ثقافة السرد

قليلٌ من الحُبّ، كثيرٌ من الموت

بقلم: فريد هدى

الطريقُ إلى كابول* عاد آمنا. الحافلة تسير بهدوءٍ كبير. يميل بجسده على النّافذة يبحث عن هياكل العربات المخرّبة التي كانت – فيما مضى – ملقاة على الجوانب. عاد كلّ شيء إلى حاله: رُفعت الحافلات المفحّمة، و عاودت أزهار الأوكْسليس الصفراء الانتشار على ضفاف حقول البرتقال. المقبرة لم تزلْ أوّل المستقبلين و هو يدخل المدينة التي أخرجه منها أهلها جهلا. عاد كلّ شيء إلى سابق عهده، عدا الأموات…. منْ ماتَ، مات. يَذكُر وجهَ صفيّة كيف انتزع موتُ أخيها نضارته. هجرَتْ وأمها المدينة وناسها الجبناء. حقدتْ على الجميع، وكان هو أوّلهم.  الحُبّ يقتله الحقد ويواريه البعد التراب.

– تركتم أخي تنهشه الكلاب. ما كان فيكم رجل واحد. جبان! تركتَ أخي ينزف اللّيل كلّه!

تعاود كلماتها ذبحَه ألف مرّة هذه سبع سنين: ” سأحقدُ عليكَ ما عِشت!”

يَذكُر أنين جمال أخ صفيّة العائد من التّجنيد. أنينه كان يردّده الصدى في تلك اللّيلة الرّهيبة الباردة. كان وحيدا يصارع الموت

والبرد وعصبةً من الكلاب جذبتها رائحة الدّم النازف من الوريد وإصبع السَبّابة المبتورة.  أخذوه من بيته وهو يصلي العشاء، وألقوه وسط الحي في الساحة الكبيرة. يَرى عينيْ أم صفيّة المنهكتيْن تتوسلان الجيران، تتوسلانه هو، لكنّ الخوف كان أعظم من كلّ شيء يومها.

يرى فجرا كيف تسلّلت الأمّ وابنتها ورفعتا الابن والأخ على الناّقلة ثمّ سارتا به وحيدتيْن إلى الاستعجالات.

يدخل المدينةَ وقد أخرج ما في داخله من خوف. وإنّ في قلبه بعضا منه. ينزل ويتمشى. تصله رائحة الدّجاج المحمّر من الأفران التي احتلّت الأرصفة. الناس انفتحت شهيّتهم على الأكل. يرى وجوها غير التي ألفها، بنايات وعمارات جديدة، وكالات تعرض على مداخلها شققا للبيع، للكراء، فيلات ومحلاّت. يتحسّر على مسكنه: بِيعَ مِنْ غير مقابل. شقة أم صفيّة اشتراها طبيب أسنانٍ يكسب الآن الملايين بخلع أضراس رواده.  يشتمّ رائحةَ الياسمين من شجرةٍ تعلو جدارا يتتبّع خطواته. يتذكّر شجرةَ ياسمينٍ أخرى هناك عند التلّ بجنب البيت العتيقِ أين ألفا أن يلتقيا بعيدا عن الأعين و رائحة الدّم.

– أحبّك!

– لن يفرّقني عنك شيء!

– ولا الموت ؟

– ولا عزرائيل حتّى!

يدنو من جدار البيت، يتحسّس النُدوب كالجسد، يَسمع فتصله طلقات رصاصٍ كثيفة. زُهقتْ أرواحٌ ليلتها في اشتباكٍ بالجوار. فُتحتْ صبيحتها سبعة قبور، ودموع…

ما عادا إلى المكان من يومها. يعود اليوم وحيدا من دونها.

يَدخل البيتَ المهجور، يدوس على لغمٍ قديم، يهُزّ الانفجارُ بقايا الجدار. تحت الأنقاض، يلفظ أنفاسَه لا يرى ولا يذكر شيئا.

* في التسعينيات، كان  يشدّ انتباهك – و أنت تدخل مدينة بوﭬرة – لافتة كُتب عليها:” كابول”، إيذانا بدخول مثلث الموت.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق