قراءات ودراسات

قراءة فى “هاتف منتصف الليل”

للأديب محمد محمود غدية

 محمد عبد الظاهر المطارقى

• .. مبدع من معدن أصيل.. تشكلت ابداعاته وتبلورت عبر سنوات طويلة من ممارسة فعل الكتابة، استطاع خلالها أن يغزو بقلمه عدد لابأس به من الصحف والمجلات المصرية والعربية ،نأى بنفسه عن مناطق الزيف والخداع، وصخب الادعياء وشلل المنتفعين وأشباه المثقفين ، عشق القصة القصيرة،وأخلص لها من قلبه، فمنحته سرها، وسحرها ..وصبغته بحسنها وبهائها.
• يا لهذا المبدع الرائع، إنه – بالفعل – يمتاز بقدرته العجيبة، الفائقة على صياغة نموذج انسانى من الطراز المدهش.. حين تلتقيه لاتملك إلا أن تعلن بقوة هاهو ذا مبدع حقيقى يتسق مع ذاته الإنسانية ، ولا غرو فقد هذبته الكتابة، وشكلت وجدانه فصار وكأنما خرج لتوه من أعماق قصيدة نابضة بالحياة..هانحن فى صحبة المبدع الراقى والانسان الجميل محمد محمود غدية عضو النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر…ابن مدينة المحلة الكبرى وأحد أبناء جيل لسبعينيات..وصاحب رصيد هائل من القصص القصيرة.
****
ها نحن الآن فى حضرة ((هاتف منتصف الليل)) وهى مجموعة قصصية تحتوى على مايقرب من عشرين قصة لاتتجاوز القصة الواحدة أكثر من صفحة ونصف أو صفحتين على أكثر تقدير.. وهى قصص تتميز بالأناقة الشديدة، فى مكوناتها اللغوية، تمزج بين الرومانسية والواقعية من حيث الشكل والمضمون.. فنجد اللغة الشاعرة ، والوصف البارع لأجواء الطبيعة كالليل والقمر والنجوم.. والشمس .. والأشجار، والورود، والمطر، ورذاذ الماء، وأمواج البحر.وتقلبات الفصول الاربعة من ربيع لخريف لشتاء لصيف ومفردات الأنوثة والحب والوفاء والدموع والغدر والشك والخيانة…
انه عالم محمد محمود غدية الذى استطاع بحرفية أن يقوم بصنعه.. والكاتب يتماهى مع واقعه برغم ماقد يبدو لنا ظاهريا فى وعاء النص .. ففى الأعماق نجد عالم يموج بالتناقضات البشرية والنوازع الإنسانية، والتفاصيل النفسية..
ففى قصة ((هاتف منتصف الليل)) نجد الأنثى التى تبحث عن ذلك الشاب الذى يمكنه بث عواطفه، ويملك القدرة على طرح عبارات الغزل والهيام.. وحين يستدرجها “هاتف منتصف الليل”ويستطيع بمهارة عجيبة أن يأسرها بأحرفه الموسيقية الناعمة، ويستحوذ على قلبها ومشاعرها ، تستجيب لمواعدته وتذهب للالتقاء به لتتفاجأ ونتفاجأ نحن معها أن هذا الرومانسى البارع،والعاشق الولهان ماهو الا خطيبها، الذى وضع هذه الخطة ليختبر حبها وإخلاصها له،
ومن القصص الرائعة بين المجموعة قصة (( بطلة روايته الجديدة)) ..انها شخصية لمؤلف روائى، تصله دعوة من الناشر ليقيم له حفل توقيع روايته الأخيرة.. وهناك..على شاطىء البحر، يراها وهى تجلس على الدكة تمسك بروايته، وتعيش بين صفحاتها .. نظر اليها كثيرا، وشعر بسعادة لا حدود لها ، وهنا يقرر أن يكون أول إهداء يكون من نصيبها، فيذهب الى الفندق لإحضار النسخة ويعود مسرعا ليفاجأ باختفائها.

 استطاع الكاتب أن يمزج بين الشخصية فى الواقع وبين بطلة الرواية فى القصة. فصارتا شخصية واحدة تحمل كل ملامح الجمال والروعة والذكاء والثقافة..والاهتمام بقراءة أعماله الروائية، انها شخصية تمتلك كل الصفات الرائعة والمدهشة التى تجتذب قلب وعقل مؤلف الرواية نفسه فيقع فى عشقها.. انها “جالاتيا”.. فى الأسطورة اليونانية الشهيرة بيجماليون الذى صنع تمثال فتاة تحمل كل ملامح الجمال الذى يحلمه ثم جلس يتأمله ليقع فى عشق الفتاة التى قام بصنعها بيديه.
وفى قصة ((عروسة مارونيت) نجد الفتاة مسلوبة الإرادة، التى انتزع منها شخصيتها لتسلط الأب وفرض سيطرته عليها بدون أن يترك لها مساحة لأن تعمل عقلها أو تتبلور شخصيتها وتتضح.. ليرفضها كل من تقدم اليها لكونها شخصية مطيعة الى الحد الذى جعلها أشبه بعروسة مارونيت بائسة ليست لها ملامح محددة، أو رد فعل.. أو أى قدرة على اتخاذ القرار.
وفى قصة (الهدية) نجد الكاتب يأخذنا الى حالة من حالات الحزن الشديد، حين نكتشف أن الساعة الحريمى التى تعانق معصمه تخص ابنته المتوفاة والتى كانت مريضة بالسرطان.. انه يتذكرها كلما نظر الى الساعة ليتأكد من موعد ما..
هى قصة تكشف الجانب الخفى من حياة البعض، والتى قد تبدو لنا غير واضحة مما يجعلنا قد نتشكك فى سلوكها، أو فعلها الذى يبدو غريبا وغير مألوف. فالطالبة التى تمثل جموع الطلبة، تتعجب لإصرار أستاذها على لبس الساعة الحريمى، وحالات الغمز واللمز بين الطلاب دفعت بها لأن تقدم إليه هدية عبارة عن ساعة رجالى.. وهنا تتكشف الحقيقة وتتضح الصورة فنعيد التعامل مع الحالة بوجهها الانسانى الذى يدفعنا للتعاطف معها.
وفى قصة (( زوارق لاتستسلم للريح)) نجد شخصية الشاب الحالم، والذى يسعى جاهدا لتحقيق حلمه بالعمل والكفاح دون الركون الى مؤهله، أو وظيفة تتناسب مع الشهادة الجامعية التى حصل عليها.. وكأن ثمرة جهده وإصراره على النجاح يتوج بالحصول على مستوى مادى جيد، وفتاة تمتاز بصفات رائعة يتمناها أى شاب..
ومن القصص التى تنتهى بطرفة قصة: غيرة،دعوة لاثنين،الكنز،ومشاهدات ميت. وحكايات ساخرة.
فى قصة (غيرة) نجد الزوج المحب لزوجته الى درجة الجنون، فهى جميلة الى الحد الذى جعله يغار عليها من النسمة الطائرة، ليتحول الحب الى غيرة، وشك ويؤدى به الى حالة مرضية تجعله يتصل بها كل يوم لتسمعه صوت الخلاط كما طلب هو منها.. ليطمئن أنها بالمنزل.. لكنه يعود فجأة إلى المنزل لظرف عارض ليجد صغيرته تلعب بمفردها وحين يسألها عن أمها تخبره الصغيرة بكل براءة أنها ذهبت عند جدتها ومعها الخلاط كعادتها كل يوم.
انه الوسواس القهرى الذى قد يفقدنا أحب الناس، وهى قصة رغم طرافتها لكنها موجعة.. انها تذكرنى بقصة الستارة لكاتبنا الراحل يوسف ادريس.
انها الانثى والتى بوسعها أن تستخدم من الحيل ما يعجز الرجل عن إدراكه، كما أن التطرف العاطفى قد يجعلنا نقع حتما فيما نخشاه ، والإصرار على التوهم قد يحوله إلى أمر واقع.. نصنعه نحن بأيدينا.
وفى قصة أخرى تتناول ذات الموضوع بعنوان (الشك) زوج تقع فى يده صورة لشاب موسومة بإهداء باسم زوجته، تتحول الدنيا فى عينيه إلى ظلمة ، ويشعر بحالة من حالات الحزن والألم الشديد جراء ما أصابه من خيانة.. فى النهاية نكتشف أن الصورة لشقيق زوجته نزيل مستشفى الامراض النفسية.. فيسترد الزوج روحه من جديد، ويقرر زيارته بالمستشفى
وفى قصة ( الإشارة الحمراء) يستجلب البطل الماضى سريعا بما يحمله من ذكريات تبدو جميلة.. لكنها لم تستطع أن تلقى بظلالها على واقع محبوبته القديمة. فالأمر هنا تجاوز العلاقة العاطفية والذكريات العذبة ودخل فى دور الخيانة ومحاولة رخيصة لدعوتها لعلاقة آثمة.. وهنا تنتبه المرأة المتزوجة، وتتذكر زوجها برغم انشغاله عنها فى عيادته طوال الوقت.. وزواجها منه على غير حب، ومشاعرها المعلنة.. إلا أنها ترفض استغلال هذه الظروف، وتقرر فجأة الفرار من مخالب حبيبها القديم.
والغدر والخيانة لهما صور متعددة.. فنجد فى قصة (الزائرة ) عندما تمنح الزوجة ثقتها الكاملة لصديقتها، فتتعرف على خبايا وأسرار حياتها الزوجية.. وتتلمس مناطق الضعف والقوة فى شخصية صديقتها.. فتسعى كأفعى للوصول الى قلب زوج صديقتها، وتنتزعه لنفسها.. قصة قديمة لاتزال تمارس بيننا بقوة..
هى مجموعة أشبه بالنغمات المتباينة التى تشكل فى النهاية لحنا ثريا شديد التميز.. مع ملاحظة أن الكاتب صوته يعلو أحيانا ليتحدث بصورة تقريرية أو يمنحنا ملاحظة ما.. أو توجها معينا.. وهذا يثقل القصة القصيرة ولا يتناسب مع روح الابداع فضلا غن بعض الموضوعات المستهلكة والتى تم تناولها بصورة مباشرة…لكن القصص فى الأغلب الأعم تمتاز بقدرتها على النفاذ الى مشاعرنا الإنسانية، وتتجلى قدرة الكاتب وخبرته الطويلة فى استخدام تراكيب وصور بارعة ورائعة..
المجموعة صدرت عن دار النابغة بمصر

6

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق