ثقافة السرد

صعيدي

د. أحمد الخميسي *

كانوا خمسة عشر رجلا لوحت الشمس وجوههم ، يهلون من وراء السوق  صباح كل يوم بجلابيبهم، يدبون على الأرض، رؤوسهم مرفوعة، تتأرجح بيد كل منهم عدة البناء من قادوم وإزميل وسكين ملفوفة بقطعة قماش. قادمون إلي العاصمة من قرى الصعيد بالمنيا ، وسوهاج ، وأسيوط ….

استأجروا وراء سوق صقر قريش شقة ثلاث حجرات، الصالة واحدة منها، جدرانها خشنة ، لا دهان، ولا قطعة أثاث واحدة، لا شيء، فقط  صنابير المياه والدش و باب الشقة الذي يغلق عليهم. استأجروها بأربعمائة وخمسين جنيها في الشهر يدفع الفرد منهم ثلاثين جنيها، يثوبون إليها في المساء بعد نهار منهك، يغتسلون من عرق العمل وترابه، ويشربون أكواب الشاي مع السجائر، يتبادلون كلمات قليلة. ” من أرسل كم جنيها إلي أمه بالبريد ؟ “، و ” من يشتاق إلي أهله في أسيوط ؟ “، و ” من مرض له ولد ؟ ” ، ثم يرقد كل خمسة في حجرة ، متلاصقين كأصابع كفتة في صينية . في الصباح يخرجون من وراء السوق إلي الشارع الرئيسي، يدبون برؤوس مرفوعة، ويقصدون الرصيف المقابل لموقف الأتوبيسات، يقرفصون على الأسفلت في صف بطول الرصيف، يضعون العدة على الأرض إعلانا عن أن هناك عمالا يبحثون عن أشق أنواع العمل، يجلسون مثل خمسة عشر فما مفتوحا وعنيدا وصامتا، يجلسون مثل اليأس والصلابة والاستعداد للعنف، أمام كل منهم يبزغ طرف إزميل مدبب يبرق تحت ضوء الشمس الحارقة ، يشبهون حربا تتأهب، تحتشد، كل ما فيها جاهز للقتال، لكن الهدف لم يظهر بعد.

صباح اليوم، كان الجو حارا بشكل لم يسبق له مثيل، الهواء ساخن، وخفقات القلوب تتواصل بسبب الاختناق وقلة الهواء والضوء الرهيب والعطش. قرفصوا  كعادتهم ينتظرون أن يظهر زبون باحثا عن عمال. وفجأة توقفت أمامهم سيارة زرقاء خرج منها رجل ملتح وظلت بداخلها امرأة بدينة تحتل الأريكة الخلفية كلها، فنهضوا كلهم كمن لسعهم تيار كهربائي مندفعين ناحيته ، تحلقوه. ” أمرك يا بيه. نقل موبيليا. هد حيطة. بناء “. قال إن لديه سور حديقة تهدم ويريد إزالته،  ويلزمه عاملين. عادة كانوا يتصايحون ويتزاحمون ويلوحون بقبضاتهم ويعرض كل منهم سعرا أرخص من الآخر، لابد من القتال حتى آخر رمق لانتزاع الزبون، هذا قانون الصراع ولا رحمة فيه، وجميعهم يعرف ذلك ، لهذا فإنهم في المساء يرجعون أصدقاء . هذه المرة ، أفسحوا فرجة صغيرة بين أكتافهم لجمال، تراجعوا قليلا بوجوههم الخشنة لكي يشق طريقه إلي الزبون، لأن جمال كان اصغرهم سنا، ولم يسعده الحظ بعمل منذ أسبوع. لكن الزبون عاينه وقال له : أنت صغير.. والشغل اللي عندي عاوز رجالة جامدة. هجموا من جديد حتى اختار الرجل اثنين من بينهم ركبا معه وانصرف بهم .

عادوا يقرفصون في جلستهم، يدخنون ويختلسون النظر إلي جمال من وقت لآخر. كان جالسا رأسه المرفوع تحت الشمس يترنح قليلا من الصهد والجوع، فينتفض في رجفة مستعيدا توازنه. كان أصغرهم سنا ولم تتراكم لديه خبرة بعد في انتزاع الزبائن والمزاحمة بالأكتاف و المفاصلة على أجرته. كلهم بدؤا هكذا بمشقة. وتوقفت سيارة أخرى صغيرة، جديدة. هبوا جميعا واندفعوا إليها، لم يخرج صاحبها الشاب منها، فتح نافذة هب منها هواء مكيف، وقال: أريد عاملا واحدا فقط. واستوقفه وجه جمال، فأشار إليه أن يركب إلي جواره. ركب وربطة الشغل بيده. واندفع صاحب السيارة للأمام يتخلص من الحشد. قطعت السيارة نحو مائتي مترا، وسأل جمال: الشغل إيه؟ . قال له الشاب: أنا بيضت الشقة عندي وتركها العمال بالبقع في كل مكان. تحتاج تنظيف. التفت إليه جمال بجانب وجهه: مسح وكنس يعني؟ قال: نعم. ترنحت رأسه، وهزها ورفعها واكتسبت ملامحه الاحتشاد للحرب قائلا: الصعايدة ما يشتغلوش في المسح. عاد به الرجل إلي حيث صادفه. هبط من السيارة، ثم أحنى جسمه إلي النافذة نصف المفتوحة واشار إلي زجاجة ماء قرب الشاب وقال له: ممكن بج ميه ؟

***

أحمد الخميسي . أديب مصري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق