ثقافة السرد

مفتاح الكنز جزء 4

حسين فاعور الساعدي

ما دام بيته دون سقف سيواصل الشامتون التشفي بما أصابه وسيجتهدون في نشر الإشاعات أنه أفلس ولم يستطع إكمال بيته. حتى زوجته قبل مرضه وقبل أن يتوقف الكلام بينهما قالت له: “لو ذهبتَ للعمل في تل أبيب لما أصابنا ما نحن فيه”. أثارت أعصابه وفجرت غضبه لكنه سكت وكأنه لم يسمع. سكت لأنه بدأ يشعر أنه لا يستطيع وقف التيار. يكفي ألا ينجرف معه. من العبث أن يحاول وقفه. عليه أن يوفر طاقته لما هو أصعب. هنالك ما هو قادم أمر وأدهى. لا يعرف ما هو، لكنه قادم.

إكمال بناء البيت قد يزيل كل هذا النحس الذي يحيطه وقد يعيد له تلك الأيام الجميلة عندما كان الجميع يغار منه ويحسده. لم يكن واثقاً تماماً من ذلك. لأن أهل القرية تغيروا. فكوا ارتباطهم بالتراب فتفرقوا. صار لكل واحد منهم عالمه الخاص غير المرتبط بعوالم غيره. تفرق أفراد الأسرة الذين كانوا يجتمعون في كرم الزيتون أو في حقل القمح أو حول كومة التبغ. ذهب كل واحد إلى شأنه. يراقبهم من بعيد لكنه لن يستسلم. سيظل في الجبل وسيستمر في الحياة التي اختارها. قرر الذهاب إلى قرية البعنة للبحث عن بَنّاء ابن حلال. في هذه القرية الكثير من بناءي الطلياني المهرة. سيعطيه الأجر الذي يطلبه. لن يناقشه أبداً مهما طلب. سيكمل بناء البيت وسيشتري بقرتين. لن يستسلم. سيعيد قطيع الأبقار لأن تربية الأبقار في هذا الجبل المغمور بالغابات أقل كلفة ولا تحتاج للكثير من الرعاية بعد أن انقرضت النمور والأسود. فالضباع والذئاب والثعالب لا تستطيع افتراسها كالماعز والأغنام.

سيشتري بقرتين ويدربهما جيداً لتعوضاه عن فدانه الذي نفق مع القطيع. بواسطة هاتين البقرتين سيفلح أرضه ومنهما سيربي ما تنجبانه ليصبح عنده بعد عدة سنوات قطيع جديد من الأبقار. فبعد أن نهبوا قطيع أبقاره عام النكبة جرب المثل القائل: “بقراتك من بقرة وعنزاتك من عشرة” وثبتت له صحة وصدق هذا المثل.

في ساعات الظهيرة استغل توقف الأمطار الغزيرة المنهمرة منذ الصباح وامتطى حصانه متجهاً صوب البعنة. قطع وادي الحلزون المتدفق في منطقة الجزيرة حيث المياه ضحلة والمجرى ليس عميقاً. تذكر جد جده والغولة التي حاولت افتراسه في هذا الوادي. مر بجانب البنايات الناشئة لمدينة كرمئيل. هذه المدينة تكبر بسرعة وتبتلع الحقول الخصبة من حولها. قبل عدة أشهر مر من هنا عندما جاء لشراء أدوات الحجارين فكانت المدينة أصغر مما هي عليه الآن. لم تكن معظم هذه العمارات قائمة. ولم تكن كل أكوام التراب هذه التي غيرت وجه الأرض. أصحاب الأرض من أبناء القرى المجاورة تدفقوا إلى هذه المدينة وقد نجحوا في بناء العمارات الشاهقة رغم أنهم فشلوا في الدفاع عن أرضهم. المدينة جميلة جداً. شوارعها مستقيمة وواسعة تتوسطها أحواض العشب والورود. تحيط بالعمارات حدائق واسعة مزركشة بالزهور من كل الألوان. كل العاملين في المدينة هم من أصحاب الأرض التي صودرت: عامل البناء، عامل الشوارع، عامل الجنائن وعامل المطعم جميعهم من القرى المجاورة التي فقدت أراضيها الزراعية. شعر بالقهر وأنب نفسه التي مالت لجمال هذه المدينة التي تكبر على أرض مصادرة. لو صادر اليهود الجبل هل سيراه جميلاً بعد أن يغيروا معالمه؟ وهل سيعمل لديهم؟ لا لن يقوم بذلك حتى لو مات جوعاً. اختفت صبارة الميدان ذات الثمار المكتنزة المستديرة شديدة الحلاوة. واختفت أشجار الخروب العملاقة التي كانت تنتشر في المكان. وسدت الشوارع الطريق إلى حاكورة راضي وحشرتها في زاوية المدينة. لقد غيروا معالم الأرض وألبسوها ثوباً غير ثوبها.

وصل البعنة مغموماً مهموماً. وجد بَنّاءاً عاطلاً عن العمل. لكنه لم يوافق على إتمام عمل بدأه غيره. شرح له صاحب الجبل تفاصيل ما حدث وأوضح له أن البَنّاء هو الذي ترك العمل وأخل بالاتفاق غير المكتوب بينهما. بعد الكثير من التردد وافق البَنّاء وطلب منه أجراً أقل بكثير مما كان يتوقع فوافق وناوله مبلغاً بسيطاً كدفعة أولى قبل أن يبدأ العمل. سر الرجل كثيراً ووعده أن يبدأ عمله في الغد.

بعد أسبوع من العمل المتواصل كان السقف جاهزاً للصب فقام صاحب الجبل بدعوة رجال القرية للمساعدة. في مثل هذه المناسبات لا يتخلف أحد. الجميع يشارك حتى لو لم يكن على علاقة طيبة بالداعي. جاء الكثيرون ومعظمهم يحمل الطواري والكريكات لخلط الماء بالرمل والاسمنت والحصى التي جمعها صاحب الجبل من المحجر المجاور. خلال ساعات كانت أكوام الباطون جاهزة فشكل الرجال سلسلة فيما بينهم لرفع ما خلطوه إلى السقف. بدءوا العمل في ساعة مبكرة وكان صراخهم وصيحاتهم تملأ الفضاء. مالت الشمس إلى المغيب فبدأ التعب يسيطر على الرجال فخفتت أصواتهم وبطئت حركاتهم. مما اضطر صاحب الجبل أن يوزع عليهم اللحم المشوي الملفوف بخبز الصاج كترويقة كما اقترحت عليه زوجته التي كانت مع بعض النساء تحضر مناسف العشاء احتفاءً بالمناسبة. كان السقف واسعاً فلم يكتمل صبه قبل المغيب. تعب الرجال ولكنهم شعروا بنشوة كبيرة عندما أنجزوا صبه فعادت إليهم حماستهم فعادوا لترديد الأغاني والأهازيج. ظل ذلك اليوم الذي جمع معظم رجال القبيلة يوما يذكر لفترة طويلة.

حقق صاحب الجبل حلمه وأصبح يملك بيتاً كالقلعة في قمة الجبل. بيت له أساسات وجذور ضاربة في أعماق الأرض. لكنه لم يتنازل عن الخيمة. فهي بالنسبة له المجال المفتوح والمدى المطلق. ويقال أنها جزء لا يتجزأ من الاتفاق مع الغولة وعائلتها. فيها الدفء ممزوج بالبرد. تَرُدُّ الأمطار ولا تحجب السماء. فيها يمكن سماع موسيقى المطر بصفاء، ممزوجة بحفيف وهمس الأشجار أثناء استحمامها. الخيمة هي الحرية المطلقة قبل دولة اليهود. لكنها مع هؤلاء القوم أصبحت القلق والهواجس والخوف من المجهول. أصبحت بحاجة إلى بيت من الاسمنت والحجر قربها يسندها ويقويها. لكنها تظل أفضل منه لأنه يفصل ساكنيه عما حولهم. يمنع عنهم هدير العاصفة وحفيف الأشجار وضجيج المطر. وفي بيت الحجر لا يمكن إشعال النار لأن دخانها سيظل داخله ولا يتسرب كما يتسرب من مسامات الخيمة. في بيت الحجر لا يمكن رؤية القمر في السماء. لذلك قرر صاحب الجبل أن يواصل العيش في الخيمة ليظل في تواصل مستمر مع الطبيعة من حوله. لا يريد حواجز بينه وبين الرياح والأمطار وزقزقة العصافير.

هذا البيت في القمة لفت الانتباه لصاحب الجبل أكثر. فتح عليه مزيداً من العيون وأبقاه حديث كل من في القرية وما حولها. كيف استطاع هذا البدوي المتنقل من الاستقرار على هذه القمة والسيطرة عليها؟. لماذا لم يستقر كباقي أفراد قبيلته في الوديان المجاورة؟. في الوديان يتوفر الدفء والتربة الخصبة. أما القمم فهي مضرب الرياح والعواصف. والحياة فيها أصعب من الحياة في الوديان. صاحب الجبل عانى الأمرين من البرد الشديد والعواصف العاتية وخصوصاً العواصف الباردة القادمة من الشرق ومن الشمال. وللتغلب عليها اضطر لتهريب مواشيه إلى الأماكن التي لا تصلها. فعندما هبت العواصف الشرقية لاذ بقطعانه إلى سفوح الجبل الغربية واستمتع بصفيرها وهي تضرب سفوح الجبال المقابلة. وعندما نشبت العواصف الشمالية هرب مع ماشيته إلى سفوح الجبل الجنوبية.

كان الكثيرون من أفراد القبيلة يتابعون تحركات صاحب الجبل ويبثون حوله الإشاعات. كانوا يحسدونه رغم أن حياته كانت أصعب بكثير من حياتهم. اتهموه بالثراء رغم انه أفقرهم. ولكثرة ما اتهموه صار لا يشعر بالفقر حتى عندما لم يجد قوت يومه. اتهموه بالتهور والشجاعة رغم أنه لم يقتل ثعلباً في حياته. واتهموه بالحنكة رغم انه ارتكب الكثير من الأخطاء التي كان بإمكانه تحاشيها.

قبل أن يبدأ ببناء بيته فوق القمة كان سالم ابن أخيه قد تزوج من فتاة شقراء كانت أول زوجة من خارج القرية. شارك صاحب الجبل في الجاهة التي خلّصت الحكي بهذه الفتاة وكان من بين من شاركوا في الفاردة التي جلبتها أيضاً. لم يقصّر مع ابن أخيه. يقولون في القبيلة أنه لولا مشاركته في الجاهة لما وافق والدها على تزويجها من سالم فقد قال عنه أمام الجاهة أنه يشبه الثعلب. لم يكمل مقولته حتى تحركت دماء صاحب الجبل فهب للدفاع عن ابن أخيه. قال لوالد الفتاة: “ولكن سالم أسد من بيت أسود. يكفي أنه يجيد القراءة والكتابة وليس أمياً مثلك”. كان والد الفتاة يعرف مدى تعلق سالم ببنته فأراد أن يتدلل ويتبغدد ويهينه قبل أن يوافق على زواجه منها. لكن صاحب الجبل كان له بالمرصاد فشعر أنه سيهينه أكثر في حال تطاوله أكثر على سالم. دفاع صاحب الجبل عن ابن أخيه لم يجعله يحبه. حتى ولا قلل من كرهه له. هذا الكره الشديد نقله لزوجته سهام بعد زواجهما. بين الحين والآخر ذكّرها أن عمه صاحب الجبل أهان والدها أمام الجاهة وقال عنه أنه أمي لا يجيد القراءة والكتابة. تشربت سهام بكره صاحب الجبل قبل أن تراه. وعندما زارهما ذات مساء ليُسمعهما حكاياته عن عنترة العبسي وأبي زيد الهلالي كما اعتاد أن يفعل مع بقية الأسر في القبيلة لم يغير ذلك شيئاً من كرههما له. لكن سهام كانت لطيفة معه وابتسمت وهي تصغي لحكاياته الشعبية. أما زوجها فظل متجهماً ولم يستطع الابتسام. صاحب الجبل يزور كل الأسر في القرية ويتصرف وكأن الجميع يحبه ويريد الاستماع لحكاياته. يسمع حكيهم عليه فلا ينتبه لما يقولون. لا يكترث بالإشاعات ولا يهتم بتلون وتبدّل وجوه الناس من حوله. ربما كان مشغولاً في داخله بهذه التَغَيّرات التي تجتاحهم وهم لا يشعرون. وربما رأى أن كل الأمور تافهة أمام ما حل بشعبه. ما أقلقه أن كل شيء يتغير بسرعة لا يمكن متابعتها ولا احد يعير انتباهاً لما يجري لأنه غارق في هذه التَغَيّرات. كأن الناس من حوله غرقوا في بحر عميق وظل هو وحيداً على الشاطئ يراقب عراكهم مع الأمواج. راقب كل شيء وأبدى رأيه فيه دون خوف ودون وجل. قال عن الذاهبين إلى تل أبيب أنهم عبيد يتمتعون بالعبودية. وقال عن دوريات الشرطة أنها كلاب ضالة تبحث عن فريسة. تابع كل ما يجري في القرية وتدبر شؤون قطعانه ورعى قططه كما يجب. حتى دجاجاته حظيت برعاية فائقة إذ قام بتحصين القن فلم تستطع الثعالب سحب المزيد منها.

لم يتوقع ولم يخطر على باله أن يأتي الثعلب إياه الذي افترس الدجاجة السوداء ويختطف واحدة من قططه الأربعة. كان جائعاً جداً فالثعالب لا تفترس القطط كما هو معروف. لكنه اختطفها ولم يتركها رغم موائها الشديد. كانت تنتفض بشدة محاولة الإفلات وهو يقبض عليها بين أنيابه التي غرسها جيداً في بطنها. حملها وولى هارباً إلى كهفه المجاور. جن صاحب الجبل وأطلق تنهيدة وقال: “جار السوء ما له أمان”. لكنه لام نفسه وشعر بالقلق والندم كيف أهمل القطط ولم يعد لها مأوى يحميها من الثعالب. كانت ابنته الصغيرة ليلى قد تعلقت بالقطط وسمّت كل واحدة منها باسم جميل اختارته لها. “شمس” “عاصفة” “شتوة” و”ربيعة”. أصاب ليلى حزن شديد عندما عرفت أن الثعلب قد اختطف شمس. بكت هي وأخواتها بكاءً مراً كاد والدهن يشاركهن فيه لولا خجله من زوجته. ظلت لأسابيع طويلة تسأل والدها: هل الثعالب تفترس القطط أيضاً؟ فيجيبها: “الثعالب لا تفترس القطط كما أعرف ولكن كيف حصل ذلك لا أدري”. فتعود ليلى إلى بكائها فيتقطع قلب والدها ويصيبه الندم الشديد. جمع قطع الأخشاب الصغيرة، المتبقية وراء البَنّاء بعد أن أخذ أخشابه التي استعملها في بناء البيت. جمع هذه القطع وعمل منها غرفة صغيرة لها باب يمكن إغلاقه جيداً. أوصى ليلى أن تدخل القطط إلى هذه الغرفة الصغيرة لحمايتها من الثعالب حتى تكبر وتستطيع الدفاع عن نفسها. قامت ليلى بتزيين بيت القطط بالأزهار الطبيعية التي قطفتها من المكان.

في أواخر فصل الربيع باع الفطمة من الخراف والجديان وركب النوافذ والأبواب الخشبية لبيته. كل من في القرية تساءل من أين جاء صاحب الجبل بثمنها. لم تعد المواشي في نظرهم مصدراً للمال. الجميع نسي فضلها عليه وقرن الحصول على المال بالعمل في تل أبيب وفي كرميئيل. وبما أن صاحب الجبل لم يذهب مع الذاهبين إلى تل أبيب فمن أين له بالمال؟. كانت دوريات الشرطة الخيالة تجوب القرية بين الحين والآخر بحثاً عن مهربي التبغ وتجار ورق السجائر. كان أفرادها يستمعون لحديث الناس وما يتناولونه من حكايات وإشاعات. سمعوا أحاديث النساء عن صاحب الجبل وثرواته التي لا يعرف أحد مصدرها. أفراد الشرطة نقلوا هذه المعلومات إلى الشويلي ضابط شرطة المنطقة فاستشاط غضباً وأعطى الأوامر بتشديد المراقبة على صاحب الجبل. شعر الشويلي أنه بحاجة لمساعدة أبناء القرية لرصد تحركاته ولضبطه متلبساً ببيع المهربات من تبغ وورق سجائر. طلب من أفراد الشرطة التقرب من سالم وزوجته سهام فهما أكثر من يكره صاحب الجبل. طلب تجنيدهما لمراقبة تحركاته ورصد القادمين إلى الجبل والخارجين منه. أراد أن يعرف أين يخبئ التبغ ومن أين يحصل على ورق السجائر الشامي. الشويلي رغم انه من أصول شرقية إلا أنه لم يصدق الإشاعات التي تقول أن الغولة وأولادها هي التي تجلب له ورق السجائر من الشام بعد إغلاق الحدود.

زهرة أرسلت لصاحب الجبل من يلفت انتباهه أن رجال الشرطة يراقبونه ويخططون للقبض عليه متلبساً ببيع التبغ أو ورق السجائر. قال للطفل المرسال:”قل لزهرة يفرجها الله”. لماذا يطاردونه؟ لماذا يمنعون المزارعين من بيع التبغ للمدخنين؟ ما تدفعه شركة “دوبك” ثمن التبغ الذي تشتريه منهم لا يسد تكاليف إنتاجه. هل رجال الشرطة موظفون عند هذه الشركة التي لا تعرف الرحمة؟ لماذا لا يأتون عند استلامها لقوالب التبغ المكبوسة ليشاهدوا كيف يقوم رجالها بخصم ثمن ثلث الكمية التي يستلمونها وأحياناً أكثر من ذلك بكثير بادعاء رداءتها. يدّعون أن التبغ رديء ولكنهم يأخذونه ويبيعونه في علب فاخرة بأغلى الأثمان. إنه الاستغلال والجشع. لذلك يقوم صاحب الجبل وغيره من مزارعي التبغ ببيع الجيد من غلتهم للمدخنين مباشرة. يحاولون تعويض تعبهم وشقاءهم والانتقام من هذه الشركة أيضاً. شعر صاحب الجبل بانقباض في صدره. ماذا تريد الشرطة منه؟ لماذا لا يتركونه وشأنه في هذا الجبل الذي اختار العيش فيه ليكون بعيداً عن الناس. يراهم فقط عندما يريد. وعندما يشمئز منهم يعتكف في جبله لأسابيع طويلة بعيداً عنهم وعن قرفهم. أبناء القبيلة تغيروا كثيراً. باعوا قطعانهم وهجروا أرضهم. صاروا يشترون كل شيء من الدكان: الحليب والبيض والفواكه والخضروات. سنوات اقل من أصابع اليدين تمكنت من قلب الموازين وخلخلة كل شيء؟ كيف حصل ذلك؟ من كان لا يملك قوت يومه صار غنياً بين ليلة وضحاها ومن كان غنياً أباً عن جد صار بالكاد يستر حاله؟ الحكومة تقرر إقامة مجلس محلي لإدارة شؤون القرية. وتعيّن سالم رئيساً له. مختار القرية نزح مع النازحين عام النكبة فتضعضعت الأحوال من بعده وتزعزعت أمور كثيرة. فظهر سالم ليسيّر أمور هذا ويعرقل أمور ذاك وفق مقاييس خاصة لا يفهمها إلا هو. ما إن جاءه التعيين حتى جمع من حوله مجموعة من الرجال العاطلين عن العمل كلجنة معينة. بين ليلة وضحاها أصبح سالم زعيم القرية. ومن لم يذهب من رجال القرية للعمل في كرمئيل أو في تل أبيب انضم إلى جماعته طمعاً بعمل أو وظيفة أو لقضاء وقت فراغه.

لم تعد تل أبيب وحدها هي التي تجذب الباحثين عن عمل، فها هي كرميئيل أيضاً تكبر بسرعة فائقة. من لم يذهب للعمل في تل أبيب ها هو يذهب إلى كرمئيل القريبة. بالأمس سألت ليلى والدها صاحب الجبل لماذا لا يجلب لها ولأخواتها الحلويات كما يفعل آباء الأطفال الآخرين. وسألته أيضاً لماذا صديقتها تلبس ملابس أجمل من ملابسها وهل كل الملابس في كرميئيل جميلة؟

العاملون في تل أبيب وكرميئيل تغيروا وصاروا يجلبون الفواكه والحلويات والملابس لعائلاتهم كل أسبوع إن لم يكن كل يوم. أما هو فما يزال يفعل ذلك في الأعياد أو في المناسبات فقط. زوجته وبناته بدأن يشعرن بالغيرة من بنات ونساء القرية. بدأن يشعرن أنهن أقل منهن حظاً وما ذلك إلا بسبب عناده وتعنته ورفضه التخلي عن مواشيه وأرضه والذهاب للعمل في تل أبيب أو كرميئيل؟ من أين له بمزيد من القوة ليواجه كل هذه الكوارث. البلاد ضاعت كشربة ماء. نهبوا قطيعه وتركوه على الحديدة ليجوع ويعرى هو وعائلته دون أن يلتفت إليهم أحد. يطاردونه للقبض عليه متلبساً ببيع الممنوعات. بالأمس القريب قتل أم لأربعة صغار رُضَّع ولا يدري إن كان الله سيغفر له ذنبه. جمال عبد الناصر يتورط في حرب اليمن ولا يبدو أنه سينتصر فيها. وها هن بناته وزوجته أصبحن يتذمرن منه ولم يعدن يثقن برأيه. بالكاد تمكن من بناء بيت ليس أكبر من بيت ذلك الفقير الجائع الذي ذهب للعمل في تل أبيب فأصبح من أغنياء القرية. ماذا ينتظر؟ لو حمل زاده وركض مع الراكضين إلى تل أبيب أو كرميئيل لوفر على نفسه وعلى عائلته كل هذا العناء والحرمان. سأل نفسه فجأة لماذا لم يعلّم بناته؟ لماذا استغلهن لمساعدته في رعاية مواشيه وفي الأعمال الزراعية التي لا تنتهي والتي بالكاد تغنيه عن الجوع؟ هل أخطأ حقاً؟ بدأت هذه الأسئلة تلاحقه لكنه ظل عاقداً العزم ألا يترك الجبل. فعين اليهود عليه. ستتغير الأحوال. لن يستمر الوضع بهذا الشكل. سيأتي عبد الناصر ويعيد هذه البلاد لأصحابها. أما هو فسيعلم اليهود درساً في التسامح. سيحمي أصدقاءه اليهود ويعلمهم أن المظلوم إذا أفرجها الله عليه لا يظلم. لن يعطي المجال لأحد بأن يمسهم بمكروه. خصوصاً أبرهم الحيفاوي. إنه إنسان طيب. ساعده كثيراً عند فرز الأرض. ساعده في تطويب كامل كرْمُه في قمة الجبل. عندما جاء أبرهم لمسح الأرض ورأى أشجار الزيتون وأشجار المشمش والأجاص بينها التفت إليه وقال له: “تعبت كثيراً على هذه القسيمة. سأسجلها لك بكاملها. لن أصادر شيئاً منها فأنت ابن الدولة أيضاً”. لم يصدق صاحب الجبل أذنيه فانقض على ذلك اليهودي واحتضنه وقبله. لأول مرة يسمع انه ابن الدولة. كم حلم أن يكون ابن دولة. لو كان له دولة لوزع الحلوى على الأطفال. لأطعم الجياع ولسمح للفلاحين ببيع التبغ وورق السجائر. قال له بتأثر شديد: ” أنت أخي”. فأجابه اليهودي: “كلنا أخوة”. دعاه إلى خيمته وسقاه من قهوته السادة. هل كثيرون هم اليهود أمثال أبرهم؟ اليهود شردوا الفلسطينيين. دمروا قراهم. نهبوا بقراته. صادروا معظم الجبل ومنعوه من فلاحته. قالوا أنه مناطق صخرية. العربي لا يملك الصخور لأنها أملاك دولة. هكذا قال له شموليك الذي جره إلى المحكمة المركزية في حيفا. وهو لا يعرف كم هو متعلق بهذه الصخور. اتهمه باستعمال أراضي الدولة دون إذن منها. أجبره أن يسافر إلى حيفا لأول مرة في حياته. لم يسافر إليها في طريقه للعمل في تل أبيب كأبناء بلده بل سافر إليها متهما بالاعتداء على أملاك الدولة. قالوا له أن يسأل عن شارع حسن شكري. كان مرتبكاً ومقهوراً. هل هو الذي يعتدي على أملاك الدولة؟ أليست الدولة هي التي اعتدت عليه وعلى أملاكه؟ أليست الدولة هي التي اقتحمت خلوته وقضت مضجعه وتحاول تجريده من الجبل الذي عاش فيه والده وأجداده؟ سيقول ذلك للقاضي. سيقول له أن الدولة هي التي اعتدت عليه. وهي التي تحرمه هداة البال. القاضي يجب أن يعرف الحقيقة. يجب أن يعرف أن شموليك كذاب وحاقد ويكره العرب. لكن القاضي لم يسمعه. طلب منه أن يجيب على الأسئلة فقط. سأله منذ متى يفلح هذه المناطق الصخرية التي جعلوها قسائم وأعطوها أرقاماً. أجابه منذ أمد بعيد. أراد أن يقنعه أن هذه الأرض هي أرضه. لكن القاضي فرض عليه تعويض الدولة عن هذا الاستعمال كل هذه السنوات الطويلة. فرض عليه مبلغ مئة وسبعين ليرة. لماذا قال له منذ أمد بعيد؟ لماذا لم ينكر التهمة؟ شعر بصداع شديد. عاد من حيفا ولم يتناول صحن حمص أو قطعة حلوى كما كان يخطط. عاد ناشف الريق منقبض الصدر. انتصف الليل واقترب الفجر ولم يستطع النوم. من أين جاءه كل هذا الوسواس؟. من أين جاءه هذا الشعور بالندم؟ لا يدري على ماذا يندم ولكنه يشعر بالندم الشديد. يشعر بالحسرة على ما مضى من عمره. حسرة جلبت المزيد من الانقباض الشديد إلى صدره ومنعته من أن يردد العتابا وهو مستلق على ظهره ومسدلاً اللحاف على وجهه كما اعتاد أن يفعل في ليالي الشتاء الطويلة كلما أصابه القلق ولم يستطيع النوم. لا شك أن الله يعاقبه على قتله لقطة بريئة وتيتيم صغارها. منذ ذلك اليوم أصابه النحس. البَنّاء ترك البيت ولم يكمله. وعبد الناصر تورط في اليمن. ودورية الشرطة كادت تضبطه متلبساً ببيع التبغ. ومرض مرضاً شديداً. ونفقت بقراته. هل الله يعاقبه على خطيئة قتل القطة أم على إهماله لزهرة التي تحترق بنار حبه؟ إنه العقاب على خطيئته بحق زهرة. يجب أن يتزوج منها فهي تنتظره منذ فترة طويلة. الله أباح ذلك. زوجته ستغضب ولكنها بعد وقت قصير ستقبل بالأمر الواقع وسيزول غضبها. زهرة ستنجب له ذكراً يرثه ويحمي الجبل من بعده من طمع اليهود. سيكون سنداً لأخواته وسيحمل اسمه. لو أصابه مكروه سيضيع اسمه ويضيع الجبل. هل حقاً يريد الزواج من زهرة لينجب ابناً، أم لأنها أجمل من زوجته؟. عيناها أجمل من عيني زوجته وقوامها أجمل من قوامها. تململ تحت اللحاف وقرر أن يراها في الغد. سيذهب لزيارة والدها وعندما تقدم لهما التضييفات سيلمس يدها. لا، لن يفعل ذلك. فإن رآه والدها ماذا سيقول عنه أو كيف سينظر إليه. شعر برغبة حادة بملامستها. بضمها إلى صدره واحتضانها. إن لم يفعل ذلك ربما تفقد الأمل وتقع في حب غيره. سيلامس يدها ليعطيها شحنة من القوة لتنتظره ولا تحب رجلاً آخر. لو واصل إهمالها فسيميل قلبها لغيره وتنساه.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق