ثقافة السرد

سرادق في جوانحي

بقلم : نبيلة عيلان

تُهت بذاكرتي باحثة عن أرض لا وجع فيها .. سرت في غياهب اللّيل مثقلة الكاهل .. وحيدة كنت أحثّ الخطى ..أحمل في روحي  صمتي وأحزاني .. بارتجال عبرت شوارع عتمة تكسوها الغيوم الصّاخبة ، ككفيف أسير مغمضة البصر، بلا وعي أقف على حافة اليأس وقد كبرت الآلام في قلبي و كبُر فيّ معها الضّياع .. واستسلمت للقدر و استسلمت للآهات التي أصبحت جزءا من أيامي. صحوت من غفوتي مفجوعة ..دوي الرّصاص يخترق الحيطان .. لم يكن من سبيل لتناسي  هذا الصّداع و الاستسلام للنوم و لو لبضع ثوان .. مع كل طلقة تخفق قلوبنا ألف مرّة .. و تُخرج المدينة من صمتها و تعمّ صرختها أرجاء الكون ..يسكننا الخوف و الفزع اللّيل و النّهار يتشابهان في هذه الأرض المنسية .. الصّيف و الشّتاء يتشابهان ..هاجرت الابتسامة شفاهنا ، كما تهاجر العصافير وكرها عند كل شتاء. نسير في شوارع هائجة يملأها الوجع ، بأنفاس مكدودة تشتاق لرائحة الورد و الياسمين نحنّ لخيوط الشّمس و ألوان قوس قزح التي أعماها الضّباب و دخان الرّصاص والرّشاشات .. كنت هناك أقف على شرفة يأسي ..أذرف ما تبقى من دموعي ..أسقي بها وجعي على أمل أن أصحو من أضغاث أحلامي و تعود وجه الحياة الرّتيبة و يغيب الألم     و تملأ الابتسامة وجهوها معدومة ..لكن الأيّام تمضي و الدّماء تسيل في كل ركح من هذا الوطن ..صورة الموت تحوم في كل مكان .

كنّا نشعر مع كل يوم يمر أنّنا مجرّد أشباح أجساد ..نبحث عن بذرة أمل تجعلنا نتمسّك بالحياة ..نسير متتبّعين نقطة نور في آخر النّفق ..فنجد أنفسنا غارقين عنوة في ظلام لا تسكنه غير الشّياطين .. نقف حائرين بين الاستسلام لرغباتهم أو نكسب مكانا في المقابر الجماعية التي خصّصوها لكل من يرفض الخشوع و يتحدّى الخوف .

كثيرة كانت هي الصّرخات الموجعة ..كثيرة هي الآهات المكتومة بداخلنا و التي نحاول تناسيها على أمل طلوع فجر جديد يمحي كل أثر لها .. أصبحت حياتنا أشبه بالصّقيع في بروده وعنفه وجبروته.

مع كل صرخة أمّ أو زوجة على شهيدها تبكي السّماء بقوة مواسية جراحها .. أوراق الأشجار تتناثر قبل موعدها من الوجع و الخوف ..فنيت الأزهار في حدائقنا الترِحة ..لم يبق مكان للجمال في هذا الوطن ..لم يتركوا مكانا للحب في هذه الأرض ..أرواح شاحبة تطلب الرّأفة من ربّ السّماء منتظرة الرّحيل إلى مثواها الأخير .

وحيدة كنت أعانق وجه الحياة ..أسبح بلا شراع ..مجابهة التيار ..متحدية الأمواج المتمرّدة ، أبحث عن مرسى الأمل .. كانت الطّرق كلّها تجرفني إلى ميناء الوصب .. يأخذني العباب وتأتيني كما لو كنت لوحة تزلّج .. يكون السّباح في معركة مع الأمواج العاتية .. وكانت معركتي أنا ضدّ التأوّهات و الوجل .. كانت معركتي لأجل الأمل و الأمن .

في فجر بلا نور أطلقت أولى قذائف العدو ..أيقظت اللّيل بصمته و سكونه ..و أخرجت اليمّ  من غفوته و هدوئه.. لم نكن نفكّر أن الحياة بعد هذا تصبح جحيما.. وأننا بعد هذا الفجر الدّامي تتغيّر لغتنا وعاداتنا و تقاليدنا ، ونضطر لارتداء ثوب اليأس و التلثّم بحجاب الخوف و الوجع.

كانت مدينة تأبى النوم و تكره الاستسلام.. مدينة ولدت حرّة لتبقى حرّة دون قيود .. اختاروها لتكون البيضاء عروسا في كل يوم و إلى الأبد.. لكنهم لطّخوا ثوبها الأبيض بالدّماء .. دماء آلاف من الرّجال والنّساء والأطفال استشهدوا حتى تبقى هي عروس الأوطان .. و لم يكونوا ليرضو بعروس غيرها.

كنّا نطارد حلمنا الهارب .. حلم الحرّية و الأمان .. في وطن استوطن عليه الحقد والأسى لم يكن الوقت مناسبا للأحلام ولا للأمنيات.. كان الوقت يفرض علينا الأشياء ونحن دون تفكير نستسلم للظّروف ونرضخ لها.

عاد الهول و الألم فجأة إلى المدينة الصّامتة .. من بعيد كنت أرمق نهاية سيناريو فيلم رعب ..تخيّلتني أمام شاشة تلفزيون أتأمّل منكمشة على نفسي ..دقات قلبي باتت تتصارع الفزع يقبض على أنفاسي .. حاولت الصّراخ لكن لم يعد لي صوت .. أغمضت عينيّ وفتحتهما ..تمنيت لو كان الأمر كابوسا أصحو منه بعد لحظات .. لكن المجزرة كانت واقعية صرخات الشهداء كانت حقيقة تصل إلينا بأصوات مبحوحة من الشارع تتلقّف أنفاسها الأخيرة

_الله أكبر ..الله اكبر

خرجت من سجني حافية القدمين ..في كحلة معميّة أسير مرتجلة الخطى ..مخترقة قوانين من لم يكن له وطن ..  سيول من الدّماء تملئ الشوارع ..كأنّما السّماء كانت تبكي دما .. أصوات كثيرة خلفي تنادي

_ادخلي يا امرأة ..

_أنت مجنونة فعلا

_ممنوع الخروج  يا امرأة

_عودي أدراجك ..الخوف يحوم حول المكان

_إننا في جحيم جهنّم ..عودي لقد تم حضر التجوّل

كل تلك الأصوات باتت بعيدة عني ..و كأني أصبت بالصمّ فجأة من جرّاء دوي الرّصاص .. قدماي شلّت فجأة .. السّماء تُمطر آهات و الأرض تُنبت لوعات .. و أنا أسير دون وعي.. أبحث بين ما تبقى من أجساد الشّهداء عنه .. أحسّ عند رؤية كل جثّة أنّه هو .. كانت الوجوه مشوّهة لكنها تحمل في تراسيمها حب الحياة و الابتسامة مرسومة في خجل على شفاههم ..في عيونهم ملامح تبعث بالأمل .. أحسست براحة داخلية مفاجأة لم أشعر بها قبل تلك اللّحظة .. بحثت و قد طال بحثي ..القائمة كانت طويلة ..طويلة جدّا .

أحسست بقريرة تعبر جسدي ..رفعت مآقي إلى السّماء.. وقعت دمعة مكابرة من مقلتي.. مسحتها  بكبرياء ..فتحت عيناي لمحت روحه تعبر فوقي .. كان ما يزال بشوشا .. يحمل في نظراته الأمل و الحب .. سمعته يقول

_هوّني عليك يا أمّاه ..أنا حي ..تجديني في كل ركح من هذا الوطن .. لا تيأسي ..  وانتظري فالنّصر قريب .

لم أكن أعرف كم من العمر مضى .. أتأمّل السّماء التي توقّفت عن التأوهات .. دون إدراك تحوّلت صرخة الوجع في جوانحي إلى زغاريد ..أخرجت الشاّرع من صمته        بعد السكون الاجباري ..خلف الشّبابيك الصّغيرة توالت الزّغاريد .. مسحت للحظة تراسيم الخوف ..ليسكن مكانه الأمل من فجر جديد يكون دون رصاص و لا رشاشات ..دون دم    و لا دموع .. فجر للفرحة و الابتسامة .. لعيد قريب يحتفل به الأطفال الذين يخرجون لاحتواء الشارع بصياحهم يملؤونه دون أن يشعروا بالخوف .عبَر كل ذلك في خاطري للحظة ..كان حلما جميلا ..قضت عليه آلة الدّمار .. آلة الاستعمار .

عدت للواقع ..و أنا لا أزال أتأمّل السّماء التي بدأت تمطر بقوّة و كأنها ترغب غسل أجساد الشّهداء و أرواحنا المنهكة ..التفتت خلفي رأيت الجميع يغلق نوافذ منازلهم دفعة واحدة .. أدركت أنّ الصّياد تتبّع أثري .. قبل أن أحسّ بأيد تضغط على ذراعيّ .. رشقت في وجوههم العبسة الحقودة  آخر زغرودة .. وارتسمت الابتسامة على شفتيّ أخيرا..  وكأن الوطن لم يعد جريحا ..كأن الأرض لم تعد تتوجّع ..جروني في الأرض كما يجرّون كلابهم.. كنا ندرك دائما أن لذّتهم الوحيدة هي تذليلنا .

أتذكّر ذلك اليوم .. كنّا مجتمعات في ردهة البيت .. كل واحدة مهتمة بعملها .. تنظيف الملابس ..تحظير الطّعام ..نتحدّث عن حياتنا و آمالنا بمسحة حزن و آهات لا تنتهي .. لكنّنا كنّا على يقين من أنّ فجر الاستقلال سوف يطلع قريبا .. كنّا تائهات في أحلامنا منهمكات في أعمالنا .. قبل أن يتهجّموا علينا كالوحوش المفترسة .. مصوّبين علينا أسلحتهم .. يرمقوننا بنظرات خبث و حقد ..قبل أن يقول زعيمهم بلغته الفرنسية ..وهو يقترب من الزّهرة ابنة جارتي مريم ..مدّ يده و هو يداعب شعرها ..

_ما اسمك حبيبتي ..؟

أخذ يلفّ و يدور حولها .. يبصرها بعيون عطشانة للحب ..يداعب شعرها بيد جائعة للجسد ابتعدت عنه مختفية خلف ظهري ..كان جسدها يرتعش من الذّعر .. اقترب منها في هدوء وحذر .. وكأنه ذئب  يهمّ  للقبض على فريسته .. نظرت إليه و قلت ..

_ابتعد عنها أيّها الكلب ..

توقّف أمامي مصوّبا سلاحه نحو رقبتي و هو يقول بلغته الأجنبية مبتسما ..و من ابتسامته ينفجر سمّا قاتلا

_ لا تتدخّلي ..أنا هنا الزّعيم أفعل ما أشاء و أنتم هنا فقط لتلبية رغباتي ..

ابتعد عنّي قبل أن يعود و يضيف

_أين هو عيسى ..؟

أحسست بركبتي ترتعشان ..بقلبي يبكي و روحي تنزف و جهي يتغيّر لونه كل لحظة ..

_ألم تسمعي ..

_ليس هنا ..

_و أنت ..و أنت ..يقول بصوته الخشن مصوّبا سلاحه على كل واحدة منّا ..قبل أن يضيف   و هو ثائر محدّثا كلابه السّعرانة .

_فتّشوا في كل مكان .. حتى في أسرّتهم .. في حماماتهم في قدورهم ..لا تثقوا فيهن

إنّهن خبيثات و ماكرات ..

بقينا ننتظر خروجهم ..و بقيت أنا أحدّث نفسي و قد أخذتني الذّكريات الرّهيبة ..هل يعقل أن نرضى تسليمهم أرضا لم تكن يوما ملكا لهم .. كيف نقبل أن نكون عبيدا نعمل و نشقى في خدمة من يذلّنا و قد وُلدنا أحرارا .. صحوت من غفوتي و أنا أصيح

_كلاّ لن تستولوا على أراضينا ..لن تأخذوا كرامتنا ولا شرفنا .. يوما ما تخرجون من هذه الأرض مذلولين مطأطئي الرّؤوس  ..

أرهقني التفكير بالزّهرة و زاد من نكسي .. خائفة كثيرا مما قد يحدث لها و الجرذان لا تستسلم أبدا ..تنبش في كل مكان و تلطّخ كل شيء جميل و نقي .. فتحت عيوني .. وجدت نفسي ملقاتا على الأرض و هم مجتمعين حولي يتهامسون .. أغمضت عيوني حتى لا أرى وجوههم العبسة .. وصلت من بعيد إلى مسمعي زغاريد أعادت للحظات الحياة إلى المدينة أدركت أنّ الزّهرة لم تبقى وحيدة .. والأرض تملك من يحميها .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق