه ،
أعيه جيدا وعميقا ويكسبني حبا عاديا وطبيعيا للحياة ، فكم أود لو يطول بي العمر قليلا وتبقى لي ذاكرتي ووعيي لأقرأ ، أكتب كثيرًا
وأحب أكثر ، أتنفّس حبّا وأتحرك عملا نافعًا وأملا .

قصيدة
” حيث يكون الحب تنتصر الحياة ”

ما حدث لي في ذلك اليوم كان غريبا ومُسْتَهْجَناً ، لكنه حدث
وحينها تذكَّرْتُ جَيَدًا عبثية الحياة
كُنْتُ كَعادتي أجْلِسُ مُحْكَمَ الوِثاقِ في كُرْسِيّي
أنظُرُ إلى وجْهِ الشَّمْسِ المائلةِ إلى الغُروب
تارِكةً ظِلالها الذَّهَبِيَّة على سَفَحِ جَبَلٍ فَريد
يبدو ، بِكُلِّ فرادَتِهِ ، مِنْ حاكورتي ، فأحْسَبُهُ جَمَلاً مُنْدَفِعًا
رأى لِتَوِّهِ بوّاباتِ مَجْد الْكروم
الْمُنْزَوِيَة في رُكْنِ كَرْمٍ جَبَلِيٍّ هُوَ آخِرُ ما تُرِكَ لها
والمُطِلُّ بجلال إله كَنْعانِيٍّ قديم مُحْتَرِفِ الْخُشوع
على قريتي شعب والبروة ،
شعب التي استيقظتْ لتحيا من جديد
مِنْ وسط الخراب المميت الذي ألمَّ بأخواتها
في لحظةٍ من جنون الزمن
والبروة الحزينة مثل وجه أمّي
التي لم يتركوا فيها صخرة يتيمة يتَّسِعُ عِنْدَها
مَوْطِئ لمصَلّى يُصَلّى فَوْقَها ” لِتَصونَ ثائر ” ،
والمُشْرِفُ بحنان أمٍّ على وليدها
على قرية جولسِ العَروسِ الْمُزيَّنة بالْحِنّاء .
في ذلك اليوم كنت أتَأمَّلُ الشمسَ في انحِدارِها الْمُتَكاسِلِ
على خَدِّ الأفق الغربيِّ المُلْتَصِقِ كعاشق في البحر
لتغرُبَ ” في عينٍ حَمِئة ” ،
أقْبَلَ رَجُلٌ غريبٌ لا أذكُرُ أنَّني التقيتُهُ من قبلُ
ألقى تحِيَّةَ الغُروب وأشارَ نحوي بِيَدِهِ
الوُدِّيّةِ المَمْدودة كمن يودُّ مُصافحتي
شعرْتُ أنَّ يدي التي خانتني طويلاً هَمَّتْ بمُصافَحَتِهِ
لكِنَّ إرادَةَ الحَياةِ اللاإرادِيَّة نالها كَثيرٌ من البرد غيْرِ المألوف ،
فانكَمَشَتْ وعلى غير وَعْيٍ منّي صِحْتُ مُفْزَعًا :
يا فاطمة
إنْكَمَشَ الرجُلُ الغريبُ في قُرْنَةٍ قريبة منّي ،
فلا يراهُ أحَدٌ غيري
قالَ مُحَدِّثًا نفسهُ ، كمن أخذته صَيْحَتي العاشِقة ،
في ذلِكَ اليوم كانَ أقْلَقَني كثيرًا الإدْراكُ الذي داهَمَني فَجْأةً
بأنَّ يدي باتتْ ثَقيلَةً ، كما الشَّلَلُ ، فلم أقدِرْ بها يا لِعَجَزي :
أنْ أقْطِفَ الوَرْدَةَ الجورِيَّةَ الحَمْراءَ ، لأقَدِّمَها لكِ يا فاطمة .
منذُ ذلك اليوم لَمّا أكُف عن مُحاوَلاتي ،
فعاوَدْتُ الْكَرَّةَ مرّاتٍ ،
لأتمَكًّنَ بيدي التي خانتني طويلاً من قطف وردة الجوري الحمراء ،
لأقَدِّمَها لَكِ ، فقد حَفِظْتُ الدَّرْسَ جَيِّدًا يا جميلَتي
حيْثُ يكونُ الحُبُّ تنتصِرُ الحياة .
*ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني جَزائري الأصول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق