الموقع

رواية فيليب كلوديل “حفيدة السيد لِنه” جمالياتها وإشكالات

ترجمتها: د. ماجدة حمود

قرأت رواية فيليب كلوديل “حفيدة السيد لِنه” بالفرنسية أعجبت بها، وقررت ترجمتها لكنني اكتشفت أن الأستاذ سهيل أبو فخر قد سبقني إلى ترجمتها، وأصدرها عن دار علاء الدين 2007.‏..

جماليات الرواية:‏

لعل أهم ما أثار إعجابي بهذه الرواية أنها تجسد أزمة إنسان سلبت الحرب منه كل شيء (الوطن، الأولاد…) ورمته على شاطئ الغربة والوحشة مع حفيدته الرضيعة، التي بقيت من أسرته بعد أن أخطأتها قنبلة، وأصابت لعبتها!‏

لقد أثارت تعاطفي وهزت وجداني تلك المشاهد التي نسجتها الرواية لعلاقة إنسانية فريدة، تتجاوز المألوف، بزغت بين صديقين ينتميان لثقافتين مختلفتين (شرقية وغربية)‏

إن الغربة الروحية التي يعيشها كل من الصديقين باتت نسباً يشد أحدهما للآخر! فاللاجئ (السيد لِنه) أفقدته الحرب أحبته، في حين أفقد الموت زوجة السيد (بارك)، لهذا نمت بينهما غرسة المودة بعيداً عن اللغة المبتذلة، فعايشنا علاقة إنسانية، تصغي إلى أعماق الإنسان، وتلبي حاجة أساسية لديه، هي الرغبة في الإحساس بدفء التعاطف الإنساني الذي يقوم على التواصل الروحي، إذ تجذّرت الصداقة بينهما بعيداً عن اللغة المشتركة، التي هي أداة التواصل عادة، فقد جمعهما الحس الإنساني والمشاركة الوجدانية، فأصغى كل واحد منهما إلى الإيقاع الداخلي الذي يعتمد لغة القلب، ويمس شغاف الروح، فقد جرّحتهما مآسي الحياة، ولم تبق لهما سوى ذكريات ومقعد تلتقي همومهما عليه! لتعزز الحس المشترك، والتعاطف بينهما، مما يمكنهما من القفز على حاجز اللغة!‏

كانت النـزهة حاجة يومية لهما، فهي تعني الخروج من مكان مغلق أشبه بسجن (البيت، مهجع اللاجئين) إلى فضاء الحياة، فالسيد (لِنه) يحتاج هذه النـزهة من أجل صحة حفيدته، أما السيد (بارك) فيحتاجها من أجل أن يعيش ذكرياته مع زوجته المتوفاة، (فقد كان ينتظرها على مقعد مقابل الحديقة التي كانت تعمل فيها) لكن سرعان ما أصبحت النـزهة ضرورة حياتية، إذ بفضلها يتم التواصل الإنساني بين صديقين، يعانيان لوعة الفقد وقهر الوحدة بسبب ضياع الأسرة والوطن!!‏

إن هذا اللقاء اليومي وحد بينهما بفضل لغة القلب، صحيح أن السيد (بارك) كان يتحدث بلغة بلده بصوت عال، لكن السيد (لِنه) استطاع أن يلتقط إيقاعها الحزين، ويتفاعل مع ذكريات صديقه، التي تتدفق على لسانه، وكأنه يحاور نفسه، لكنه دون أن يدري، كان يستودع أحزانه في قلب صديقه، الذي كان يصغي إليه بكل حواسه الداخلية!!!!‏

المدهش هنا ردة فعل السيد (لِنه) الذي لا يجد وسيلة يخفف بها معاناة صديقه سوى أن يترنم بأغنية، كان قد تعلمها في وطنه، توحي كلماتها بالأمل، اعتاد أن يهمس بها في أذن حفيدته، وقد كانت هذه الأغنية جزءاً من موروث شعبي، تهدهد عادة الأم صغيرتها به! وبذلك استطاع التخفيف عن صديقه، كما استطاع أن يوحي له، عبر إيقاع كلمات الأغنية، بالأمل!‏

إذاً نشأت بينهما علاقة إنسانية، جعلتهما يستغنيان عن اللغة المألوفة ومفرداتها التي كثيراً ما تفلح في تعيين الأشياء، وتخفق في تعيين المشاعر وكل ما يتعلق بالوجدان.‏

لقد توحدت مشاعرهما وأفكارهما، حتى إنهما يشتركان في كره المدينة بسبب ضجيجها وإيقاعها السريع! ويراودهما الحلم نفسه، إذ يحلم السيد (لنه) بحياة القرية الهادئة، التي أجبرته الحرب على تركها، كما يحلم السيد (بارك) بقرية يقضي أيام تقاعده، ليستمتع بالجمال والسكينة!‏

بل يصل التوحد بينهما إلى درجة يرغب فيها السيد (لنه) أن تنشأ صداقة بين زوجته وزوجة صديقه في العالم الآخر، بما أنهما لن تستطيعا مثلهما اللقاء في هذه الدنيا! ‏

قدّم الروائي (كلوديل) مشهداً لا ينسى، حين عايشنا لحظة يحاسب فيها ابن المستعمِر نفسه أمام ابن المستعمَر، وذلك حين يعرف السيد (بارك) اسم وطن السيد (لِنه) ويكتشف أنه شارك بالحرب ضد بلده في فترة شبابه المبكر، فقد كان أشبه بطفل، لا يعي ما يفعل، وقد عايشنا في هذا المشهد تأثير التواصل الروحي بين الصديقين على أعماق الإنسان ووعيه، إذ نشهد حزن السيد (بارك) العميق، وتقريعه لذاته بصوت مرتفع، يرافقه نحيب لا يتوقف! فتأتي لمسة السيد (لنه) لتعانق روحه وكتفه، فتعيد بناء روحه التي هدمتها مشاركته في الحرب على أبرياء، وكي يخرج صديقه من حالته اليائسة نجده يترنم بأغنيته التي تبث الفرح والأمل في نفسه!!‏

وبذلك استطاعت هذه الرواية أن تنقل لنا أهمية التواصل الروحي بين البشر، وتكمن روعة هذا التواصل في كونه مفتوحاً، لا يقيده انتماء إلى ثقافة واحدة أو وطن واحد أو ظرف واحد، فقد أحس السيد (لِنه) أن أولئك اللاجئين الذين يشاركونه الوطن والسكن، ويعانون ظرف الغربة مثله، أنهم كانوا يلقون عليه نظرة ميتة!!! أما العجائز الذين يشاركونه العمر والإقامة في قصر للعجزة، فيجدهم مجموعة كائنات متشيّئة، فقدت حاستها الإنسانية، على الرغم من أنها ترى وتسمع وتأكل، لكنها لا تعرف أبعد من حاجياتها الآلية، فهي تدور حول أنانيتها، لهذا فقدت معنى حياتها، وباتت تعيش موتها وهي تتنفس، لذلك نستطيع أن نتفهم إشفاق السيد (لِنه) على حفيدته أن تتربى في هذا الجو الموبوء بالتشيّؤ!فقد أحس بتفاهة عالم يعنى بالحاجات المادية ، ويغفل الحاجات الروحية! وعدم صلاحيته لتربية الإنسان! فقد رغب لحفيدته بيئة نظيفة تحتفي بالحياة وبدفء التواصل الإنساني، ومثل هذه البيئة سيساعده على تهيئتها صديقه، الذي افتقده منذ نقل إلى قصر العجائز المطفئين!!‏

وهكذا شوّه البشر المكان، فتحول القصر البديع إلى سجن، حين افتقد دفء العلاقة الإنسانية الحميمة، التي عاشها مع صديقه! لهذا حاول الهرب مرتين (فشل في المرة الأولى، ونجح في الثانية)فقد ضحى بحياة مستقرة، تؤمن المأوى والطعام، لكنها لا تقدم ما يخفف وحشة الحياة وظلمتها!! لهذا لن تؤمن حياة لائقة لحفيدته!‏

لقد بات هذا الصديق بالنسبة إلى السيد (لِنه) معادلاً للحياة والمستقبل، لذلك ذكره منظر المدينة المتألقة بحيوية صديقه، مثلما ذكّره منظر البحر بوطنه! فبات الصديق ملاذاً له كالوطن تماماً!! لذلك حين لم يعد يرى السيد (لِنه) صديقه، شعر بالبرودة الشديدة، وافتقد النوم، وانتابه إحساس من فقد أملاكه، وسرق منه أعز ما يملك!!‏

لم تكن هذه العلاقة معنية بحاضر الشخصية فقط، بل نجدها تنشر ظلالها على المستقبل، صحيح أن العجوز السيد (لِنه) قد ترك في الوطن أجمل أيام حياته، وهو يعيش حاضره على ذكراها، حتى باتت تلك الذكرى ملاذاً يقيه بؤس الحاضر، لكن ذلك لم يمنعه التفكير بالمستقبل، ليس من أجله، بل من أجل حفيدته، التي يريدها أن تتفتح في بيئة لا موات فيها، وهذا لن يكون في بيت يجمعها بعجائز منطفئين، وإنما إلى جانب صديقه القوي والرقيق، الذي أحبه مثلما أحب حفيدته، فرأى أن مستقبلها سيكون زاهياً إذا رعاها صديقه بعد وفاته! أعتقد أن الطفلة التي يتركها السيد (لِنه) بعد أن أصيب بحادث سيارة في عهدة صديقه، هي رمز لاستمرارية هذا التواصل الإنساني الفريد، فالصديق الغربي خير من يربي حفيدة الشرقي، لأنه كان خير صديق لجدها في محنة الغربة ووحشتها!!!!!‏

صحيح أنهما لم يتبادلا اللغة، لكنهما تبادلا المشاعر، فأصغى كل واحد منهما إلى وجع الآخر، وقد عززا هذه المشاعر بوسائل بسيطة مستمدة من الحياة اليومية، فتبادلا الهدايا الصغيرة (السكائر للسيد بارك، والثوب لحفيدة السيد لِنه) والدعوة للطعام والتجوال في المدينة، مما أضفى الحياة والتجدد على روح اللاجئ العجوز! كما أنعش وجدان السيد (بارك) فقد وجد في زحمة المدينة من هو مستعد ليصغي إلى شجنه!‏

لقد غيّرت هذه العلاقة الفريدة حياة كل منهما، فخففت أحزانهما، وروت ظمأهما للدفء الإنساني، والفضل في ذلك لعلاقة فريدة أدت إلى ابتكار لغة تسمو فوق تلك اللغة المتداولة، لذلك بات كل واحد منهما سنداً للآخر!‏

نقاط ضعف الترجمة:‏

أعتقد أن الترجمة ظلمت الرواية، فقد لاحظت سيطرة الآلية عليها، فافتقدت الحساسية للغة الأدبية، فمثلاً:‏

ـ ترجم وصف الكاتب لـ(بارك) بالرجل البدين (le gros homme) وهو صديق السيد (لِنه) مع أن دلالات هذه الصفة (البدانة) لا توحي بالقوة، في حين أراد الكاتب أن يصفه بالقوة، لهذا سيستأمنه على حفيدته! لهذا أفضل ترجمة الصفة بالرجل (الضخم)‏

ـ لم ينتبه إلى دلالات المفردة في كثير من الأحيان فترجم (un monstre) بـ(وحش) مع أن دلالة (غولة) أقوى باعتقادنا!!‏

ـ وكذلك ترجم الابتسامات الطفولية ((aux sourires de lait بابتسامات حليبية (ص95)!!!‏

ـ أغفل ترجمة بعض الصور الجميلة، فمثلاً (ص24) نجده لا يترجم صورة تجسد حنين العجوز لقريته!p35: tranquille comme le matin lorsqu,il se leve et peu a peu dissipe la nuit qui avait enferme le village, les riziers et la foret dans son manteau de tenebres. إنها هادئة مثل فجر عندما يبزغ، ويبدد شيئاً فشيئاً ظلام الليل المخيم على القرية والغابة وحقول الأرز. فقد حذف المترجم (معطف) الذي يلف المكان بدفء العتمة، فيحمي روح الغريب، مثلما يحمي المعطف جسد الإنسان!‏

وفي (ص33) يهمل وصف جمرة السيكارة التي تكاد تنطفئ!!‏

أحياناً كان يلغي ترجمة مفردة تصور العلاقة الحميمة بالمكان (الوطن) وتجسد خصوصيته (son (pelage …tout impregnee de l,odeur des feux sur lesquels on cuit le repas tandis que la pluie eguoutte sur le toile de feuilles son pellage clair et liquide.‏

ـ وقد وجدناه يترجم كلمة تصف المكان بطريقة موحية المكان المميت (ce mouroir) بطريقة محايدة فيقول (هذا المأوى) (ص104) فيغفل مشاعر العجوز الكارهة للمكان التي تدفعه للهرب منه إلى صديقه في الخارج!‏

ـ وجدت في الصفحة (69) إضافات للمترجم لا تخدم الرواية (كانت الغيوم منخفضة تكاد تلامس الأرض، بدت السماء وكأنها تنطبق على المدينة وتحطم ما فيها) باستطاعته أن يقول: بدت السماء منخفضة تريد تحطيم المدينة.‏

ـ وقد يحذف جملة موحية (une odeur écoeurante le suit) تتبعه رائحة كريهة‏

ـ أحيانا يغفل ترجمة صفة، فيغتال فنية الرواية، فنجده (ص95) يقول ليعانق زرقة البحر المرتعشة، فيهمل الصفة (المرتعشة) وقد تقلب الترجمة المعنى رأساً على عقب.‏

وقد يضيف، أحيانا، صفة عوضا عن شبه الجملة، فيترجم (ص43) السيارات التي تمر بأشكالها المتنوعة (الفارهة)، فنجد الصفة الأخيرة عوضا عن (بسرعة) A toute allure.‏

لا ينتبه لدقة الفعل، فشتان بين ترجمة (ص63) (qui s’abattent)خطرت في باله صور و(تصارعت) فهذا الفعل أكثر حيوية ودقة في تجسيد المعنى!‏

أحيانا تتجاوز الترجمة المنطق، فنجده (ص97) يترجم (كانت الأطباق مسكوبة في صحون وأوان) الصحيح هو المأكولات مسكوبة!!!‏

يخطئ في ترجمة فعل مع مفعوله (le font: verbe faire) يحوله إلى اسم (الضرع) دون أن ينتبه إلى السياق الذي يؤكد على حدوث فعل الرضاعة!‏

La mort l,epuise. Elle l,a tete comme les cheveraux avides le font avec leur mere‏

ـ كما أخطأ في ترجمة الحياة عقد جراح (un colier de blessures) فجعلها طوق نجاة (ص114)‏

ـ أما السلم الذي ينقله من حياة الملجأ إلى حياة الحرية، فيدعوه الكاتب (سلم الحظ l’échelle de fortune في حين يدعوه المترجم السلم المصطنع (ص106)!!‏

كما يترجم (saccage et silence) بالهرج والمرج، مع أن من الأدق ترجمة ذلك بالدمار والصمت! لأن ذلك أنسب للسياق.‏

ثمة ملاحظات أخرى لن أتوقف عندها، كي لا أثقل على المتلقي، المهم أنني شعرت، بعد مقارنة هذه الرواية المترجمة بالأصل الفرنسي، أن الترجمة لم تعد خيانة فقط، وإنما أصبحت اغتيالاً لجماليات العمل الفني أيضاً!!!!‏

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق