ثقافة السرد

“حِيرَةٌ”..

دكتور السيد إبراهيم أحمد

عند زواجه الأول وضع شرطًا أمام من ستصبح زوجته أنه لا يريد منها أن تفكر مجرد تفكيرٍ في أن تعمل أبدًا، ووعدته بذلك غير أن تأخرها في الإنجاب، والتحاق أكثر صديقاتها بأعمال مختلفة.. وانشغالهن عنها .. وحكايتهن لها عن العمل والرواتب التي يحصلن عليها جعلها تتراجع عن وعدها له وتفاتحه في الموضوع رجاء الموافقة، فكان الرفض منه .. والإصرار منها ثم تطليقه لها، ليصبح وحيدًا في بيته التي غادرته الزوجة التي لا حق لها في الاحتفاظ به لأنها لم تنجب بحسب القانون.
كانت أمه تراقب صمته ووحدته في صمتٍ أيضا، لكنها حين علمتْ أن مطلقته خُطبتْ وتستعد للزواج جن جنونها وأمرته أن يكون هو البادئ بالزواج قبلها وفي فترة قصيرة دون خطوبة ومقدمات..
حاول أن يسترضيها ويستمهلها لكنها أصرت؛ فقد صار من المناسب أن يتزوج بكرًا، غير أنه نصح أمه ـ في رفقٍ ـ أن الفتيات يفضلن دومًا الزواج من رجل لم يسبق له الزواج أو حتى الارتباط قبلهن، لكنها رفضت منه هذا المنطق الخائب بضراوة.
لم يمر غير وقتٍ قصير حتى كان كلامه هو الأصوب؛ فلم تفاتح أحدًا من جاراتها أو صديقاتها لقترانه ببناتهن إلا ورفضن عبر مبرراتٍ شتى إلا صديقة منهن وافقت بابنها لابنتها الجميلة المطلقة بعد زواج لم يدم طويلا لسوء سلوك زوجها السابق والناس تعلم خلقه، كما تعلم صديقتها مدى صدقها.. ودعتها للزيارة:
ـ مر زمنٍ طويل لم نلتقِ.. والموضوع سيبقى سرًا بيننا.. حتى ابنتي لن أخبرها بزيارتك أو الغرض منها لتبدو الأمور في إطارها الطبيعي..

كان التفكير عليه ثقيلا لأنه سيوضع موضع مقارنة مع زوج سابق في موازين كثيرة، بينما كان التفكير يقتلها فيما لو كان في مثل أخلاق مطلقها فماذا ستفعل وتبرر لأهلها والناس؟! سيقولون أنها السبب في فشل زواجها الأول وبالتالي ستنتهي كل فرصها في زيجةٍ ثالثة، هذا غير كلام من سيشمتون بها سواء من داخل العائلة أو من خارجها، الأفضل أن ترفض وتختلق الأعذار..
كان نفس التفكير يشغله وهو يقلب صفحات أيامه مع زوجته التي ارتبط بها لخمسة أعوام غير عام خطوبة وكان لها نعم الزوج الحنون الودود، وهكذا كانت نهايته! إذًا عليه أن يبدأ بداية جديدة ملؤها الحزم والعقاب على أهون سبب.. فليس أمام الزوجة الجديدة أو المطلقة سابقًا غير الامتثال والخضوع له، لأنها ستفكر مئة مرة في طلب الطلاق أو وقوع الطلاق عليها، لأنهم سيقولون حتما: (طُلِّقَتْ مرتين).
كم سيكون خسيسًا أو نذلًا أو حقيرًا فيما لو لجأ لمثل هذا التصرف.. فما ذنبها؟ لماذا تكون هي المسئولة عن الفشل وحدها؟!
ـ لماذا أقيس تصرفاتها على مطلقتي لأخرج بنفس النتيجة وأعاملها معاملة فيها من انتهاز الموقف لصالحي وأضغط عليها .. ربما ـ بل أكيد ـ سأكون أنا من ظلمها فوق ظلمها، ماذا لو تصورتني بأنني أيضا مثل مطلقها وقاستني عليه؟ ستكون ظلمتني أيضا.
ستقبل الزواج منه بعدما تختبر أخلاقه وتسأل عنه وعن سبب انفصاله عن زوجته..
ـ قد أكون مخطئة في حكمي عليه، الغريب أنني مطلقة ومظلومة وأحكم على رجل مطلق بحكم المجتمع ونظرته..
هكذا حدثت نفسها بينما كانت تعد المأكولات والمشروبات عند زيارته لبيتهم ومعه والدته، فقد كان والده متوفيا، بعدما عُرِضَ الأمر على أبيها.
ـ سأتقدم للزواج منها، وسأسمعها، وسأترك لعقلي أن يحكم ويقارن، ثم أن لي نظرة في الناس ولن أُخدَع هذه المرة، لماذا أحكم على مطلقة وأتهمها وأنا مطلق مثلها..
أعد الهدايا التي سيحملها معه عند زيارتهم ومعه والدته التي كانت في حالة متأرجحة بين الحزن والفرح .. حَيْرى..
ما كادت تقدم له طبقه من الحلوى حتى نظر إليها وأعجبه التزامها وأناقتها، نظرت إليه فوجدته سمحًا يبدو على ملامحه الطيبة والرجولة، كانت أمها متلهفة على الموافقة والإتمام، بينما والدها يبدو عليه التماسك غير أن عينيه كانت تنتقل حائرة بين الشاب المتقدم لابنته، وبين ابنته ونظرات والدته، ثم زوجته، وكذلك كانت والدة الشاب تبتسم ابتسامة خفيفة بينما نظراتها تدور في المكان والوجوه.. وكانت تختلق الحديث مع أم العروس لصداقتهما القديمة.. ونظرت لابنها نظرة رضا وتوسل أن لا يصدمها بالرفض وتخسر صديقتها..
أحس أنه الميناء الوحيد الذي يجب أن ترسو عليه قوارب تلك القلوب الحيرى: مصيره ومصير الفتاة، ومستقبلهما معا، نظر إلى والد العروس وقد دخلت قلبه سكينة لا يدريها:
ـ يا عم.. لقد سألتم عنا.. وسألنا عنكم.. ووجدناكم على خير.. وهذه ابنتكم ستكون سيدة بيتها، ومتوجة على قلبي.. أرعى الله فيها كما أمر ديننا.. على بركة الله..
وكأن صخرة جرت من أعلى الصدور ثم هوت على الأرض لتتفتت ذرات رمال.. بينما كان يتردد في نفسه سؤال:
لماذا تكون البداية الجديدة صعبةٌ دومًا؟ وأجاب: لأنها تعكس الخبرة، والنضج، والتأني، والحذر.. ولا تعترف بعثرات، وبراءة، واندفاع البداية القديمة!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق