ثقافة السرد

مذكرات كاتب فاشل

عبد الكريم ساورة

نحن أمة نقدس ونعبد العدد، ألم يكن العرب قديما يعبدون أكثر من إله أقصد أكثر من صنم؟ الآن نخضع لسيطرة الأغلبية وطقوسها الغريبة باسم” قانون الكثرة”. هل سأل أحدكم ذات يوم: ماذا لو كان أعداد هذه الرؤوس المتكلمة باسم السماء غير مشحونة وتؤمن فقط بالغرف المشتعلة بالنار وليس الغرف المزينة بحور العين ؟
لا أخفي عليكم أشعر أن الزمن العربي لم يتغير، كل شيء لازال يخضع للعادات واللفيف، ففي بلادي الجميلة، فلكي يعترف المجتمع بصحة زواج عقد على فتاة قاصر بدون موجب عقد موثق، فهو يحتاج إلى لفيف من الرجال لهم أهلية قانونية والغريب يمنع منعا كليا أن تكون ضمنهم أنثى، فهذا حرام شرعا، ونفس الشيء إذا أراد شخص تأكيد شرعيته على أرض من الأراضي المتنازع عنها، فهو يخضع لنفس المسطرة، فلا وجود لشيطان صغير بينهم يفسد التركة.
والحقيقة وجدتني أطرح مع نفسي سؤالا مركزيا، وهو ماالذي يجمع بين القانون والأدب أو بين التقاليد والكتابة ؟ أليست العادات في آخر المطاف تتحول إلى قانون بحكم التوارث والتكرار حتى تصبح مع مرور الوقت ذات صبغة إجبارية على الجميع. هذه حقيقة القانون الذي يحقق في نهاية المطاف ” الأمن الاجتماعي” وهل هذا وحده كاف للمجتمعات ؟ وماذا عن الأدب ؟ عن نفسي وما أعيشه من اضطرابات وتناقضات ومن مطالب وأماني فإنه يوفر لي ” الأمن النفسي” إنه طبيب الجراح والندوب العميقة. وهل هذا الاعتقاد يسري على الجميع ؟
على الأقل أحد أكبر العشاق في التاريخ وهو قيس والملقب بمجنون ليلى كان يحب الشعر أكثر من محبوبته، والجاحظ هو الآخر عرف بحبه للكتب أكثر من أولاده. والمعري لشدة ارتباطه بالأدب والشعر لما مات وقف على قبره 84 شاعرا يرثونه.
هل نعثر في هذا الزمن على كتاب وشعراء من يحب الكِتاب أكثر من أولاده ؟ وهل يستطيع الواحد منا أن يجمع على قبره عشرون شاعرا فقط يقرؤون له سورة الفاتحة ؟
على حد معرفتي البسيطة بعوالم الشعر، فالشعراء لايتبعون أحدا، فهم دائما على أهبة الانتظار بأن يلتحق بهم أحد من الغاوين الجدد يجدد لهم البيعة وينتظر دعواتهم الشعرية وبركاته من المدح إن كان رجلا سخيا أو الغزل إن كانت امرأة بعطرها الفاتن أو الهجاء إن كان رجلا مفلسا أو حسودا.
وعلى ذكر الحساد، فقد بدأوا يتكاثرون كالذباب، ويمتعضون من نجاحي و شهرتي ، فقد أعلنوا الحداد مبكرا ، فأشهروا سيوفهم وأمطروني بأجود مالديهم من النعوث القبيحة لشخصي ولمؤلفاتي الكثيرة والتي تجاوزت الحدود الترابية طبعا وليس الأخلاقية. الحقيقة كنت أشعر بالضيق والحنق ولكن دائما كنت أذكر نفسي بأن للنجاح ضريبته، وأن كل ذي نعمة محسود .
كنت مؤمنا بأن عالم التأليف والكتابة كله حروب وصراعات، لايختلف عن عوالم المافيا ، فهذا الأخير يستعمل المسدس الصامت للقتل في آخر الليل، والأول يستعمل القلم والكلمة للفناء في واضحة النهار وهذا أضعف الإيمان، لأن الرصاص سرعان مايزول ألمه لكن الكلمة تظل مسكونة في الفؤاد إلى الأبد.
واستعدادا لكل الاحتمالات والمفاجآت، وماد منا مجتمع يحتكم إلى العدد باعتباره معيارا للديمقراطية والشفافية، فقد أعددت العدة لمواجهة هؤلاء المشعوذين عندما أعلنت ترشيحي لقيادة ” رابطة الكتاب الأحرار” وهو تنظيم وصوت الأقلام بربوع الوطن. ولا أخفي عليكم فقد استعملت كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة من شراء الذمم وتقديم الهدايا المادية والمعنوية مع اعتماد مبدأ التسويات ودعم بعض الأحزاب لتوجهي ولخريطة الطريق التي سطرتها بإحكام، وكذا دعم السلطة التي دائما تختار الشخص القريب من قلبها والذي يحفظ وينشد قصائدها الرسمية. أليست الانتخابات خدعة وصفقات سرية ؟
كانت النتائج محسومة سابقا، ليس هناك مكان للصدفة ، مخطئ من يعتقد أن فعل ” الكولسة ” سلوك يتم استخدامه فقط في الحروب السياسية، فالثقافة هي الأخرى أضحت المجال الأكثر اتساخا وتعفنا. وعلى هذا الأساس فقد انطلقت وأنا مسلح بمقولة ” نكون أولا نكون”.
وبلمح البصر، تربعت على كرسي هذه المؤسسة “الرفيعة ” من حيث الامتيازات الكثيرة ( ألا تلاحظون معي أن الكثرة تصاحبنا في كل شئ) فقد فتحت لي باب العلاقات الواسعة والنافذة في الدولة ، وأصبحت الناطق الوحيد باسم الثقافة بالداخل والخارج، والاستفادة لي ولأصدقائي والمقربين مني من كل التمويلات التي تخص السفر والنشر وكذا التعويضات السخية لكل تحركاتي سواء في الخفاء أو العلن وطبعا لكل جنود الخفاء المنشغلون بسخرة الثقافة ، عذرا بسخرة رئيس المؤسسة. وهذا وعد تعهدت به مند البداية، هو الدفاع عن الملكية المادية للمبدعين الأحرار، طبعا المدافعين عن توجهي، وأن أساهم ما استطعت في الرفع من عدد المهرجانات و العناوين من المنشورات و الضيوف ، فهاجسي الأكبر هو الكم وليس الكيف، والانتشار وليس الثأتير لان الانجاز يقاس بالعين وليس بالإحساس.
مع توالي الأيام تحكمت في كل دواليب المؤسسة ووضعت بصمتي البيروقراطية وقمت بقلب كل أركان البناء الثقافي، وأضحت لاتختلف كثيرا عن ثكنة عسكرية، صدقوني الكرسي والسلطة يجعلان الواحد منا يتغير دون أن يشعر فيتحول كالخنزير تفوح منه رائحة القبح والرجس. ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد أصبحت استعمل كل الوسائل الدنيئة لمواجهة معارضي حتى قصمت ظهرهم جميعا، كنت متوجسا من كل شئ، وأشك حتى في أقرب المقربين لي، إنه الخوف والقلق الذي بات يقض مضجعي من فقدان الامتيازات والحظوة ، حينئذ تأكدت أني بلغت الباب المسدود ولم التزم بوصية أبي والذي دائما كان يقول لي: ” إياك أن تخاصم ذاتك فإنك ستخسر كل شيئ ” مع مرور الأيام تأكدت نبوءة أبي.
كاتب وناقد مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق