ثقافة السرد

الحــــــفلة

عبد القادر جلاجل*

انه موعد هام ، هكذا حدثته نفسه امام المرآة وهو يعدل ياقة عباءته البيضاء الناصعة التي لا يرتديها الا للمواعيد المهمة كموعد اليوم ، إبنه البكر سيشارك طبعا فهو شديد الحماسة منذ اوقفوه عن الدراسة لمثل هذه المناسبات الدينية العظيمة ، نادته زوجته من خلف الابواب، ربما من باحة البيت ، ان يتذكر احضار شيء لتحضير العشاء، ماهذا الشيء الذي تريده هذه العثة السمينة للعشاء ، لقد تراكمت ديونه لدى صاحب المتجر، ولابد انه سينهره هذه المرة حين يطلب منه ارزا و طماطم.. وماذا؟؟ ايضا؟، هذا يكفي، ارز فقط؟ .. انه يشتهي بعض اللحم ، منذ زمن طويل لم يقم احد من معارفه وليمة و يدعوه اليها، تبا، لو انهم فكروا في وضع جفنة عظيمة بالمرق واللحم بجانب هذا الحدث ، لكان فعلا يجازيه الله ويباركه حتما، كاد الدمع يندفع الى عينيه وهو يكرشهما في تخيل ذلك المشهد.. هضبة متناسقة من الكسكسي المثخن بالدهن ، بحباته الصغيرة اللامعة وفوق التلة ترتاح اوراك واكتاف مكتنزة ..
إلتقط ريقه المندلق حول شدقه ، شذب لحيته وشاربه وسوّى القبعة البيضاء المخرمة فوق رأسه، ومضى قاصدا الساحة .
في خلال طريقه ، كان عليه ككل يوم يخرج فيه من حيه أن يمر من أمام بيت عائلته القديم ، والذي اضطر لبيعه لثري وافد، كان البيت كل عام يرتفع طابقا بالشرفات اكثر، وكان كلما مر تحت البرج المتعالي ، يسرح بخياله فوق إحدى تلك الشرفات، متأملا عظمته وسلطانه لو لم يزل البيت ملكه، كانت شرفته ستكون أرحب وأجمل مما بناه هذا الثري الجلف، كان ليصنع لنفسه جناحا خاصا في الأعلى ، يضم غرفة نوم رحبة، بها سرير عال، واخر على الأرض كي ينام عليه اذا لم يرتح لنومة السرير، وملحق بالغرفة حمام بكل التجهيزات والمستلزمات، سيكلف بناء مغربيا لتصميم الغرفة و الحمام وتجيزهما واختيار الألوان، انه يفكر أيضا ان يقيم صالة كبيرة جدا للضيوف، غرفة ستكون هي الأكبر في المدينة كلها ، وبها افخر الافرشة والمساند والزرابي الفارسية الحقيقية ، غير المقلدة ، وسيضع لها مدافئا ومكيفات، اكثر من أي صالة أخرى ، لن يجد المحافظ ، افضل منها لاقامة مآدبه وتشريف ضيوفه ، سيكون بيته حافظ اسرار المدينة ، ومطبخ كل القرارات المهمة ..
انتبه على صوت دراجة نارية تمر مسرعة باتجاه الساحة ، فحث خطواته ، وشرع في اذكاره وتسبيحاته كي لا تبطئه خيالاته عن موعده الهام ، انه موعد المدينة كلها في الواقع .. لعن ابليس وواصل سيره ..
كان الطقس قد بدأ فعلا ، لاحظ أولا الامام الذي يحسده على بطنه النافرة أمامه بمقدار متر تقريبا ، وبجانبه المسؤول السياسي ، صاحب البلدة ، يقفان اعلى الجمع ، يشرفان من هناك على اداء الناس لفريضتهم ، ثم لاحظ ابنه البكر وقد انهمك بكل جسارة في إلتقاط اكبر الصخور وقذفها الى وسط الحلقة ، كان كوم الحجارة المعدة للطقس يتناقص بشدة ، من هول هجوم الناس عليه ، فعض طرف عباءته وألقى بنفسه وسط المتزاحمين على الحجارة .. كانت عينه الثاقبة و خبرته الطويلة زاده الحاضر دوما لإعانته في مثل هذه المناسبات ، لإختيار أصلب الصخور واقساها واكثرها استواء وتناسقا مع راحة اليد ، لتنقذف بشدة وسرعة وتصيب الهدف بدقة ، الرأس ، نعم الرأس .. وهكذا كان .. لقد اصابه او اصابها في الرأس تماما ، وها هي نافورة الدماء تنفجر وترتفع عاليا ، اطلق صرخة فرح تكاد تكون طفولية بريئة .. وعاد الى جمع صخور جديدة .. وهو يئن : لابد ان نقتل هذا الكافر الزاني .

*كاتب جزائري

القصة من مجموعة “جمر تحت الجلد”، الصادرة عن دار المثقفون العرب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق