قراءات ودراسات

كتاب (معارج المعنى ) للدكتور عبد القادر فيدوح اطلالة نقدية على الشعر العربي الحديث

بقلم : عماد الدين ابراهيم

كتاب (معارج المعنى في الشعر العربي الحديث ) للدكتور و الناقد الجزائري عبد القادر فيدوح كتاب نقدي جديد صدر حديثا عن دار صفحات في دمشق عام 2012 يتألف من مقدمة و خمسة مباحث. في المبحث الاول الذي حمل عنوان ( شعرية التوازي و الكشف البديل) تناول المؤلف فيه موضوعات التوازي و تبئير الفضاء, و مُعَمَّى البياض . و استهله بالقول : ( لقد بدأ الشعر الحديث يبحث عن سبلٍ أخرى تعزِّز دور الكلمة, والرغبة في التخلص من رتابة كل ما هو عتيق, وهذا ما جعل الشعر يقتحم طرائق جديدةً تنسجم مع الذوق المستجد ليعطي مفهوماً مضافاً الى شكل القصيدة بهندسة معمارية, يخصها الشاعر بوضع تصاميم شكلية, متوازية مع مضمون الكلمات لتشييد بناء قصيدته , يُضاف الى ما يُعرف بالمضاف اليه في دلالة الصورة , وقد ساعد التوازيات المضافة على تنمية حدوس القارئ و رحابة مخيلته بحيث لم يعد فيها مكانٌ للدال إلا بِعَدِّه ممكناً , يُحتمَل أو لا يُحتمل وجودُه – ص 17)

في هذا المبحث يقوم المؤلف بدراسةِ و تحليلِ التجارب الجديدة في الكتابة الشعرية المعاصرة التي يستخدم فيها الشاعر بياض الصفحة , و يعتمد فيه على الشكل البصري لكتابة القصيدة , و هذا ما يعتبره المؤلف ( النص المُغَيَّب في البياض ) مقارنة بالنص الحاضر في المكتوب و الذي يسميه احيانا بـ (الرَّقش) و يقدم نماذج تطبيقية على ذلك من خلال نصوص شعرية  للشعراء , البحريني قاسم حداد , و المصري أمل دنقل , والشاعر علي الشرقاوي , و يقوم بدراسةٍ هندسيةٍ – بصريةٍ للشكل المعماري لبناء القصيدة و طريقة تقديمها للقارئ –شكليا – و معاني ذلك و دلالاته , مع توضيحات هندسية و رسومات و … الخ .

و مع تقديرنا لجهود المؤلف في التحليل و كشف دلالات هذه الطريقة في الكتابة الشعرية و هذه ( البهلوانيات التشاعرية ) التي جرَّب فيها بعضُ شعرائنا تأثُّراً بالتجارب الحداثوية الشعرية الغربية التي تبحث عن أي جديد , إلا ان المؤلف لم يقل لنا أين أصبحت مثل هذه التجارب ضمن أعمال الشاعر نفسه الذي أخذ بعض قصائده نموذجاً , و – من جانب آخر – أين هي ضمن المشهد الشعري العربي عموما ؟ هل تابع هؤلاء الشعراء الكتابة بهذه الطريقة و طوَّروها لأنها لاقت استحساناً ؟ أم أنهم عادوا سيرتهم الاولى ؟ هل لاقت هذه التجارب قبولاً لدى القارئ و متذوِّق الشعر ؟ أم أنه انصرف عنها و عمَّن كتب فيها ؟ و هل قدًّمت نصوصاً شعريةً استطاع القارئ الوصولَ الى ألغازها و غموضها و ابهامها ؟ أم أنها ظلَّت نزوةً شعريةً عابرةً مرَّت و انقضَت ( و كفى الله الشعراءَ شرَّها ) . كان الاجدر بالمؤلف ألا يكتفي باستعراض لهذه التجربة , بل الحكم عليها حكماً تقييمياً – نقدياً باعتبار الكتاب – أولاً و أخيراً كتابا نقدياً للشعر .

و يختم المؤلف هذا المبحث بالقول : ( ان تركيب ايقاع الشكل البصري على البياض هو ما يُنشئ نتوءاً متوازياً لصورةٍ متممةٍ لبناء النص , و مكملةٍ لمعناه , و كأن حال النص نال حظاً و منزلةً بوضعه في صورتين متكرِّرَتين و بتردادٍ انسجاميٍّ متشابك لا حدودَ له من التقابلات المنتظمة و هو ما يُقوِّي ظاهرة الاحتباك فيما أثبتته الصورة الكلية بين نظيرين ………… و اذ يبرز هذا التقاطع بين هذين النظيرين بشكلٍ واضحٍ , و يتكرَّر في صورةٍ متوازيةٍ بشكلٍ خفيٍّ , فان وقعه غالباً ما يكون أشبه بالمد البصري بين ما هو فيزيائي و ما هو خيالي , الى ما ليس له حدٌّ , و بما لا يقف عند مدٍّ – ص51) .

= المبحث الثاني من الكتاب حمل عنوان ( الانساق الكلية / رؤية العالم ) بدأه المؤلف بالحديث عن البنية الدالة و أن النص ولادةٌ متجددة في الوعي الجماعي بكل ما يترسب فيه من مبادئ و قيم متباينة تساهم في ترسيخها جماعات بشرية ذات انتماءات حضارية , و يؤكد ان النص مرتبط بعلائق وطيدة مع الواقع , و الكتابة تحمل سمات المجتمع الذي تنبثق منه , لان دمج الاثر ( أي النص ) بالواقع و الحياة يكسبه دلالةً أعمق بانفتاحه على آفاقٍ شاسعةٍ و أبعادٍ غير متناهيةٍ , تُخرج النص من سكونيته الى حركيةٍ أكثرَ جاذبيةً تحقق قراءةً بنائيةً تستقرئ الواقع الرؤيوي الاستشرافي الذي يجب أن يكون حاضراً في أبجديات البعث المُرتَقَب للواقع اليوتيوبي المنتظر , فالنص لا يُظهِر الواقعَ بقدر ما يُضيؤه و يكشف عنه هادفاً الى الدخول في تواصلٍ حميميٍّ بين النص و الواقع .

هنا يدرس الكاتب النصوص الشعرية على ثلاثة مستويات :

1 – مستوى الواقع اليومي : و فيه يتحدث عن تعامل الشاعر في نصه الشعري مع الواقع المأساوي , المظلم , الحالك الذي يجعله ينطوي على ذاته و يعود الى دخيلة نفسه لان كل الابواب موصدة و كل الدروب مغلقة , و لم يَحِنْ بعدُ آوانُ الانبعاث و الخروج من هذا اليباب .

2 – المستوى الايديولوجي : و فيه يصور الصراع بين ذات الشاعر الرافضة للواقع و الباحثة عن الحرية و التجدد , و بين السلطة – السياسية و الاجتماعية – التي تعمل على استمرار الثبات و السكون و فرض الطاعة و الخضوع , أو التهديد بالنفي و التهجير .

3 – المستوى الزمني : حيث يتصاعد الصراع بين الآني بما هو ثابت و ساكن و قاحل و موات يتراكم و يحتقن , و بين المابعد – الانبعاثي الذي يجهد للانبثاق و التفجُّر  بما فيه من تحولات و تجدد و حياة و عطاء , ثم يقدم الشاعر البُشرى بأن الانبعاث آتٍ لا محالة .

و الملاحظ هنا أن النصوص الشعرية المقدمة كشواهد كلها تدور في فلك قصيدة ( الأرض اليباب ) لأليوت , و كلنا يعلم تأثير هذه القصيدة على شعراء الحداثة العرب . كما أن النماذج الشعرية التي يستشهد بها أغلبها لأدونيس و البياتي رغم ان الكاتب يخبرنا أنه سيركز على الشعر الجزائري , علما أنه لا يتجاهل ذلك و يقدم نماذج للشاعر الجزائري عيَّاش يحياوي .

= المبحث الثالث يحمل عنوان ( كيان الذات ) يتناول فيه مقام الموقف حيث الصراع يعتمل في نفس الشاعر بين ما يشده الى الجوهري المطلق , و الصامت المغري في سكونه الابدي و روحانيته الاسمى و مهابته الخالصة , مما يولد فيه شعوراً بالانفصال عن الكلية البشرية , لان الشعراء يؤمنون بان البديل عن العالم الواقعي الفوضوي هو مملكة الشعر و الروح كما يقول مارتن هيدغر , و يؤدي ذلك الى قلق الانفصال عن الاخرين باعتبار القلق هو الشرط الاساس للإبداع الفكري و الفني .

ان كيان الذات مشوب بالرؤية الكلية للوجود و هو يصبو الى مثالية مطلقة و شاملة , انه وعي الذات بالمغايرة و الاختلاف و نفورها من التوازي و التشابه , انها لا تبحث عن مترادفاتها بل تُشكِّل وحدتها الفردية نظراً لشعورها بغربة المكان . و يؤكد لك بقوله : ( لنا في الشعر العربي الحديث ما يكفي من مثل هذه الصور المعبرة عن مآسي الرؤية الحضارية المنكسرة , و تُعَدُّ تجربة الضياع , الهدم , تمزق الذات , القلق الوجودي من السمات البارزة في الشعر العربي المعاصر – ص 114)

= المبحث الرابع ( النزعة الصوفية ) يرى المؤلف ان الانكسارات و الهزائم التي لحقت بمجتمعاتنا جعلت رؤية الشعراء سوداويةً ناقمة , ساخطةً على الواقع باحثةً عن عالمٍ مثالي جوهري مطلق يُرضي ذات الشاعر و و جدانه , و حين تُسَدُّ الابواب امام تحقيق المراد يتحول الشاعر الى المعتقد الصوفي , و من الواضح ( ان هذا الميدان خير ميدان تتفتح فيه ذاتية الشاعر و فرديته , فهو ينفصل عن المجتمع ظاهرياً , ليعيش آلامه التي هي نفسها الام المجتمع بوجودٍمأساوي , ثم ان هذا اللنوع من التصوف محاولةٌ للتعويض عن العلاقات الروحية و الصلات الحسية التي فقدها الشاعر – ص119 )

ان كلاً من الشاعر و المتصوف يتعامل مع الباطن الخفي الذي يشغل بالََهُ حتى تجري عملية تماثل الرؤية الانفعالية التي تتسبب في دفقة المشهد الشعوري للانفلات من عالم المحسوس و الاحتفاء بعالم المثل الممكن الانكشاف , يعرض المؤلف تجليات النزعة الصوفية في أنماط ثلاثة :

1 – الصوفية الوجودية : التي تعمل على تمرس الذات بقصد تمردها على واقعٍ متكررٍ باستمرار و ذلك بالتسامي .

2 – الصوفية السوريالية : او البحث عن حقيقة كبيرةٍ ضائعة .

3 – الصوفية الثورية : حيث انتزاج روح التمرد بأبعادس ثوريةس من اجل اعادة خلق الواقع (ص 123).

و بعد أن يستعرض أنماط الصوفية الثلاثة يعرِّج على ( رموز البرزخ ) ليأكد أن هناك مضامين وجدانيةً و روحانيةً تستلهم كيان الصوفي , و تقع في تماسٍ مع مدلولات تجربة الشاعر الابداعية , لذلك تلجأ القراءة الحداثية الى الاستناد الى رموز المنهج الصوفي عند مقاربة النص الابداعي و هذه الرموز هي :

أ – فيض البرهان ,كشف الكشف .

ب – اللغة – الرمز .

ج – الخيالي – البرزخ .

د – الحامل السيميائي التأويلي .

و أرى أن هذا المبحث أهم بحوث الكتاب و أعمقها , فقد خصص له المؤلف ثلث الكتاب ( 70 صفحة من 212 صفحة) و غاص الكاتب فيه ضمن عوالم الصوفية الفكرية و اللغوية التي امتاح منها , و نهل من معينها الشاعر الحداثي و تأثَّر بأجوائها و لغتها و رموزها . و في (الاستبطان الدلالي ) نتعرف الى صوفية الشاعر الجزائري عثمان لوصيف , و الشاعر عبدالله العشِّي , ثم (تجليات صوفية) لنزار قباني .

= المبحث الخامس الاخير (الرؤيوي – الاسطوري ) يدرس فيه الكاتب تأثُّر الشاعر بالأساطير و الشخصيات الأسطورية (لأن الدراسات النقدية أدركت أن الوظيفة الرمزية التي تعامل بها الشاعر المعاصر تكمن في الصراع القائم بين وجود الشاعر و عالمه الداخلي ضمن فعلٍ دراميٍّ يومئ بحالات الانبعاث التي يسعى الشاعر الى تحقيقها في صورة شخصياته الاسطورية – ص 187 )

لان الاسطورة تتخذ أنماطاً متراميةً , و ألواناً زاهيةً , و آفاقاً متنوعةً في الشعر العربي المعاصر عموماً , انطلاقاً من أن الاسطورة نمط من أنماط التعبير عن العالم و الانسان في علائقهما و تحوُّلاتهما المستمرة . و قدَّم نماذج للعدد من الشعراء منهم : بدر شاكر السيَّاب , خليل حاوي , أدونيس , مصطفى محمد الغماري , أدريس بو ديبة , بالخير عقاب ….الخ .

أخيراً لا بدَّ لنا من القول أن الدكتور عبد القادر فيدوح في كتابه ( معارج المعنى في الشعر العربي الحديث ) قدَّم لنا دراسةً تحليليةً للشعر العربي الحديث من ناحية الموضوعات و الافكار و الرؤى التي تطرق اليها الشعراء في نصوصهم الابداعية , و لم يتناول الجانب الآخر من النص الشعري , و هو الموسيقى و الايقاعات و الاوزان , فقد غفل عن هذا الامر و لم يدرسه رغم مقاربته له في المبحث الاول حين تحدث عن الشكل البصري للنص الشعري .

كما قدَّم دراسةً للشعر العربي الحديث في مراحل الخمسينيات و الستينيات و السبعينيات – كما يبدو من خلال أكثر النصوص المختارة – , لكنه تدارك الامر في المبحثين الأخيرين حيث اختار شعراء معاصرين و بدأ مصطلح الشعر العربي المعاصر يتكرر في دراسته , مع ما يعنيه هذا المصطلح الفضفاض من سِعَةٍ و تشَعُّب , مع العلم ان هذه المراحل نالت نصيبا واسعاً من الدراسة و التحليل و النقد , و حتى أكثر الشعراء الذين اختار نصوصاً لهم (أدونيس , البياتي , نزارقباني , محمود درويش , بدر شاكر الشياب , خليل حاوي , …الخ) أُشبِعوا درساً و نقداً , و باعتقادي كان مفيداً تناول حقبة زمنية محددة (عقد من الزمن مثلاً ) و في بلدٍ محدد , و بالتالي تكون الدراسة أكثر تحديدا و افادة للقارئ , و تسلط الضوء على تجارب شعرية حديثة او معاصرة لم تنل حظها من الدراسة و النقد . كما أن الكتاب افتقد ثبتاً دقيقا للمراجع التي اعتمد عليها الكاتب , و الاعمال الشعرية التي استقى نماذجه منها في آخر الكتاب , علماً أنه ذكر بعضها في هوامش كل صفحة و هذا لا يغني عن ذكر المراجع بدقة في نهاية الدراسة للباحث و المهتم , و هذا من أصول البحث العلمي .

بكل الاحوال يبقى كتاب ( معارج المعنى ) للدكتور عبد القادر فيدوح كتاباً قيِّماً فيه جهدٌ مشكور , أغنى المكتبة العربية برؤية مؤلفه للشعر العربي الحديث و المعاصر , و ما فيه من تجديد و تحديث و ابداع متميِّز .


الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق