قراءات ودراسات

ثنائية البؤس والأمل في “سُرة البلد”

عبد الفضيل السروي*

ينقسم الريف في المتوالية الروائية “سُرة البلد” للكاتب المصري أحمد محمد عبده إلى ثلاث أبعاد: الريف البائس والريف الآمل والريف المتطلع, يرصد الكاتب في رواياته القصيرة بصمة البؤس على الناس والمكان, وأيضا كان لدية الحساسية والقدرة ليرصد البصمة والأثر على الوجوه والرائحة, يسجل البصمة ويلاحق الرائحة النابعة من ملابسهم وجلودهم, وكأن لديه رادار بالغ الحساسية يتتبع أثر البؤس على صفحة الوجوه, وفى أعماق سنين السخرة المنسية, وعلى مفردات اللغة الموروثة, فالبؤس لا يأتي ويمضى لحال سبيله, وإنما يترك بصمته على الناس والمكان وحتى الأخلاق يقول في مطلعا روايته ” من ذاكرة الثعالب وابن آوى والبوص والهيش والحَلْفاء وذيل القط والسبخ والجميز وحجارة تل بسطة وأساطير تل يوسف وأوراق البردي والكرباج ودوار العمدة والمصطبة والجرن والنورج والجبانات وفئوس ومقاطف عمال التراحيل” حتى الإهداء تنبعث منه رائحة البؤس يقول في الإهداء ” إلى أجدادي.. أنتم لا ترونني, أما أنا فأراكم في سحنتي وسحنة أبى وأخي وعمى, بعثرتكم الرياح في الوديان والهضاب والسفوح والتلال, بين ذئاب الوادي وكرابيج الدلتا, هطلت عليكم الأمطار مرة وامتنعت مرات”
والسخرة تعني أن تعمل مجانا وقهرا ا لصالح السلطان, وعلى الفلاح المقهور أن يدبر أدواته, فأسه ومقطفة وملابس تستر عورته, يكتب أحمد عبده من وحى السخرة وكأنها عايشها.
” قد يغريك طول الأمد بينك وبين أجدادك، فتظن أنهم كانت عليهم القيمة، وكان لهم حضور وشأن, وكان لهم هيبة بين الناس, وتعتقد أن كبارهم ما كانوا ينزلون من على حميرهم حين يمرون على دوار العمدة، وما كانوا يخلعون أحذيتهم,ـ إذا كانوا ممن يضعون في أقدامهم أحذية أصلا, أثناء مرورهم من أمام ذلك الدوار, وما كان العمدة يتسلى بشبابهم, فيرسل واحدا بعد آخرا إلى سخرة هنا وسخره هناك، كما تظن أن العمد والمشايخ كانوا يحترمونهم وان النار لم تنطفئ في كوانينهم وأفرانهم يوما, وما فات مأتم في البلد إلا خرجت من بيوتهم صواني الطعام, وإنهم كانوا يغفرون أخطاء الصغار ويصفحون عن تجاوزات الكبار”
قام أحمد عبده بتحطيم وتهشيم نعرة شائعة بين أهل الريف, نعرة كاذبة ” إحنا أصل البلد يا ولد” ! وفى هدم تلك النعرة يقول أحمد عبده:
” ومما وصلنا من التاريخ الحديث، أن عائلة السروى من السرو في شمال الدلتا, فرت من قسوة ضرائب أغوات المماليك, حافظوا على لقبهم كل هذا الزمن كأنهم عاشوا علي يقين بأن إقامتهم هنا مؤقتة, وعائلة السنجابي من الدلنجات، سحبت جذورها وراءها يوم فرارها من كرباج الباشا مالك الزمام, في ناحية من نواحي المديرية، وعائلة أبو خطوة من التل الكبير، حطت على رؤوسهم هزيمة عرابي، بذنب وقوفهم بجانبه في الحرب ضد الانجليز, ففرو بجلدهم خوفا من انتقام الإنجليز بعد توغلهم في البلاد, باختصار كل العائلات في كل القرى أو حتى المدن مثل قرص المقابر أو العيش الشحاتة أو طبيخ المأتم, كل رغيف من فرن وكل طبيخ من كانون، فلا أحد هنا سوى البوص والهيش والحلفاء وذيل القط وابن آوى, بعد هذا التفكيك يقدم الكاتب التفسير التاريخي للعائلات, إنه تاريخ الكرباج. ويُحذر احمد عبده بليادته بهذا التعبير قائلا: فلا تُمدد رجليك في وجوه الناس ظاناً أن عائلتك في البلد تسبق حفر البحر.


ولتلطيف الأجواء يقول يلجأ لصيغة وعظية قائلا ” فكلنا لآدم وآدم قبضة من تراب الهند على قبضة من طين كندا…” إنه ليس تاريخ العائلات ولكن تاريخ الكرباج رمز السلطة والقهر.
وفي مشهد من مشاهد السخرة والقهر, والعهدة على الرواي” تجمع الرجال والشباب على حافة الخليج، أول ألف فلاح تم دفعه لمنطقة العمل, وأراد ديلسبس أن يتفقد بشائر إنجاز مشروعه، الرجال رصوهم له في هيئة طابور طويل, أمام كل واحد فأسه ومقطفه، وراح الخواجة بتباسط معهم فسألهم عن أسمائهم: محمد, أحمد, محمد, عبد الواحد, محمد, عبد الصمد, عبد المولى, أحمد, محمد, عبد النبي, عبد رب النبي, عيد…..
توقف ديليسبس طويلا أمام عيد!
راح يتأمله كما لو كان زميلا له في مدارس الليسيه فرنسيه أو به شبه من ريمون أو أندريه بلدياته الذين تركهما فى مرسيليا
أووه… عيد
وراح في نوبة ضحك هستيري، ثم سحبه من أطراف أصابع كأنه يسحب مطربة أو راقصة باليه, ثم انهمك في الرقص مع الفلاح الجلف، الذي كان يتطاوع معه غصبا عنه, ممشوقا ومتعرجا ومنبعجا في هيئة كنغر أو ثعبان يبتلع فأراً.
ولما شبع الخواجة من الرقص معه طرحه على بطنه, فجاءت رأسه ناحية الجنوب في اتجاه الخليج, ورجلاه في اتجاه الشمال, ثم وضع السكين على قفاه, وقام بجز رقبته بقوة, فظفر من الدم خرطوما يصب في البحر الذي كان ماءه أبيض.
ظلت جثة عيد تنتح ما بها من دماء حتى اليوم الثاني، سرى الدم في كل جيوب الخليج كما يسرى الماء في نسيج القطن, فكان أن طغى الاحمرار على البياض فسُمي البحر الأحمر!
انتهوا من حفر القناة واتصل البحران فلم يكن بينهما برزخ فيمتنعان.
***
ما شكل قرية أحمد عبده؟ أقصد قرية رواية سره البلد؟
” سره البلد هي دائما مهبط آدم وحواء في كل قرية، حاراتها ضيقة كضيق معيشة الناس, وبيوتها ملتصقة مثل التصاق قلوبهم أيامها, وهذا التكوين طرحته في كتابي “شخصيات ريفية” أقول فيه ” القرية المصرية تتباين في الشكل عن القرى المتناثرة في أوروبا, لأنها مجموعة من الدور المتلاصقة التي تكاد تكون لفرط التصاقها وحدة مترابطة لا يبعد جزء من أجزائها عن الآخر، أما في أوربا نجد القرية تتألف من دور منفصلة بين كل منها والآخر مسافات تتفاوت قربا وبعدا. ولهذا التلاصق في القرية المصرية دلالة ووظيفة اجتماعية، ومن اليسير التعرف على هذه الوظيفة, إذا نحن أدركنا ما كان يتعرض له الفلاح المصري في تاريخه الطويل من الأذى والاضطهاد واستنزاف المحصول، ومن التاريخ نتذكر أن الدولة العثمانية كانت حين تعجز عن دفع رواتب جنودها تدفعهم إلى القرى المصرية ينهبوا منها على حسب ما تيسر لهم: حبوب، مواشي، بط، وز، فراخ؛ كل ما تصل إليه أيديهم دون ضابط أو رابط، يفعلون ذلك مدججين بالسلاح وممتطين الجياد في مواجهة الفلاحين الحفاة بلا سقف لقانون أو مرجعية لسلطة “
نستكمل وصف أحمد عبده حين يصف تكوين قرية الرواية وهو تكوين ينم عن خوف وبؤس, ” محيطها الخارجي يسمى شارع الناحية, وهو السياج الذي يحزم أصول البلد، فاصل دائري يعزلهم عمن يتوافد إليهم فيما بعد, ويقيم على الأطراف، لذلك لا تجد قرية أو كفراً أو نجعاً إلا وفيه داير ناحية, وتتخذ البيوت شكل العصر التي بنيت فيه, فبيوت عصر الطوف قبل بيوت عصر القوالب اللبن, إلى أن نصل عصر طوب القمائن، حتى وصلنا لعصر الأسمنت المسلح.
ابحث عن البؤس الذي يفيض بروا ئح كريهة, ومناظر قميئة في رواية سُرة البلد, فالناس في الرواية مثل بقية البشر, يأكلون ويتغوطون, لكنهم لا يبنون داخل بيوتهم بيت راحة, فهو في اعتقادهم مأوى الشياطن,
ريف احمد عبد كما توقعت هو الريف البائس ثقافياً وتاريخياً.
وصف أحمد عبد ريفه بصدق وأمانة, بلا تجميل أو تكلف, و لكن لم يشرح لماذا هو بائس؟ ولم يتطرق إلى ملكية الأرض الزراعية في زمام قريته وهي معضلة الريف المصري.

*مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق