قراءات ودراسات

فاطمة منصوري شاعرة الثورة الجزائرية في وادي سُوفْ

بقلم: بشير خلف

إنّ الشعر الشعبي قد تتبع كفاح الشعب الجزائري في جميع مراحله وأطواره، بل وساهم في التأريخ لكل أشكال المقاومة منذ دخول الغزّاة لهذه الأرض الطيبة، كما أدّى هذا الشعر الشعبي ولا يزال دوره في التوثيق الشفوي، بل وحتى الكتابي لأغلب الأحداث المعاصرة. وإن الروح الوطنية لتتجلّى بوضوح في هذا الشعر، وهي تقوم أساسا على الدعوة إلى الجهاد والدفاع عن الوطن والدين الاسلامي، والتفاني في صوْن القيم الثورية الخالدة، وبهذا فإن الشعر الشعبي ظل يتغنى بالوطن والوطنية ويدعو إلى التشبث بالقيم النضالية دائما كلما كان الوطن في حاجة إلى أبنائه.

فالشاعر الشعبي لم يتخل عن واجبه في استنهاض الهمم، وغرس الروح الوطنية لدى الأفراد على مرّ التاريخ الجزائري، ولا يزال إلى اليوم يقم بدوره المنوط به على أكمل وجه؛ حيث ارتبط الشاعر الشعبي الجزائري بقضايا وطنه وأمته دائما فقاسمها الأفراح والأتراح، وساهم بشعره في نصرة القضايا الوطنية والإنسانية العادلة، ولاسيما في الفترات الحرجة والصعبة التي مرت بها الأمة الجزائرية،  فانبرى الشعراء الشعبيون في كل جهات الوطن إلى تنظيم الصفوف وتجنيد الناس لمحاربة المحتلين وحمل الجزائريين على التضامن ووحدة الصف والمشاركة في تمويل المقاومات ونصرتها.

كما أدى الشاعر الشعبي دورا إعلاميا مهما في هذا المجال نظرا لغياب وسائل الاتصال والإعلام المتطورة في ذلك الوقت، كما قام برصد مختلف الأحداث التي شهدتها الجزائر، بل وسجّلها في الذاكرة مما يمكنّنا من اعتماد بعض الأشعار الشعبية وثيقة تأريخية لبعض الحوادث التاريخية المهمة التي شهدها الوطن، وحينما نتحدث عن الشاعر الشعبي الجزائري فكلامنا ينصبّ على الشعراء الشعبيين  مثلما ينصبّ على الشاعرات الشعبيات، وما أكثرهنّ في هذا الوطن، ولا تخلو منطقة من ربوع الجزائر منهن. إذا كانت الظروف الاجتماعية، والتقاليد والعادات أحالت بينهن وبين الظهور العلني كما الشعراء الذكور فإن الذاكرة الجمعية أنصفتهنّ ورسّخت أشعارهن.

الشاعرة فاطمة منصوري ..شاعرة الثورة التحريرية في وادي سُوفْ

ومن الشاعرات المتألقات التي كانت الناطقة شعرا خلال الثورة في وادي سوف ( فاطمة منصوري) التي كتب عنها الدكتور أحمد حمدي، والمرحوم الدكتور إبراهيم ميّاسي؛ غير أن الديوان الذي أصدرته دار الثقافة بالوادي، وفي إطار الخمسينية لذكرى الاستقلال عن هذه الشاعرة الفحلة الشجاعة أخيرا كان أشمل وأجمع لأشعارها الشعبية.

الديوان من الحجم المتوسط يقع في 72 صفحة ..الغلاف معبّر وجذّاب من تصميم الفنان التشكيلي محمد بشير سواسي، طباعة مؤسسة صخري بالوادي ..جمع نصوص الديوان الأستاذ أحمد علواني حفيد الشاعرة التي ولدت سنة 1910 م وتوفيت سنة 1984 م.. أشراف وتنسيق وشرح وتعليق الدكتور أحمد زغب أستاذ الأدب الشعبي بجامعة الوادي.

الكتاب ..المكوّنات

بالكتاب جزء سردي، وجزء شعري، فالجزء الأول السردي والمتكون من 31 صفحة  يتضمّن الآتي: شكر وعرفان بقلم الأستاذ محمد حمدي مدير دار الثقافة بالوادي، تصدير بقلم الدكتور أحمد حمدي الشاعر والكاتب والباحث والأستاذ الجامعي، مقدمة بقلم الدكتور أحمد زغب أستاذ الأدب الشعبي بجامعة الوادي، الأرجوزة النسائية في البوادي الجنوبية الشرقية من تعويذة سحرية إلى أغنية ملحمية ـ فاطمة منصوري نموذجًا ـ بقلم الدكتور أحمد زغب، ترجمة الشاعرة المجاهدة فاطمة منصوري العلوانية بقلم الأستاذ أحمد علواني حفيدة الشاعرة. أمّا الجزء الشعري والمتكون من 36 صفحة يضمّ 16 عشرة نصا شعريا للمجاهدة الشاعرة أشرف على جمعها حفيدها الأستاذ أحمد علواني كما أشرنا أعلاه.

شكر وعرفان

الأستاذ محمد حمدي مدير دار الثقافة الذي تجنّد منذ سنوات لاحتضان كل مكونات الأدب الشعبي بربوع الولاية، وطبعه ونشْره على حساب دار الثقافة، وتشجيع مبدعيه يقول في مدخل ديوان الشاعرة فاطمة منصوري:

« … ونحن صغار كانت والدتي (رحمها الله) كثيرا ما تروي لنا قصصا عن المجاهدين الأبطال الذين تحدوا فرنسا المستعمرة وجبروتها وقهروها ، حكايات مازالت راسخة في ذاكرتي ، قصص عن الشهيد حمه لخضر والمعارك التي خاضها حتى استشهد ، (الشهيد الحي) داسي محمد الساسي وقصة نجاته من الموت بعد معركة هود شيكة الشهيرة ، (الجنة) قريد عبد المالك ، مومني بشير وحامدي عبد الكريم وقصة التحاقهما بالثورة رغم صغر سنهما ، سالمي السعيدي وقصته مع الشهيد الطالب العربي وقصة استشهاد أخيها عمرو في أبشع مجزرة ارتكبها المستعمر في وادي سوف ( مجزرة رمضان 1957) التي راح ضحيتها عدد كثير من المجاهدين …غيرها  كثير لا يسعني المجال للحديث عنها كلها وذكر أسماء الشهداء والمجاهدين الذين ضحوا بأغلى ما يملكون لتحيا الجزائر حرة أبية وننعم نحن بهذه الحرية ، ومن هذه القصص قصة المرأة التي تحدت المستعمر الفرنسي بكلامها وشعرها الذي مازال الكثير من الناس يحفظونه ، هذه امرأة التي لم ينصفها التاريخ ولم يعطها الرجال حقها إنها الشاعرة المجاهدة فاطمة منصوري رحمها الله . وكان حلمي منذ الصغر أن نكتب عليها شيئا نتركه للأجيال القادمة (حتى لا ننسى) ولله الحمد والمنة الحلم قد تحقق في هذا الكتاب الذي نتمنى أن نكون قد أوفينا به بحق هذه المرأة العظمية .ص 5»

تصدير

الدكتور أحمد حمدي أصيل منطقة الشاعرة والباحث الجامعي، والشاعر القدير يتكلم في ” تصدير ” عن أن هذا العمل الذي بين أيدينا يدخل ضمن جمْع تراث ثورة التحرير المجيدة، وهو ما يجب الحرص عليه من الكتاب والأكاديميين الجامعيين حتى لا يضيع وخاصة عندما يتعلق الأمر بشعراء وشاعرات عايشن أحداث ثورة التحرير المباركة، بل وشاركوا وشاركن فيها:

«  ينبغي أن أشير في بداية هذا التصدير إلى أن هذا العمل يندرج ضمن مسطرة جمع تراث ثورة التحرير المجيدة، وهو ما نحرص دائما على الدعوة إليه، باعتباره واجبا على أجيال الاستقلال من كتاب وجامعيين، وضمن هذا الإطار بالذات، كنت ضمن الفريق الذي كلف بإعداد عدد خاص من صحيفة ” المجاهد” سنة 1972 وذلك بمناسبة إحياء ذكرى أول نوفمبر، حيث تنقلت الى منطقة بسكرة والوادي وبئر العاتر لهذا الغرض، الأمر الذي أتاح لي فرصة اللقاء بالشاعرة فاطمة منصورى ، فأجريت معها حديثا، وسجلت بعضا من قصائدها المنشورة في كتابي “ديوان الشعر الشعبي .. شعر الثورة المسلحة ” ولا يفوتني أن أذكر بأنني كنت على اطلاع بمآثرها ومواقفها الثورية، وقصائدها وأشعارها الحماسية، فقد كانت على كل لسان في منطقة الجديدة وضواحيها حيث قضيت جزءا من طفولتي.

بالرغم من بساطتها وعفويتها إلا أنها تفرض حضورها من خلال صوتها الاجش وكلماتها المعبرة وحضورها الذهني الوقاد، وتأكيدها على أن ما قامت به هو واجب وطني، ولا تخفي أن أشعارها تهدف الى اثارة حماس الشباب، وحثهم على الالتحاق بالمجاهدين في الجبال، وأنها توقفت عن قول الشعر عقب استرجاع السيادة الوطنية والاستقلال.

والواقع أن ما استمعت اليه من الشاعرة في هذا اللقاء وسجلته عنها هو جزء صغير من تراثها الكبير لكنه على ما يبدو يظل هو الجزء الذي تم انتشاله من عالم الضياع، ولكل ذلك فإننا نؤكد مرة أخرى أنه رغم المجهود الذي بذله حفيدها الأستاذ احمد علواني والدراسة القيمة التي أعدها د. احمد زغب، أن تراث هذه الشاعرة لم يسجل بعد، ويتطلب المزيد من البحث والتسجيل.

يمكن أن أشير أن عالم هذه الشاعرة يستند على التراث الشفوي للمنطقة، لكنه لا يبقى حبيسا للأغراض الكلاسيكية للشعر الشعبي بل شقت طريقا خاصا بها ينتمي ما يعرف بالشعر الثوري .. الشعر الملتزم الذي يكرس كل قواه لخدمة الثورة، ومن هذا الجانب فهي الشاعرة الثورية بحق.

إن لغة الشاعرة بسيطة وتغترف من محيطها، ولا تتوانى في استخدام بعض المفردات المُحــرفة عن الفرنسية مثل الموتورMoteur والجورنال Journal وغيرها التي دخلت العامية.

وكذلك الصورة الشعرية فهي مأخوذة من صميم حياة المرأة، مثل هذه الصورة الرائعة التي تصف فيها المعركة حيث يلعلع صوت الرصاص من بنادق المجاهدين، فتراه من منظور بيئتها البسيطة، مثل صوت الحمص فوق الطاجين حيث يتفجر في تناغم عجيب مثل تغريد الحمام أو الطيور:

يا جــــــــبانه

غريد المحمص توق بغباره

حين تغلبت جايـــبة  الطياره

لاحت علي الكور ما حسيته. ص 7،8

المــقدمة

المقدمة بقلم الدكتور أحمد زغب الأستاذ الباحث والمتخصص في الأدب الشعبي ومشرف، ومنسق هذا الكتاب، المقدمة  تتحدث عن أهمية الشعر الشعبي كحامل لقيم إنسانية سامية، وكذاكرة جمعية لا يخلو من القيم الجمالية الفنية أيضا، فضلا عن القيم التاريخية الثرية:

«  أصبح مسلما به أن هذا الشعر الذي نسميه شفاهيا ، لأنه صدر عن أناس أميين لا يقرؤون ولا يكتبون، لا يخلو من قيم فنية وجمالية، وقيم ثقافية وإنسانية أيضا، وحين ترسخ نصوص في الذاكرة الجماعية على مدى نصف قرن ونيّف، معبرة عن أحداث أصبحت في ذمة التاريخ، فلا شك أن تلك النصوص تضيف إلى قيمتها الفنية والجمالية والثقافية، قيما أخرى تاريخية، لأن المؤرخ يجد فيها ما لا يجده في الوثائق الرسمية.

لطالما كانت النخبة المتكفلة بكتابة التاريخ، تهتم بما يجري في الدوائر الرسمية، والأحداث الكبرى، وطالما كان التاريخ من صنع الحكام، ومن يدور في فلكهم من أعوان ونخبة ، أما ما يجري في الأوساط الشعبية، فهو غالبا في الظل ، ونادرا ما يدخل سجلات التاريخ.

غير أن هذه الأوساط الشعبية في القرى والبوادي والأرياف، مجتمعات إنسانية، بكل ما لها من معاناة، ومشاعر وملكات فكرية، تتفاعل مع الأحداث الكبرى،، وتسجل ردود فعلها؛ أكثر من ذلك فقد يبدو لنا من خلال ما أثر عن هذه الطبقات، المسماة ’’دنيا‘‘ أنها عامل أساسي محرك للأحداث، ولا معنى لحركة التاريخ من دون هؤلاء البسطاء البعيدين عن دواليب السياسة، والذين اتخذوا أنفسهم وقودا لهذه الأحداث، وصانعي مجدها وانتصاراتها ومن هنا فإن سجل الطبقات البسيطة من الأشعار والأغاني المأثورة والأخبار والحكايات وغيرها يكتسي أهمية بالغة. إذا كنا نريد فعلا أن نسجل تاريخ الأمة.

وحين نجد أنفسنا أمام ظاهرة شعرية وبطولية حماسية مثل ظاهرة ’’ فاطمة المنصوري‘‘ تبدو لنا عناصر أخرى تقتضي الوقوف عندها، والتأمل فيها؛ فمن جهة نجد الشاعرة تتكلم بلسان الجماعة ، لا تفرق بين ضمير المتكلم وضمير الجماعة،  و عدد من الأسماء الذين تسميهم على أنهم أبناءها مثل حمة وسعيد وغيرهما وبينها هي شخصيا ، فكأني بالوعي الجمعي هو الذي ينطق على لسانها، وكأن المجتمع برمته في ثورة حماسية متأججة يخوض المعارك ويقدم التضحيات، وما لسان الشاعرة سوى لسان الجميع الذي يعبر عن الدوافع والوسائل والأهداف التي تستحق كل ما يعترك المجتمع من محن.

كما نلمح بوضوح في هذه النصوص أن ثقافة المجتمع ماثلة للعيان مجسدة في الرموز المقدسة ، وما يدعمها من معتقدات، كذلك في العادات والتقاليد والقيم العربية الأصيلة كالمروءة والشهامة والكرم وغيرها حتى يبدو لنا أن الذي يخوض المعارك هي الثقافة نفسها قائمة على قدميها راسخة عمق اللاشعور الجمعي  ممتدة إلى عصور البدايات.

ملمح آخر يظهر بوضوح في النصوص التي بين أيدينا، هو المرأة، والمرأة –في هذه المجتمعات -تابعة للرجل لا شأن لها من دونه، بل تتحمل من الضيم ما يتحمله ، وفي هذه المجتمعات البدوية المحافظة لا يبدو للمرأة أي موقف ، إنما امتدادا صامت لمواقف الرجال ،كما تتسم تجربتها في معترك الحيلة بالضحالة ،فهي لا تخرج من البيت إلا للاحتطاب أو ورود الماء أو نحوها من المهمات البسيطة التي تتناسب مع دورها في  حياة الأسرة، هذه العوامل تجعل من شعر المرأة أراجيز ارتجالية ،تتناول مظاهر عاطفية أسرية محضة تتغنى بنفسها بأبنائها وبناتها، في قوالب لغوية مكرورة وصور مستهلكة، الأمر الذي يختلف مع ما يخوضه الرجل في معترك الحياة الفسيحة من سفر وتجارة ونزاع وتحالف وغيرها.

غير أن الأمم كثيرا ما تمر بأحداث كبرى ينوء عن تحملها الرجال بمفردهم ، وعندئذ يفتح باب التاريخ على مصراعيه للمرأة، لتسجل حضورها وتثبت ذاتها. وتاريخ المجتمعات البطرياركية يحدثنا عن نساء كثيرات سجلن أسماءهن بحروف من ذهب في سجل التاريخ، تحت طائلة الظروف العصيبة التي مرت بها تلك الأمم . ص 9، 10

يرى الدكتور أحمد زغب أنه لدى الأمم التي تعتزّ بتاريخها ترى في مثل هذه الأراجيز النسوية البسيطة، وبما تتسم به من عفوية وارتجال أنها تدنو من النبرة الملحمية التي تتغنى بالبطولة والحماسة، حيث تذكر المعارك الطاحنة، والخسائر الفادحة للعدو، وتمجد الشهداء، وتهجو الأعداء، وتفضح المتعاونين معهم.

الأرجوزة النسائية في البوادي الجنوبية الشرقية

يركز الأستاذ أحمد زغب في هذا القسم على تعريف ” الأرجوزة ” ومراحل تطورها من العبارات المسجوعة إلى أضعف أنواع الشعر، كما أن الأرجوزة النسوية التي هي بمثابة أغنية تلقائية عفوية، المتميزة بكلماتها البسيطة، وألحانها المتشابهة والمصاحبة لأطوار دورة الحياة، هي أغنية لا مؤلف، ولا ملحّن لها.

« …  من هنا جاءت الأرجوزة وهي في الأصل مرحلة ابتدائية ،من مراحل الشعر، وقد تطورت عن العبارات المسجوعة، (لنتذكر سجع الكهان في الجاهلية)  إلى أضعف أنواع الشعر ، وزعم الخليل انه ليس بشعر ، إنما هو أنصاف وأثلاث أبيات،  كما سمي لسهولته حمار الشعراء،، لذلك قال بعض الباحثين إنه أول أنواع الشعر العربي ظهورا ، ويرى الدكتور شكري محمد عياد، أن الشعر نشأ على أهازيج الرقص  والعمل وحداء الإبل بما يجعل الشعر العربي لا يختلف في أشكاله الأولى  عن الجمل القصيرة المسجوعة ثم جاء الرجز وهو أضعف الأوزان إيقاعا .

بالإضافة إلى أن العبارات الشعائرية ،إذا انتقلت من مستوى درجة الصفر ،إلى اللغة الغنائية الشعرية تكون أشد تأثيرا على النفوس وأشد تعلقا بالأذهان.

والأرجوزة النسوية هي تلك الأغنية التلقائية العفوية المتميزة بكلماتها البسيطة وألحانها المتشابهة ، التي تصحب أطوار دورة الحياة، إنها أغنية لا مؤلف لها ولا ملحن، تنشأ تلقائيا من الوعي الجمعي يحفظها الجميع ويتغنى بها ، تتكئ على رصيد هام من القوالب الجاهزة ،لتنشأ عنه وترسم المعالم الكبرى لإطارها العام، ففي أغاني الفرح( تعبير عن الفرحة ،الاستعانة بالإله والأولياء، استحضارهم لمباركة العرس، لحضور المراسيم، التبرك بعموم الخير وتكليل الزواج بالنجاح، والتفاؤل بمستقبل الزوجين الشابين …)

ثم يأتي بعد ذلك الأفراد المختلفون والأمزجة المختلفة والمناسبات المختلفة لإجراء التغييرات على الأغنية لتتلاءم كل مرة مع السياق الوجودي الحاضر الجديد.

ونلاحظ خروج الأرجوزة النسوية عن طابعها الذاتي والمحلي إلى نزعة وطنية وقومية أكثر شمولا  في المقطوعة التالية نجد النبرة الملحمية واضحة واللغة والحماسية، على الرغم من احتفاظها بالصيغ الشفاهية الجاهزة إلا أن صيغا أخرى ملائمة للموضوع استبدلت بالصيغ السابقة:.

أَوْلاَدْ الجَزَايِرْ تَعَلُّو

وُالْفِتِنْ قَدّوْ اَحْـرَابَهْ

لاَ يَرَهْبَوْ لاَ يْذِلُّو

لاَ تْكِيدْهُمْشِ الْمِجَابَةْ

يِقْسُو عَلَى هَبّةْ الرِّيحْ

طَايْرِينْ فُوقْ السَّحَابَة

بِالنّورْ وُبِالْمَصَابِيحْ

كِي يُوهْرُو مِنْ غْيَابَهْ

عَنْهُمْ خَطَبْ سِي جَمَالْ

طَالِبْ مْشَرَّعْ كْتَابَهْ

الله يُنُصْرَهْ عَ الْكُفَّارْ

فِي الَّلفِظْ مَااحْسَنْ أُوْجَابَهْ

بْجَاهْ حَمدْ للهْ بِالْخِيرْ

يْدِيرْ جِهِدْهُمْ فِي الصّوَابَة

ففي المقطوعة السابقة ،يمكن أن نلمح بوضوح آثار الأرجوزة النسوية فالعبارات الشعائرية ( الله ينصره ع الكفار- بجاه حمد لله بالخير-الله يزيدك الهيبة) بارزة   وبعضها مكرر ،وكذلك الصيغ الشفاهية مثل : (القايلة، والقوايل من زروقها للمغيبة) وكذلك تراكم الأوصاف والتراكيب اللغوية: (ولد ، بطل ، معلوم..)والتوازنات الصوتية التي نجدها بين الأغصان القصيرة المتقاربة.

كما نلمح من المظاهر الملحمية السرد والنزعة الجمعية ذات الانتماء الوطني والمؤازرة القومية: ( أولاد الجزائر في الوطن ، سي جمال…) إشارة إلى الزعيم المصري آنذاك جمال عبد الناصر. أما العبارات الحماسية  فهي كثيرة: ( طايرين فوق السحابة يقسو على هبة الريح..) كما نجد من العبارات الدالة على البطولة وأعمال العنف  الدم وديان ..الحريقة..جيش رومان ..العدى ونسبة الأعمال الخارقة والشجاعة إلى المجاهدين الذين تشير إليهم بأسلوب تعميمي أولاد الجزاير وأعمال البطولة:لا يرهبوا لا يذلوا ، طايرين فوق السحابة، ولد بطل رجالته مسامياته…

المرأة إلى جانب الرجل

لمّا اشتدّ الكرب على المجتمع الجزائري أثناء الثورة، فقد كان على الرجل أن يستعين بالمرأة على الظروف العصيبة، ومن ثمة اغتنمت المرأة الفرصة وعبّرت عن ذاتها، وأثبتت جدارتها في الكفاح إلى جانب الرجل بالتموين، والعلاج، وحتى بحمل السلاح، والمشاركة في المعارك، ومعالجة المرضى والجرحى من المجاهدين.

غير أن الذي يهمنا أن المرأة  إبان الثورة  لم تعد ذلك المخلوق الضعيف الذي يخشى من كل شيء ويخشى عليه من كل شيء فقد أثبتت ذاتها بالكيفية التي تذكرنا بالنساء الخالدات اللاتي يحدثنا عنهن تاريخ الدعوة الإسلامية.

والأمثلة كثيرة عن النساء المجاهدات اللاتي آزرن الرجل وأثبتن جدارتهن، غير أننا نريد أن نسوق نموذجا للمرأة المجاهدة التي أثبتت بطولتها وبطولة بنات جنسها بنصوص لغوية جديرة بالحفظ والتدوين باعتبارها وثائق تاريخية ونصوصا فنية.

فاطمة منصوري العلوانية والأغنية الملحمية

لا تزال النساء في بلدة الدريميني – مسقط رأس فاطمة العلوانية – وبلدة المقرن وبلدة الجديدة والقرى المجاورة لهذه البلدات من ضواحي وادي سوف (في الجنوب الشرقي الجزائري) يتذكرن تلك المرأة وهي تُنتدب للمناسبات الدينية والاجتماعية لإنشاد قصائدها الغزيرة التي تقتصر على أحداث سنوات الثورة المسلحة تشيد بالمجاهدين وتمجد الشهداء وتخلد مآثرهم البطولية .

لا شك في أن ظروف هذه المرأة تشبه ظروف نساء جزائريات كثيرات في كل ركن من أركان الوطن ،ولو لم يقم الأستاذ حمدي بجمع بعض النصوص من ذاكرة النساء في القرى المذكورة لدخلت هذه المرأة بكل تاريخها البطولي في طي النسيان.

فاطمة منصوري أو فاطمة العلوانية كما يعرفها أهل القرى المذكورة دخلت السجن في لا ميبز Lambèse لمدة سنتين كاملتين بتهمة حمل الشباب على الالتحاق بالثورة ،بوسيلة التحريض والإشادة، حتى أن الشاب الذي كان يعتزم الالتحاق بالثورة كان يمر بها ليبلغها بقراره حتى تذكره في أشعارها..

رفضت هذه المرأة خروجا من السجن مشروطا بالتعهد بالكف عن قول الشعر وأمضت العقوبة كاملة وأطلق سراحها عام 1957

التحق زوجها بالثورة في وقت مبكر، وكان أحد أبنائها مناضلا سريا ألقي عليه القبض وزج به في السجن كما استشهد أحد إخوتها وحرضت الثاني على الالتحاق بالجبال ليثأر لأخيه.

وتروي العجائز في تلك القرى أن هذه المرأة حولت أعراس  ومناسبات دورة الحياة في هذه القرية والقرى المجاورة إلى مهرجانات للبطولة والحماسة، وتمجيد الشهداء والإشادة بالمعارك البطولية للمجاهدين، ويقول الأستاذ حمدي أن هذه المرأة كفت عن قول الشعر مباشرة بعد أن نالت البلاد استقلالها.

لقد كان للشاعرة فاطمة منصوري الدور الكبير في الدعاية للثورة وتعبئة الصفوف وجمع القلوب على الثورة والجهاد بكلمة لما لها من أثر عظيم في دعم الثورة والجهاد وارباك المستعمر ، فالشعراء قديما وحديثا كانوا بمثابة وسائل اعلام والدعاية في هذا العصر . فالمتتبع للشعراء العرب عبر العصور وخاصة في غرض الشعر السياسي يدرك اهمية الشعر السياسي ، ودور شعراء هذا الغرض، في الدعاية للمبادئ والافكار

لقد التحق كثير من شباب المنطقة بالثورة في الجبال وخاصة من عرش الشاعرة أولاد عمارة  بسبب قصائد الشاعرة ذات التأثير القوي على النفوس .

كما سخّـرت الشاعرة كل شعرها للثورة، ويمكن أن نحدد موضوعات شعرها في النقاط التالية :

1- الدعوة الى الجهاد الشرعي ونصرة الدين الاسلامي ، والاستشهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق ، وبذل النفس ، ومقاتلة أعداء الدين والملة.

تلفظ على جيش رومان

والحرفة امطاوعاتك

الطيارة لاتقدك  

والمكحلة امسامياتك

امبرد على ضميم قلبك 

أوهذيك شهوة امناتك

لمجاهد على دين لسلام  

على الشرع مدى ارضاتك

نفتن ع لسلام

وانقيم اجهادي

اذا طالوا لعمار

نربح مرادي

2-الاشادة بمبدأ الحرية ورفض الذل والاستعمار- وهذا مطلب إنساني سامي ، يظهر في العديد من القصائد الشاعرة تقول.

حالفه لا نبطل لفتان 

كونش لاربحنا الحرية

عنها نسكن في الجبال 

ندوها بالفنطازية

وقالت:

حربا من بكرة ثار

من أربع اقبل بيك الديار

ثوار في الحرب شجعان

أحرروا في الدزاير

3- الافتخار بالابطال والزعماء والمجاهدين والشهداء، فكان شباب يتنافسون لكي تذكرهم الشاعرة في قصائدها وتعلن التحاقهم بالثورة .

تقول الشاعرة المفتخرة بالبطل حمه لخضر :

انوريك الضــرب الحامي                    باش تفهمي حمود الصيد الدامي

قالت:

شيعتكم بالعين ياماابهاكم

أصحاب النبي ماذا الله رضاكم

مشوا بالذمة 

وركبوا لملاح اللى فيها حمه وحمه

و حكرتكم أنتم طيور الجنة

يالفال عندي ذكركم واسماكم

عـزم بالصــدة

أوحمـود يتسلسي اذراع الرذة

4-  ذكر الوقائع والمعارك التي دارت بين المجاهدين وقوات المستعمر وعملاءه  مثل معركة هود شيكة . ومعركة هود الغزالة ولضاية واضرب ثمانية الايام وغيرها من الأحداث . قالت الشاعرة :

أنوريك ضرب الحرب كان انسيته            انشفيك عن هدة انهير شيكة

وقالت:

لقريفة دز اجوابات                         للكفرة والبايوعات

جاكم صنديد                              متسلح   سيفه في ليد

5- هجاء المستعمر والعملاء وتصويرهم في أبشع الصور وذكر مثالبهم والتنقيص منهم. ووصف المستعمر بالكفر، وعدو الدين والملة وجيش الرومان ووصف العملاء بقلة الدين، وابدال الدين والردة وبانهم باعوا دينهم ، تقول الشاعرة :

كذبتي ما ياكفرة

والموت بعدة ليام

لا من تنقص ساعته 

خاطى كي تم الميجال

وتقول في العملاء:

لقريفه اعمومي

للمستخدم تحت الرومي

بمكحلة تومي

ويفجّع في المخلوقات

لوكانه مسلم

ما يْبَدِّل دينه هيهات

الشاعرة بعد الاستقلال

للشاعرة موقف عظيم بعد الاستقلال الجزائر مباشرة، ويتمثل هذا الموقف في أن الجزائر بعد الاستقلال ورثت بنيه قاعدية هشة، وخاصة في مجال التربية والتعليم ، فالاستعمار الفرنسي كان يتبع سياسة التجهيل تجاه الشعب الجزائري فكانت المدارس قليلة ،خاصة بأبناء المعمرين والعملاء . وبعد الاستقلال لم تستطع الدولة الجزائرية توفير مراكز تربوية في جميع المناطق ففتحت الشاعرة بيتها فكان أول مدرسة في قرية الدريميني . وقام بعض الطلبة المتخرجين من الزيتونه بالتدريس فيه حتى بنيت أول مدرسة في القرية ، مع أن الشاعرة لم تتعلم ولم تدرس ، إلا أنها أدركت أهمية العلم وسعت في خدمة وطنها . ولم تنظم الشاعرة خلال هذه الفترة الشعر وأوفت بوعدها ، وإنما بقيت تعيد ما نظمت من شعر في التجمعات، وبطلب ممن له ولوع بالشعر الشعبي .

وفــــــاتها

عانت الشاعرة من مرض السكري الذي لازمها سنوات قبل وفاتها وعدم وجود العلاج الكافي في تلك الفترة. وحالة الفقر التي كانت تعيشها الشاعرة مع ابنها الوحيد عبد العزيز، وعدم حصولها على أي منحة أو حقوق رغم ما عانته في سبيل الجزائر، الا أنها كانت راضية بتلك الحالة، وفرحتها بالاستقلال وطنها أنستها كل شيء وأمضت حياتها في الزهد والعبادة ، حتى فارقت الدنيا في ديسمبر عام 1984 م .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق