ثقافة المقال

نكاح العناكب، وصراع الثعالب

الدكتور/ جمال عبد الناصر محمد عبد الله أبو نحل “أبو عدي”

مهما علا شأن الإنسان، ووصل به التقدم، والتطُور العلمي، والتقني، لدرجة مهُولة، وكبيرة جدًا من العلِمِ والمعرفة، إلا أنهُ يبقي مسكيناً، وضعيفاً، ولو وَخّزَتهُ شّوُكه يتألم منها، وكذلك نحن لا نزال نجهل الكثير من أسرار الكون العظيم من حولنا، ولا شيء أدَلْ علي ذلك من استمرار البحث، والاستقصاء، والتنقيب، والتفتيش عن حلول لكل المُعضلات، والأمراض، والفيروسات التي تطرأ، وتظهر بين الفينة، والأُخري للناس، مثل “فايروس كورونا”، وغّيره، وتتواصل البحوث العلمية، والدراسات، ومراكز الأبحاث في عَّملِهِا، وكذلك كثيراً ما نسمع عن الاعلان بشكلٍ مُستمر عن اكتشافات علمية، وبحثية جديدة، ويبقي للهِ سبحانهُ، وتعالي العلم المُطّلق: “وفوق كُلِ ذيِ عِلمٍ عليم”، “واتقوا الله، ويُعلمِكُم الله”؛؛ فبعد ما يزيد عن ألف، وأربعمائة عام من نزول القرآن الكريم يكتشف العلم الحديث بعض ما سطرتهُ آيات الذِكر الحكيم، وهنا يدور الحديث عن سورة كاملة في القرآن الكريم معروفة : ” بسورة العنكبوت”، وإن كلام الله عز ، وجل فَصّلٌ، وما هُو بالهزل!. وإن المُطلع علي حال الأمُة العربية اليوم بعضها أشبه حالهُ بنكاح العناكب، وصراع الثعالب!؛ والملعوم بأن بيت العنكبوت هو أوُهَن البيوت؛ حيثُ تقتلُ العناكب بعضها بعضاً، وتُخّرب دارها، وبيتها، وتدمرهُ بأيديها، كما يفعل بعض العرب، والمسلمين اليوم، يقتلون بعضهم بعضاً!؛ ويدمرون بيوتهم بأيديهِم!!؛ رغم أنهم خير أُمة أُخرجت للناس، ولها صفات خيرة، وعظيمة وشرفهم وأكرمهم الله عز، وجل بأعظم نعمة وهي الاسلام؛؛ وحالهم اليوم مثل العنكبوث، فّعلي الرغم من أن له مميزات خارقة؛ حيثُ أن أنثى العنكبوت هي التي تقوم بنسج الخيط، عن طريق آلية هندسية تعتبر معجزة إلهية في حد ذاتها، فخيط العنكبوت الضئيل الذي يظهر أمام العين المجردة مصنوع بالطريقة نفسها التي يصنع بها الكوابل شديدة الصلابة؛ حيث يتكون الخيط المفرد من عدة خيوط متناهية في الصغر ملتفة حول بعضها، وقد يبلغ سمك الخيط الواحد منها 1 من مليون من البوصة، تنتجه غدد أنثى العنكبوت من خلال ثلاثة مغازل خاصة موجودة أسفل البطن، ويوجد قرب كل مغزل فتحات لغدة صغيرة تخرج منها المادة التي تكون الخيوط الحريرية، وهي مادة معظمها من البروتين و قد يصل عدد هذه الغدد إلى 600 غدة، وأثناء هندسة النسيج، تقوم العنكبوت بجمع الخيوط الناتجة من ثلاثة مغازل معا لتكوين خصلة قوية ومتينة، وتغزل العناكب التي تعيش خارج المنزل نسيجا معروفا باسم الفلك نسبة إلى شكله الدائري، وهو قطعة هندسية رائعة من الخطوط المتناسقة التي تتلألأ بشكل بهي تحت أشعة الضوء في مطلع الفجر؛ ولقد توصل العلم الحديث إلى وصف أكثر من 35000 نوع من العناكب المختلفة الأحجام و الأشكال و الألوان و الطبائع، و الغرائز ، و يعتبر عنكبوت المنزل المعروف أقل هذه الأنواع ابتكاراً و تفنناً في صنع نسيجه، و قد لاحظ العلماء أن بيت العنكبوت له شكل هندسي خاص دقيق الصنع ، و مقام في مكان مختار له في الزوايا، أو بين غصون الأشجار ، و أن كل خيط من الخيوط المبني منها البيت مكون من أربعة خيوط أدق منه ، و يخرج كل خيط من الخيوط الأربعة من قناة خاصة في جسم العنكبوت و خيوط العنكبوت حريرية رفيعة جداً، حتى أن سمك شعرة واحدة من رأس الإنسان يزيد عن سمك خيط نسيج العنكبوت بحوالي 400 مرة، ولا يقتصر بيت العنكبوت على أنه مأوى يسكن فيه، بل هو في نفس الوقت مصيدة تقع في بعض حبائلها اللزجة الحشرات الطائرة مثل الذباب و غيرها .. فهي تلتهم الملايين من الحشرات و النباتات الضارة بالصحة، أي أنها تعمل كمبيدات حشرية حية، لدرجة أن أحد علماء الأحياء يؤكد أن نهاية الإنسان تصبح مهددة على ظهر الأرض إذا ما تم القضاء على العناكب، ومن ناحية أخرى ، تستخدم العناكب في مجالات البحث العلمي لتجريب تأثير بعض المواد المخدرة عليها ، كما أن العناكب من أوائل الكائنات التي وضعت في سفن الفضاء لملاحظة سلوكها و هي تبني شباكها تحت تأثير انعدام الجاذبية في الفضاء الخارجي و تجري حالياً دراسات علمية مكثفة للإفادة من حرير العنكبوت على النطاق التجاري على غرار ما حدث بالنسبة لاستخدام الحرير المنتج بواسطة دودة القز، و يتجلى الإعجاز العلمي في التعبير القرآني عن الفعل بصيغة المؤنث في كلمة ” اتخذت ” ، وهي إشارة في غاية الدقة للدلالة على أن “الأنثى”، و ليس الذكر، فهي التي تقوم بصنع نسيج البيت، وكذل الإشارة إلى ظاهرة التفكك الأسري في بيت العنكبوت في أن العنكبوت الأم تقوم بقتل زوجها بعد التلقيح مباشرة، و كذلك تهجر صغار العناكب أعشاشها في سن مبكرة، و هو ما كشف عنه العلم الحديث بالنسبة لغالبية أنواع العنكبوت، و ما كان لأحد قط أن يفطن إلى هذه الحقيقة وقت نزول القرآن الكريم قال تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ )، لقد شبه الله سبحانه وتعالى الكافرين وأليائهم الذي اتخذوهم من دون الله تعالى أنصاراً يرجون نصرتهم كمثل حال العنكبوت التي اتخذت بيتاً مكون من زوج و أولاد، فقد كشف العلم الحديث أن العنكبوت الأنثى بعدما تنشأ البيت الذي تساكن فيه الذكر تجبر العنكبوت الذكر على النكاح من أجل الحصول على الحيوانات المنوية؛ ثُم تقوم بإستنزاف قواه إلى آخر رمق و عندما تحصل على حاجتها منه و تتيقن أنه أصبح لا يستطيع أن يبذل المزيد، وأصبح عبئً على العنكبوت الأنثى تطيح برأس زوجها الذي ساكنها في هذا البيت وتقتلهُ شر قتلهُ فّتأكله!! كما أن العناكب الصغيرة تغادر البيت في سن مبكرة فراراً من أمهم التي ربما تأّكُلهمْ إن جاعت!؛ فعلاقة العنكبوت الأنثى، والعنكبوت الذكر هي علاقة مصلحة تنتهي بانتهائها، فالوهن الذي أشار إليه القرآن الكريم في بيت العنكبوت هو وهن اجتماعي لا مادي، وحال بعض العرب، والمسلمين اليوم، يعيشون في وّهن في كل شيء “مادي، واجتماعي، وسياسي الخ..!؛ ولّيثّهُمْ أقوياء كخيوط العنكبوت والتي قد اكتشف العلم الحديث مؤخراً أن خيط العنكبوت أشد متانة من الفولاذ، وإذا كانت هذه الخيوط تبدو ضعيفة، واهية تمزقها هبة ريح، إلا أن الدراسات أوضحت أنها على درجة عالية من المتانة، و الشدة، والمرونة، وخيوط العنكبوت تُعد أقوى مادة بيولوجية عرفها الإنسان حتى الآن، وتعتبر الخصلات الحريرية التي تكون نسيج العنكبوت أقوى من الفولاذ، ولا يفوقها قوة سوى الكوارتز المصهور، ويتمدد الخيط الرفيع منه إلى خمسة أضعاف طوله قبل أن ينقطع، ولذلك أطلق العلماء عليه اسم “الفولاذ الحيوي” أو “الفولاذ البيولوجي” أو “البيوصلب”، وهو أقوى من الفولاذ المعدني العادي بعشرين مرة، وتبلغ قوة احتماله 300.000 رطلا للبوصة المربعة، فإذا قدر جدلا وجود حبل سميك بحجم إصبع الإبهام من خيوط العنكبوت فسيُمْكِنه حَمل طائرة “جامبو” بكل سهولة و لقد قام العلماء بإنتاج مادة يشبه تركيبها خيط العنكبوت وهي تسمى بالكافلر؛ حيث يستعملونه في صنع القمصان الواقية من الرصاص”، وليث العرب حالهم متماسك اليوم كخيوط العناكب الفولاذية، بل يسود بينهم أيضاً صراع، ومكر الثعالب؛ ونُورد قصة كلثوم بن الأغر كان قائداً فى جيش عبدالملك بن مروان وكان الحجاج بن يوسف يبغض كلثوم فدبّر له مكيدة جعلت عبدالملك بن مروان يحكم على كلثوم بن الأغر بالإعدام بالسيف، فذهبت أم كلثوم إلى عبدالملك بن مروان تلتمس عفوه فاستحى منها لأن عمرها جاوز المائة عام. فقال لها سأجعل الحجاج يكتب فى ورقتين الأولى يُعدم وفى الورقة الثانية لا يُعدم ونجعل ابنك يختار ورقة قبل تنفيذ الحكم فإن كان مظلوماً نجّاه الله، فخرجت والحزن يعتريها فهى تعلم أن الحجاج يكره ابنها والأرجح أنه سيكتب فى الورقتين يُعدم.. فقال لها ابنها: لا تقلقى يا أمّاه ودعى الأمر لله، وفعلاً قام الحجاج بكتابة كلمة يعدم فى الورقتين وتّجمّع الملأ فى اليوم الموعود ليروا ما سيفعل كلثوم، ولما جاء كلثوم فى ساحة القصاص قال له الحجاج وهو يبتسم بخبث: اختر، واحدة، فابتسم كلثوم واختار ورقة وقال: اخترت هذه، ثم قام ببلعها دون أن يقرأها فاندهش الملك وقال: ما صنعت يا كلثوم! لقد أكلت الورقة دون أن نعلم ما بها! فقال كلثوم: يا مولاى اخترت ورقة وأكلتها دون أن أعلم ما بها ولكى نعلم ما بها انظر للورقة الأخرى فهى عكسها فنظر الملك للورقة الباقية فكانت «يعدم» فقالوا: لقد اختار كلثوم ألا يُعدم ونجي من مكر الحجاج ولم يُعدم، فمتي تفيق الأمة العربية والإسلامية من سُباتها وتبتعد عن الصراع فيما بينها، وتلفظ الثعالب المكارة من بينها، ولا تكون كالعناكب التي تدمر بّيتهَا بايديها برغم الامكانيات الرهيبة، والكبيرة التي تتمتع بها الأمُة.

*كاتب وأكاديمي فلسطيني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق