ثقافة المقال

الترجمة فن أم علم؟

أسامة طبش*

إن الترجمة من أشد الميادين جذبا للإنسان بجمالياتها ورسالتها في تواصل البشر فيما بينهم، فهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بالثقافة وبالمُنتج الإنساني، وتعد جسرا حقيقيا يسهّل  السبل للتبادل والتناقح فيما بين الشعوب والأمم. هل الترجمة علم أم فن؟ سؤال قد يخطر ببال الكثيرين، فبالفعل إذا نظرنا إليها من وجهة نظر عملية فإنها تخضع لملكات وقدرات المترجم يسعى إلى تطويعها عن طريق عمله التُرجمي، أما بالمنظور الأكاديمي أو كتخصص يدرس، فهي علم ولها قواعد وأسس ونظريات عديدة كتبت بشأنها. على أية حال، شكلت هذه المسألة مثار جدل ونقاش بين العديد من المنظرين واللغويين، فمنهم من يوجب عليها أن تتصف بمعايير لا يجب أن تحيد عنها من احترام: لبنية اللغة المنقول إليها، احترام معنى وأسلوب النص الأصلي، الأمانة في نقل الأفكار، والبعض الآخر يرى بأنه من الواجب تحريرها،  كي يستثمر المترجم ملكاته وموهبته في صناعة النص.

المنظرون سواء في فرنسا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة أو روسيا..، تناولوا بإسهاب هذا الموضوع، وفتحت نقاشات كثيرة بخصوصه في إطار ملتقيات علمية، و أيضا من خلال مؤلفات ودراسات كثيرة كتبت بشأنها، وتجدر الإشارة هنا أنه من خلال استقراء تلك الأعمال، يتضح لنا جليا أنها عبارة عن نصائح واستنتاجات وخبرات، أدت إلى تكوين مفاهيم خاصة، أسهمت إسهاما بالغا في إثراء هذا الميدان، فمثلا: أستاذ الترجمة الإنجليزي “بيتر نيومارك” Peter Newmark يوضح أهمية دور البعد النظري للترجمة ويشدد عليه، فلا تعد مجرد صنعة تحتاج إلى مهارة وذكاء فحسب.

لكن إن عدنا إلى المترجم نفسه، قد نجده يضرب عرض الحائط بتلك النظريات والأطروحات، وهذا ليس انتقاصا من قدرها، بل يجب توضيح فرضية أن المترجم قد لا يستحضر كل تلك المنهجيات أثناء معاينته للمادة التي يود ترجمتها، حيث تواجهه عوائق جديدة متشكلة يتوجب عليه التعامل معها، بذكائه وفطنته محاولا إيجاد الطريق الأمثل لتخطيها وتجاوز عقباتها،  ثم إن تلك الآراء فلسفية بالدرجة الأولى، والفرق بينها يكمن في كيفية رؤية الترجمة من زاوية معينة: هل نقتبس من اللغة والثقافة المنقول منها؟ أم نحترم اللغة المنقول إليها ونراعي محاذيرها الثقافية؟

يقال أن المترجم كاتب ثان للنص، ذلك يعني أنه يحاول تقمص شخصية كاتب النص في: أسلوبه وروحه وأحاسيسه، هنا قد تتدخل عوامل ذاتية للمترجم مثل: إيديولوجياته، أفكاره، قيمه..، فهناك محضورات قد تصطدم مع ثقافته، يحاول تلطيفها والتخفيف من فجاجتها، كي تروق أكثر لبيئته، هنا بالذات يؤكد لنا الأستاذ الإيطالي “أمبرتو إيكو” Umberto Eco أنه تستحيل الترجمة دون خيانة للنص الأصلي، حيث أن كل لغة تعبر عن المراد من المعنى بشكل مختلف.

إذا المترجم لا يقوم بعملية نقل كلمة بكلمة، بل العملية فكرية عميقة، يحاول فيها  قدر الإمكان صقل النص ووضعه في قالب مناسب، فهو يستشف المعنى المراد ويسكبه في النص المترجم، والنص المتقن هو النص الذي لا نحس أنه ترجمة، لذلك فإنه لا وجود لترجمة أفضل من أخرى، بل تختلف وتتنوع حسب طريقة كل مترجم، فالترجمة إما أن تكون مقبولة أو غير مقبولة.

ونتاجا لما سبق، درج أهل الاختصاص على القول بأنها فنّ لاحتوائها: الإبداع، الموهبة، التجديد..، تُضبط هذه العناصر في إطار: الأمانة في نقل قصد صاحب النص، احترام قواعد اللغة، الاطلاع والمعرفة الجيدة، باختصار شديد هي تجربة يعايشها كل مترجم والعلاقة النفسية وردة فعله تجاه النص، وخاصة كيفية فهم وقراءة ما بين السطور، مستعينا بالمحمول اللغوي والثقافي الذي بحوزته.

الترجمة إبداع بأتم معنى الكلمة، فكما الكاتب يبدع في كتابته لنصوصه ويحوّرها كيف يشاء، فللمترجم نفس الإمكانية، حيث يضع نصه في قالب جميل رائع، يحاول قدر الإمكان من خلاله أن يعكسه في شكله ومعناه وروحه، ولا يستساغ أبدا أن ينتج لنا نصا ثالثا وإلا عد خيانة، لكن يذكّرنا منظر الترجمة الفرنسي “أنطوان برمان” Antoine Berman بقوله: (أن القاريء نادرا ما يمنح ثقته للنص المترجم، فلا يعتبره على الإطلاق كنصّ أصلي)، أستشهد أيضا بكلام المترجم المتخصص في المواد الأدبية الآيسلندية “إريك بوري” Eric Boury يقول فيه:( أن المترجم يجب أن يختفي وراء صاحب النص حتى يبلور أسلوبه، فهو ليس إلا وسيلة ناقلة)، بين هذه النظرة وتلك، يمكن لنا استشفاف أن المترجم يسعى إلى إثبات نفسه كمترجم بدرجة أولى وككاتب أيضا، فالأمران متلازمان لا انفكاك لأحدهما عن الآخر.

بطبيعة الحال نحدد مجال حديثنا في مربع: الترجمة الأدبية أو الترجمة التي تكون فيها يد المترجم أكثر إطلاقا، عكس الترجمة القانونية وشاكلاتها، أين العبارات والأساليب غالبا ما تكون مدققة ومحددة، وتستعمل فيها ألفاظ الاختصاص.

إذا العملية التُرجمية لا تقتصر على نقل جاف من لغة إلى أخرى، بل هي عملية ذات قواعد وأسس، منهكة ومضنية لمزاولها، تقول المترجمة الفرنكو-كندية “فرجيني سيغار” Virginie Ségard🙁 أن المترجم إنسان وله حاجاته الطبيعية، فالعمل يوميا لأكثر من ثمانية ساعات، سيقوده حتما إلى الانهيار العصبي أو الجنون)، فكم نتمنى أن يدرك بعض الناس أن المترجم يعاني أشد العناء في عمله، فهو ليس مجرد آلة تبحث عن المرادفات، بل يحاول محاكاة النص الأصلي في شكله ومعناه، ليبني جسر تواصلٍ بين: لغتين وثقافتين وأمتين.

الترجمة مجال شائق وجميل، جامعة للمسة الفنية والقواعد العلمية، لا تُغلِّبُ هذا على ذاك، إن راعى المترجم ذلك، فبالتأكيد سيعطينا نصا بديعا جميلا في فحواه،  محترما لمبادئ وضوابط الترجمة في نفس الوقت.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق