ثقافة السرد

أبن ثَنّوهَ

فاضل العباس

صباحاً كان صفاء موعوداً بقنبلة لغاز مسيل للدموع أطلقت لتفريق تظاهرة شبابية مشاركاً فيها لتستقر في رأسه عبر محجر عينه! لم يستطع مشرط الجراح من إنقاذه وإيقاف النزيف المجنون ليفارق الحياة في أول ساعات الفجر، فيمتزج صوت إهزوجة رفاقه (رافع راسه ياثنوة أبنك)مع صوت المآذن.
، الله أكبر، الله أكبر التي تعالت من مآذن العاصمة، كان النداء الأخير الذي سمعه صفاء، وهو مُطَّوَّفٌ بجسده حول نُصب الحرية في الساعات الأولى من فجر الإثنين الثامن والعشرين من تشرين الثاني، محمولاً على أكتاف رفاقه من المتظاهرين الشباب. جعل منهم الإحباط واليأس من العيش الرغيد بل الحلم بحياة كريمة تعزهم هديراً لبحر شبابي. مواجهات الكر والفر بين شرطة مكافحة الشغب والثائرين العزلِ وأزيز أصوات الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع أختلطت الأصوات .في بغداد الجميلة ،الزاهية باللون الأزرق اللاهث من أنفاس الفجر ولد صفاء. لتطقطق عظامه ومفاصله عند أول سنين طفولته وهو يحني ظهره لأكياس الرز والدقيق والصناديق الكارتونية المُحملة بأنواع البضائع. حَملٌ وهَمً، فمسؤولية ليس بمقدور طفل أن يطيقها. بجسدٍ غض ٍ لكنه أُجبر أن يحْمله،لإعالة أم وأخ يصغره بسنةٍ بعد وفاة أبيه.
لم يعرف أو يفهم معنى الطفولة بلَعبها ،مرَحها، هَناها ، وملاعِبها كأقرانه. فلن ينعم بفراشٍ وثير، دافئ أو لقمة طرية، ناعمة سهلة المضغ والبلع بل حتى سهلة الحصول والوصول لكفيه الصغيرتين. الأعياد ومناسبات الفرح لا تندل طريقها الى قلبه الصغير المشبع بالألم والمحنة. كل ذلك الوجع وثقل المسؤولية لكنه لم يفارق الدراسة فألتحق بمدرسة مسائية يرتادها بعد ساعات طويلة من نهار العمل فكثيراً ما يغلبه النعاس وينام فوق المقعد الدراسي من شدة التعب والألم في مفاصل جسده الرقيق. ليكمل الدراسة ويدخل الجامعة التكنولوجية دون تأخر أو فشل لينال البكالوريوس في نظم المعلومات. تخصص وشهادة لم يزداه ألا طاولة بكرسي مع حاسبة وطابعة ليجلس في بوابة مديرية المرور العامة كاتباً لطلبات المراجعين للدائرة!
وظيفة تصلح لعاطل مُسن أو عاجز عن العمل، عندما أَغَلقت سلطة المال والجشع في وجه الشباب أبواب العمل. عَملٌ أراد به صفاء مضاعفة أجرهِ من العمل كحمال لدى أسواق الجملة في ( جميلة)١ ليُعرَف بين تجارها بكنيته( بن ثنوه) . أمه عندما ينتخي بإسمها عند رفعه الأكياس الثقيلة على ظهره أو أكتافه فيصدح صوته أنا بن ثنوه . الأم المقعدة بالسرطان ليضيف ألماً وبؤسا لقلبه بتوفير أجور العلاج الباهض لها .فكثيراً ما خاطب نفسه أمام هذا الطوفان من الحيرة
-ماذا أعمل؟
-يارب ألاخ يريد ،الأم تريد، والمرض الجائع لجسد أمي يريد.
ماذا؟ ماذا؟ أصنع! ساعدني أرجوك ياسيدي؟ منْ لي غيرك في هذا الموج المتلاطم.

من كل هذا الوجع المعجون في كل لقمة من معيشته ولد أيضا رساماً وشاعراً للَهجة العامية خلّدَ الألم والمعاناة والقهر والظلم والجوع والتعسف لإبناء جيله في رسوماته وقصائده وشاركهم في كل التظاهرات والإنتفاضات التي قامت، ليعتقلَ عام ألفين وإحدى عشر ثم يطلق سراحه . لكنه عاود المشاركة في تظاهرات العام التالي التي عُرفت بتظاهرات الأحياء الفقيرة في شرق بغداد ويطلقُ سراحه ثانيةً.ألإعصار في صدرشاب يملأ قلبه قد يكبته لكنه يتفجر غضباً في إنتفاضة عام الفين وتسعة عشر إنتفاضة تشرين كما يطلق عليها الشباب. في ذلك المساء قال له صديق:
-صفاء عليك أن تعود للبيت؟ فأنك لم تزوره منذ بدأنا .
-نعم صفاء رددها المجتمعون حوله
-الخيمة بيتي وأنتم أهلي ، ثم منْ لي في الدار بقي غير أخي. لن أعود ألا بالتغير أو بالأستجابة لمطالبنا أو الموت. عَلى مصطبة من مصاطب حديقة (الأمة) ليفرغ قهره بكلمات لقصيدة سجلها أصدقاءه بفيديو ألقاها بجموعهم تحت نصب الحرية وقف في ذلك المساء .غضب في قلب صغير تفجر مع قنبلة لينام بين اظلاع أبيه وأمه التي سبقته بعام .

* العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “أبن ثَنّوهَ”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق