ثقافة السرد

مرايا عمياء

نبيلة مسعودي

مشهد رقم 1
يوم مشمس وطريق طويل بمحاذاة البحر. المشهد وارف الزرقة: زرقة السماء الصافية، زرقة البحر الذي يوازي الطريق، زرقة السيارات التي تمر من حين لآخر، حتى الجبال البعيدة تبدو وكأنها اكتست حلة زرقاء. لا عصافير ولا فراشات ولا نمل في هذا الفضاء الفسيح. وحدها الزرقة الصارخة تحدث أزيزا قويا يسمعه كل العابرين.
وحيدة في سيارتي، أقود نحو وجهة ما، أستمتع بمنظر البحر الهادئ الوديع الذي يرافقني منذ بداية سفري. أحيانا يتغير منظر البحر لتحل محله بيوت ومساكن وعمارات تشترك مع البحر في زرقته. شغلت المذياع بصوت عال ليؤنسني. رحت أردد كلمات من الأغنية المنبعثة من الأثير. بعد حين فطنت إلى أني كنت أستمع إلى برنامجي المفضل ‘همسات روح’. لكن مهلا، هذا البرنامج يذاع ليلا، ونحن الآن في واضحة النهار، فالشمس قائظة! حتى إعادة البرنامج تذاع ليلا! أعرف البرنامج جيدا، فأنا مستمعة وفية له، لا يمكنني الخطأ بهذه المعلومات؟! تملكني الذعر لمّا رأيت ساعتي، كانت عقاربها تشير إلى الثامنة. بلى، البرنامج يذاع في هذه الساعة، لكن ليلا وليس نهارا. هل يمكنهم الخطأ؟ أكيد هذا خطأ. لا بأس، لما كلّ هذا الذعر والقلق؟!
لم أعد أتذكر منذ متى وأنا أقود السيارة في هذا الطريق الطويل. تعبت من القيادة لساعات طويلة فقررت النزول في إحدى باحات الاستراحة. وجدت داخل دكان المحطة بائعا يمسك في يده مرآة بالمعكوس، بحيث يمكنني أن أرى وجهي فيها وهو لا يرى سوى ظهر المرآة. تأملت نفسي مليّا في المرآة، وجدت شعيرات متناثرة تتسلل من مقدمة قبعتي، رتبتها وشكرت البائع، وبادرني –وأمارات الشرود لما تفارقه بعد- قائلا:
* كيف أساعدك سيدتي؟
– من فضلك، قنينة ماء باردة وعلكة!
ترك المرآة للحظات، ثم عاد وأخذها بين يديه بذات الوضعية الأولى، وأمدّني بما طلبته. دفعت ثمن الأغراض، شكرته وهممت بالخروج، لكنني عدت إليه في اللحظة الأخيرة، وجدته لا يزال على نفس الوضع بادرته :
– أخي، إنك تحمل المرآة بالمقلوب!
* أيّ مرآة؟
أشرت إلى ما يحمله في يده.
* لا سيدتي، هذه ليست مرآة، هذه صورتي.
أدرت المرآة باتجاهه، فقلت له:
– انظر إنها مرآة.
* ما بك سيدتي، هذا أنا ألا ترين صورتي؟
ذهلت ممّا قاله، بل خفت من كلامه، فغادرت الدكّان مسرعة، ركبت سيارتي وغادرت بأقصى سرعة.

مشهد رقم 2
أعدت تشغيل المسجّلة، ولكي أتفادى أي مفاجأة أخرى، فضلت الاستماع لأغنيتي المفضلة. ورحت أغني بأعلى صوتي. وصلت محطة أخرى قررت أن أرتاح فالإرهاق بدأ يتملكني. ما أن فتحت الباب رأيت زوجين شابين يحمل كل واحد منهما مرآة بالمقلوب، فركت عيني. لم استوعب الأمر بعد، فالشابان يضحكان ويتحدثان بشكل عادي جدا، وحدها طريقة حمل المرآة كان أمرا غير عادي. دلفت إلى المقهى. كل الجالسين يحملون مرايا بنفس الطريقة، ويمارسون حياتهم بطريقة عادية، جاءتني النادلة تحمل هي الأخرى مرآتها، سألتني :
* كيف يمكنني خدمتك سيدتي؟
أجبتها وأنا أعدل تسريحة شعري وأنظر في مرآتها:
– أريد كأس قهوة وكاب كيك.
ثم بادرتها، وهي تهم بالانصراف، بقولي:
– أنت تحملين المرآة بالمقلوب.
نظرت إلي باستغراب قائلة:
* هذه ليست مرآة هذه صورتي.
أجبتها بعناد:
– صورتك جميلة، أحببتها.
* حقا!؟
– نعم، لكنها متسخة شيئا ما!
* حقا؟!
– انظري هنا، يوجد ضباب وغبار.
* آه، هذا ليس وسخا ولا ضبابا. إنه فلتر سناب شات!
– اممم؟! وسألتها، وأنا أشير إلى انعكاس وجهي قرب وجهها في المرآة: من تكون هذه؟!
* من؟! لا يوجد على الصورة سواي.
– …
تملكني الذعر وأنا أتأمل المشهد حولي. لكن بعد قليل قلت في نفسي: لا يمكن أن يكون الجميع مجانين، لابد وأن وراء الأمر سبب ما. شربت قهوتي التي وجدتها مرّة جدا، لكن حلاوة الكاب كيك ساعدني على تغافل ذلك حتى أتمكّن من مواصلة الطريق. وقبل أن أهم بالخروج مررت على كل الحاضرين ووقفت بطاولاتهم ولا أحد منهم انتبه إلى وجودي، يكتفون فقط بإشهار مراياهم في وجهي، تملكني الخوف ثانية، تراجعت خطاي. وقبل أن أخرج سألت النادلة:
– أريد أن أبتاع مرآة، مثل مرآتك، أين يمكنني اقتناؤها؟
رمقتني باستغراب وذهول، وكأنني قادمة من كوكب آخر.
* هذه ليست مرآة هذه صورتي، هذه أنا.
– حسنا فليكن، أريد واحدة مثلها.
* هل جُننت أتريدين شراء صورتي؟!
– لا بل صورتي!
رمقتني بذعر، وتراجعت إلى الداخل مرتعبة. وما كان منّي إلا أن غادرت مسرعة، أنا الأخرى، وقد تمكن مني الهلع. أكملت طريقي، وشغلت هذه المرّة أيضا أغانيَ المفضّلة المسجّلة تفاديا لأي إرباك يصدر من المذياع. زرقة الطريق بدأت تتلاشى شيئا فشيئا، وتترك الأفق لمنظر آسر يخلب العقول: مشهد غسقيّ اللون، رومانسيّ الوقع ومثالي جدا. نسيت لوهلة كل ما رأيته وهالني، رحت استمتع بجمال الطبيعة، وأنا أدندن مع الموسيقى. على مشارف المدينة التي كنت أقصدها، بدأت أرى سكانها يحملون المرايا تماما كالآخرين، لا أحد يلتفت إلى أحد وكأن الأمر عادي.

مشهد رقم 3
سألت أحد المارة عن مكان حكيم المدينة. أخبرني أنه في برج السراب، حيث يمضي النهار بضجيجه في الصعود إلى أعلى القبة والنزول إلى قبوها وكأنه يتجول دروب البسيطة دون كلل أو ملل، بينما يقضي ليله على بقايا وهج فتيل يفتش عما لم يجده نهارا في سعيه الشعائري بين قمة البرج وقبوه. سعيت إليه بخطى حثيثة، لأخمد ثورة السؤال في صدري. وصلت لاهثة. ألقيت التحية ودون مقدمات سألت:
– ما كلّ هذه المرايا التي يحملها الناس؟
* إنّها ليست مرايا. إنها صورهم، صور لما يخالونه عن أنفسهم، إنّها نسخهم التي تهفو نحو الكمال من وجهة نظرهم.
– لم يحملون الصور معهم، فوجوههم مكشوفة يمكننا النظر إليها بوضوح!
* نعم لكنّهم يحملون صورهم كما يحبّون أن يكونوا، لا كما هم فعلا.
– ولم يفعلون ذلك؟!
* لا أدري ربّما عدم رضا عن حالهم!
– أنا لست مقتنعة بهذا، بل هم يحملون مرايا، أنا أرى وجهي في كل المرآيا التي يحملونها، أين تذهب صورهم حينما أرى وجهي؟
* أنت لا ترين نفسك، بل ترين انعكاس نفسك في وجوه الآخرين فتخالينه نفسك. كل هؤلاء يفعلون نفس الشيء، إنّهم يبحثون عن انعكاس وجوههم في مرايا الآخرين.
– ولم يفعلون ذلك؟! ماهذا الهوس المفرط بالوجوه؟! ما هذه اللعنة التي أصابت هؤلاء القوم؟
لَم أنتظر جوابا منه، لقد كان مشغولا جدا في ممارسة طقوسه المقدسة. هممت بالرحيل مسرعة والعودة من حيث أتيت، وأنا أحادث نفسي “أنا أكره المرايا، أكره المكر الذي ترسم به ملامحنا، أكره انعكاس شعاع الغرور الذي ينكسر على سطحها ليعمي بصرنا فنعجز عن قراءة العيون والانصات لما توشوشه لنا عن دواخلنا. هذا الانكسار يغدو شظايا سراب تتدحرج وتتدافع في ظلمة المجهول. هي تتلمّس طريقا ونحن نجري وراءها خيفة التيه في السواد. لا مرايا عمياء بعد اليوم في عالمي. لا مرايا عمياء”. تتكاثر المرايا ويصبح المشهد كلّه عبارة عن مرايا صغيرة تعكس صورة وجهي. أصرخ بأعلى صوتي: ‘لا مرايا… لا مرايا…’ استيقظت فزعة على صوت رياح قوية في الخارج أسقطت زجاج إحدى أضواء الإنارة العمومية التي انكسرت بقوّة، فكسّرت معها كلّ هواجس المرايا… لا مرايا… لا مرايا…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق