ثقافة السرد

الجزء 9 من رواية – المأساة الفلسطينية-

(حرمتان ومحرم) ل صبحي فحماوي

الرجل الآمر الناهي !
تفزع ماجدة وهي تركب الطائرة لأول مرة، متجهة مع تغريد وأبو مهيوب إلى ولاية الرمال العربية، حيث العمل، وتدوخ بفعل إقلاع الطائرة، واهتزازاتها الجوية، قبل أن يستوي طيرانها في السماء. ويتفاقم توترها وهي تسمع صوت قائد الطائرة يقول: إننا نواجه مطبات هوائية، فالرجاء ربط الأحزمة، ووضع المقاعد في وضعها العمودي، فتقذف البنت أمعاءها، وتشعر تغريد برعب شديد، وكؤوس الشاي والعصير والماء تهتز، وينسكب منها بعض محتوياتها على منضدتها المعلقة بين السماء والأرض، ولكن (أبومهيوب) لا يهتم لكل هذه الاهتزازات، لكونها مزحة مداعبة، مقارنة باهتزازت الوطن تحت ضربات الغرباء الفولاذية، وعذابات انتفاضة الأهالي اليومية للفكاك من براثنهم، فتجعله ينظر بسخرية إلى هذه الاهتزازات الجوية التي لا معنى لها.
وعند وصول الطائرة مطار مدينة الواحة، في ولاية الرمال، يقف الرجال والنساء نابتين من مقاعدهم، ويتكاثفون في ممر الطائرة، حيث ملابس النساء المزركشة، ووجوههن المزينة، وصدورهن الناهدة، وأردافهن المثيرة، ببنطالاتها القطنية المفصلة على آخر طراز، وأثوابهن الملونة، وتنانيرهن القصيرة التي يُظهر بعضها أفخاذاً أنثوية بهية، وعيوناً تطل الحياة منها! كل هذه النعم الملونة، تتحوصل فجأة، وتتشدّر فوقها براقع سوداء، فتحولها إلى اللون الأسود، وتختفي معالمها، فتصير على شكل بقج سوداء، لا يعرف ما بداخلها، وتختفي حتى روائح عطور النساء، فيتحول جو الطائرة وممراتها إلى رعب من المجهول، الذي يخيم بسواده على المكان.
يفتح أحدهم خزانة سقف الطائرة، فيمد كل منهم يديه إلى أعلى ليخرج أغراضه منها، ويحملها بيديه، ويسير الجميع متدافعين في موكب حزين، باتجاه سلم الطائرة، ولكنه لا يوجد هنا سلّم، إذ يدهش الجميع من التقنية المتطورة في هذا المطار، حيث تصعد الحافلة إلى مستوى الطائرة على أربع أرجل من روافع معدنية، فينتقل الجميع من أنبوب الطائرة، إلى أنبوب الحافلة، التي أخذت تنفصل عن مركبتها الفضائية، بل عن جسم الطائرة، وتهبط رويداً رويداً، حتى تصل إلى مستوى الأرض، فإذا بها حافلة عادية من حافلات المطار المتحركات، تسعى حية في أرض المطار!
ليس هذا هو ما يشدّ انتباه الركاب المسافرين، فالناس داخل هذه الحافلة الحضارية المعزّزة بدخان البخور يُشَقّون ويُقسَمون في جلوسهم، إذ يُحشر الرجال في مقدمة الحافلة، وتساق الإناث إلى مؤخرتها، ويُفصَل الزوج عن زوجته، والأخ عن أخته، والابن عن أمه. (يوم لا ينفع مال ولا بنون) ويصير الركاب فريقين، وكأنهما على جانبي ملعب تنس أرضي، يفصله شبك؛ جهة للحريم، وجهة للرجال، وامرأة شقراء، ذات شعر ذهبي، تلبس تنورة قصيرة، وتضع ساقاً فوق ساق، فتكشف عن فخذين مدملجين، وتظل قاعدة إلى جوار رجلها، تتحدث معه بلغة إنجليزية.
وهنا تحدث الطامة الكبرى، وإذ برجل دين كأنه مُعيّن للقيام بهذا الدور، تتدلى من وجهه لحية كثة حمراء وطويلة، إلى حد أنها قد تصل إلى ما تحت الركبتين، وثوب قصير، قد يصل إلى ما تحت الركبتين أيضاً. تستطيع أن تقول إن كل شيء هنا يتوقف تحت الركبتين. يهب العجوز واقفاً، مُحدِّقاً ومشيراً بعصاه باتجاه المرأة الشقراء، بطوله الذي يزيد قليلاً على طول ساقي الشقراء. يصرخ الرجل -الآمر الناهي- بالمرأة مشيراً إليها، أن هبي وامضي إلى حيث تجلس النساء! ولكن المرأة لا تلتفت إليه، بل تواصل حديثها مع الرجل الجالس إلى جوارها، فيعيد ذو اللحية الحمراء أوامرهُ للمرأة باللجوء إلى ملجأ الحريم، ولكن المرأة العنيدة، أو الغبية، أو غير المطيعة لأوامره الصارمة، والتي لا يُشق لها غبار، لا تجيبه! يعتقد ذو اللحية أن المرأة لا تفهم اللغة العربية، وهو يرطن لها بلغة لا تفهمها، فيحاول التحدث معها بلغتها الإنجليزية، ولكنه يكتشف “عجز ذكوريته”، آسف، عجز قدرته على توصيل الرسالة، فيصير يتمتم بكلمات، أو يُجمِّع حروفاً على بعضها، أيّ حروف! ولكن (اللبيب بالإشارة يفهم)، فالوليّة الشقراء “الغبية”، والتي يبدو أنها مستغنية عن روحها، ومستقبلها ووظيفتها، وقد تُهدّد بالإبعاد القسري عن زوجها، وبإكراهه على تطليقها عُنوة! وقد تقع مصيبة تُدمِّر مستقبلها، ومستقبل زوجها الأكبر منها أيضاً! مفروض أن تستجيب لأوامر المشير، وتمتثل لنهيه! ذلك لأن كلام هذا الرجل باتع، وسيفه قاطع، ولا تستطيع امرأة ولا رجل مناقشته في الدين، ذلك لأن عصاه تشتغل، خاصة إذا ما وجد معارضة أو ممانعة لتنفيذ أوامره، والجَلد عنده هو أضعف الإيمان! يصرخ في وجهها بصوت عال: (هم هن دا با في ذا إن وا كا.. هناك!) هكذا يأمرها برطانة حادة وملزمة، لم يفهم هو معناها. ينتبه جميع ركاب الحافلة التي تنطلق بحضارة صناعية متقنة، وتتماوج متدلِّهة بشبابها، سائرة بهدوء على أرض مطار فسيح، ولكن يبدو أن المرأة ليست لبيبة، ومن الإشارة تفهم! ويبدو أنها تشاهده، ولكنها تترك الأمر لولي أمرها الأشقر ليجيب ذا اللحية الحمراء، فينظر الرجل الأشقر الواثق من نفسه، الشائب الشعر المغرور، إلى الشيبة، ويقول لـه باللغة الإنجليزية: (وط دو يو وانت؟) ماذا تريد؟ ماذا تريد أن تقول لها؟ فيجيب العجوز متلعثماً:(دي بي ها ذير!)ويشير لـه إلى هناك. يعني إلى جهنم الحمراء!
فيجيبه الأشقر بلغته الأجنبية: (ذس إز نط يور بزنس). هذا ليس شغلك. اجلس والتزم بنفسك! يا أخي هؤلاء الغربيون لا يفهمون غير (البزنس)! حتى شؤون المرأة عندهم (بزنس). ولكن هذا الرجل الشيبة “التقي النقي الطاهر العلم.. لا يفهم شيئاً من رطن الأجنبي.
تصل الحافلة إلى شاطىء الأمان، فلا يعود للحوار مكان، ويبدو أن مع هذا الأشقر قوة (الفيتو)، فتجعله يقرر تفويت الفرصة على الملتحي، ويجهض جهوده الرامية إلى فرض الأمر والنهي المطلَقين، فلا يعود العجوز قادراً إلا على أن يتابع طريقه للخروج من بوتقة الحافلة الجميلة، ذلك لأن من راقب الناس مات هماً.!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق