ثقافة المقال

تعرفت إلى إميل حبيبي

د. فاروق مواسي

كنت قريبا من الرفاق أقرأ صحافتهم وأتابع نشاطهم، ولم أكف عن قراءة “الاتحاد“ في سنِي تدريسي الأولى، حيث لا تكاد تجد معلّمًا يجرؤ على قراءة الصحافة الشيوعية بصورة علنية، وأحيانًا كنت أشارك خطيبًا على منابرهم، فليبلعوا البحر! غير أن الخطيب الذي كان صيته مدويًّا، وكان صوته كذلك كان إميل حبيبي. إميل حبيبي الذي أقرأه، هو نفسه أبو سلام، جهينة، أو أبو الشَّمّقْمق..  كنت أعجب بإعجاب الناس به وتقديرهم له، ولم أكن أعرفه شخصيًا.

عندما كنت فعالاً في تأسيس الحركة التقدمية كانت سخرية حبيبي تصل إلى الأوج، وظني أنه هو الذي قاد الحملة على الحركة الوليدة، تارة يسميها” المتكديمت”- الكلمة العبرية للحركة التقدمية – وبالطبع فهو يغمز على تبعيتها للسلطة، وطورًا يتهمنا مباشرة بأننا ربائب السلطة. ومن المفارقة أن السلطة حاولت جاهدة أن تلغي القائمة، وكان ذلك يؤلمني، فكيف يتهمنا رفاق الدرب بما ليس فينا؟! أذكر أنني استخدمت بيت الشعر في إحدى مقالاتنا التي تدافع عن الحركة، والبيت هو للحلاّج :

ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له

إياك إياك أن تبتل    بالماء

فكان إميل يعود إلى البيت مرة بعد أخرى ليسأل سؤاله:وما الذي أجبركم على هذا السلوك؟

وبدا تحفظي من هذا السلوك في الحزب حيث التسلط، ودعوى انفراده بقيادة الجماهير العربية، بل أذكر قبل ذلك، أنني أصدرت مع مجموعة من الأدباء مجلة”مشاوير“ وقد صدّرناها بتحية للصحافة الشيوعية التي هي أستاذتنا ورفيقة دربنا، ولكننا بعد أيام قرأنا في  كلمة  لـ”الاتحاد“ :

“….. ولكم مشينا المشاوير وتسلقنا الأسوار فما ثبت إلا نحن”.

ثم إنني كنت من مؤسسي”رابطة الكتاب العرب“ المنضوية تحت تجمع”اتحاد رابطات الكتاب في إسرائيل“.  طلبت الاجتماع بإميل، وشرحت له إمكانية مطالبنا بحقوقنا ضمن هذه الرابطة، كأن نحصل على جوائز تفرغ، وأن نحصل على منح للكتب التي نصْدرها.

تحمس إميل لكلماتي، ونهر شخصًا كان يرافقني و(مع ذلك كان في الجلسة يسخر مني، أو يغمزعلي)، فأيقنت أن أبا سلام  جاد، وأن اختلافنا السياسي لن يحول دون تعاوننا.

وعرفت فيما بعد أن الحزب اجتمع بهيئاته واتخذ قراره أو توصيته بتأسيس اتحاد الكتاب العرب: سميح القاسم رئيسًا، وفاروق مواسي نائبا للرئيس، ومحمد علي طه سكرتيرًا…

عند تأسيس الاتحاد جلس على المنصة إميل حبيبي وتوفيق زياد، فيما قاطع عدد من الأدباء هذا الاتحاد (بعد ذلك أسس بعضهم رابطة الكتاب الفلسطينيين)، بدعوى أن هذا الاتحاد اتجاهه شيوعي محض، ولم يشفع لي كوني عضوًا في اللجنة المركزية للحركة التقدمية التي تبنت هذه الرابطة، فألفيت نفسي خارج الحركة، وقادوا حملة شعواء علي خاصة، وعلى اتحاد الكتاب عامة.

*****

أعترف لكم أن قصص سداسية الأيام الستة لإميل كانت في مقياسي الأدبي عادية لا تتميز بنفس روائي (ذهب الناقد حسني محمود إلى كونها رواية؟؟؟)، بل لم أر فيها  النفس القصصي فنيًّـا.  كنت أسميها”كتابة” أو”نصًا جميلاً“، وبالطبع فإن كل خرزة فيها لقطات رائعة وطيبة.  وهكذا كان رأيي في”الوقائع الغربية- المتشائل“ التي قرأتها كذلك بالعبرية والإنجليزية.

كنت وما زلت أعجب لهذا السيل من الإطراء لأدبه، وبهذه الدعوات له لحضور مؤتمرات هنا وهناك باعتباره روائيًا متميزًا. قلت في نفسي :”العيب قد يكون فيّ، وفي ذوقي، وإلا فلماذا يمدحونه بعد كل نص ينشره…  اهدأ يا ولد!”.

من جهة أخرى كنت أعزي نفسي عندما أستمع إلى خطبة له هنا وهناك، فلا أجد – شخصيًا – تماسكًا في العبارات، أو تأصيلاً أو توثيقـًا دقيقـًا، أو لغة منسابة.  كانوا يصفقون ويصفقون في إعجاب متناه، وأنا أقلّب الأمور، وأعجب.
قلت في نفسي :” ومن أنت حتى تخالف الناس كلهم؟! اهدأ يا ولد!”.

ثم إن إميل زارني في بيتي أكثر من مرة.  كان يعرف تحفظاتي، ولكنه كان يتقبل كل ملاحظة: تارة بسخرية، وطورًا بصراخ، آنا يوافقني ويتبع ذلك بنكاته وضحكاته….  وإميل كان كثيرًا ما يلاحظني مطرقًا  وهو يخطب، فيفاجئني في معمعة الخطبة :” شو رأيك””مالك” احكي…. مش عاجبك؟؟!! (يمد الألف).

كرر ذلك في أكثر من موقف. وبالطبع كان يحصد التأييــد تصفيقًا وبسمات، فيحمرّ وجهي وأسكت.

قلت له بعد أن أصدر لُكــَع”ما هذه الرواية؟”

كان يجلس على مكتبة بالاتحاد فقال:”كلكم لا تفهمون النص”..

وتطرأ التحولات في منهج إميل…..

اعترف بها فيما بعد، وبعد ذلك  برز نشاطه ضمن لقاءات التعايش الإسرائيلي الفلسطيني، فكان يلتقي اليسار الإسرائيلي، وقد عقد هو ويورام كانيوك اللقاءات والحوارات. كان إميل  فيها مترجمًا جيدًا، وكان يطلب مني أحيانًا أن أساعده، فأترجم، ولاحظت أنه راض عن ترجمتي رغم أنه كان يصوّبني هنا وهناك.

أما روايته سرايا”بنت الغول” فقد كتبت نقدًا عنها رفضت كل الصحف أن تنشره.  فكيف يصح أن تنقد مثل هذا الكاتب الكبير؟

يومها عرفت أن لبعض الكتّاب هيبة لا يصح أن تُمسّ…..

كنت أرجو من إميل أن يقدّم لنا نصًّا عن سيرة حياته، أن يتركز على شخصيته هو بكل ما فيها من ذكاء وطموح وإيجاب وسلب، لأن تاريخه شئنا أم لم نشأ –هو تاريخ مرحلة.  كنت أريد أن اقرأ كتاباته سلسة شأنه وهو يحدث.  وكم بالحري إذا استبدت به سَورة الشراب، ففاضت أشجانه وجمحت خيالاته.

شاركته كثيرًا في لقاءات مع الأدباء اليهود، وكانوا يرنون إليه بإعجاب منقطع النظير، وكنت أسكت بدعوى”رحم الله امرءًا قال  خيرًا فغنم……. “.

أذكر أن معهد”جبعات حبيبة” قد كرّمه، وكانت سهام داود سكرتيرته  بصحبته، فما أن أبديت ملاحظة على ملاحظاته حتى قالت بقسوة:

“ماذا يعنيك أنت؟ أنت شاعر فقط أنت لست ناقدًا، فاترك النقد للنقاد.”!

وأذكر أنني نشرت مقالاً تحفظت فيه من حصوله على جائزة إسرائيل (نشر في”نداء الأسوار”) فقال لي باعتزاز:”وسأحصل على جائزة فلسطين أيضًا (كان ذلك قبل حصوله حقـًًا عليها).

كان إميل في أواخر عهده يكثر عن الحديث عن الديمقراطية، وتجربتي معه في هذا السياق أرويها:

كتبت قصيدة”عصام السرطاوي يقرأ في أسفار العودة“، واستخدمت فيها نبوءة للتعايش السليم فقلت:

“(ماتي)،(أوري) رمزان إلى واحة يمكن“.

أصر إميل- إذا شئت أن أنشر القصيدة- أن أغير  اسم (أوري) –بسبب علاقاته السيئة مع أوري أفنيري- وأجعلها (يوسي) -يقصد يوسي أميتاي.

** ** **

في لقائي الأخير قبيل وفاته ببضعة أسابيع كان إميل قد أُعجب بقصيدة لي قرأتها أمامه- “أغسل خوفي”، وهي تسخر من المتدين المتزمت.  طلب من سهام- وكنا في مقر مجلة” مشارف” أن تنشرها، وقال لي بنوع من الاعتزاز:

“أبو عمار:هذه المجلة لكم… “

كان أبو سلام يحدثني عن بعض الأدباء العاقّـين الذين أنكروه قبل صياح الديك.

كان مؤنسًا رقيقًا ومتفائلاً.  ولكنه ما لبث أن توقف، وأخذ يشكو أمامي  بشدة وحرقة:

“الموت يأتي معلش…..  ولكن لماذا هذا الألم؟ لماذا هيك الألم؟!”.

عندما سُجّي جثمانه في ساحة الكنيسة في الناصرة قلت في نفسي:

وقد كانت حياتك لي عظات

فأنت اليوم أوعظ منك حيـــّا

أقبل الشاعر محمود درويش في زيارته الأولى بعد اغترابه، فاستقبلته مع آخرين، وما لبث أن أخذ طريقه إلى أبي سلام، وكنت إزاءه، وقد لاحظت كأن جفنيه انفتحا، وكأنه يرمقه للحظة، ثم أغفى.

“نشيد البجعة” هو مصطلح يعني الطاقة الإبداعية وذروتها قبيل الوفاة، ولكنني لدى إميل  استمتعت بثلاثة أناشيد:

1- أذاع التلفزيون مقابلة كان قد سجلها قبيل وفاته، فعرفت عمق النظرة وقوة الحجة وسطوع البيان.  ما هذه العظمة!.

2- نشرت مجلة مشارف في عددها الأخير (مايو 1997)”ذكريات سراج الغولة ولا تطفئوا  هذه الشمعة”، فعرفت أننا أمام عملاق أدبي نافذ.  تقرأ الكتابة وتدهشك بقدر ما تقول لك أنت لا تعرف شيئًا. هذا رجل قلمه متميز، ورب قول أنفذ من صَول.

3- شاهدت فيلمًا التقطوه له قبيل وفاته، فعرفت فيه الوطني الحق الأصيل.

ترى، هل أنا الذي تغيرت بعد وفاته.  لقد أخذت أحبه واحترمه كثيرًا، فهل ثَم ضرورة للعودة إلى كل كتاباته لتقييمها من جديد؟!

*     *     *     *

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق