قراءات ودراسات

شروط النهضة وعوائقها في منطق مالك بن نبي

أحمد شحيمط*

المشكلة المركزية التي استحوذت على تفكير المفكر الجزائري مالك بن نبي هي مشكلة الحضارة، يتأمل في التاريخ والواقع الاجتماعي ويستنطق افكار الأمم في تقدمها وإقلاعها، ويعتبر أن الحضارة إفراز للطاقة والفعالية البشرية، من عالم الأفكار تتولد الحضارة. ومن روح الثقافة تبنى، تترسخ في النفوس والعقول وتصبح نظاما اجتماعيا يؤسس للفرد والجماعة ، وتزداد شبكة العلاقات الاجتماعية قوة، وتتراجع الغرائز الهدامة للتواري مفسحة المجال لسلطة العقل والقيم الأخلاقية النبيلة. فالحضارة هي الحاضنة للتطور والعامل الذي يساهم في إشاعة العلم والثقافة، مواصفات الحضارة تستدعي الانطلاقة من جديد في دورة مغايرة عن السابق وفي العودة للريادة، وأن شروط بناء الحضارة لا تنبثق من عوامل خارجية في استيراد النماذج الجاهزة في السياسة والثقافة ، والأمثلة الحية من النهضة اليابانية ، ومن تطبيق إندونيسيا للفلسفة الألمانية في البناء والحضارة التي انتهت للفشل لأسباب تتعلق بطبيعة الاختلاف بين المجتمعات، هنا يدعونا بن نبي للتفكير من قلب الثقافة والحضارة التي تولد مرتين ، المرة الأولى في تقبل المجتمعات للفكرة الدينية .والثانية في انطباع وترسيخ الفكرة في النفوس والعقول. فالفراغ الذي وجدته الفكرة الإسلامية في النفوس العربية العذراء التي لم تنشأ فيها ديانة أو ثقافة سابقة (1)، يعني أن الدين مكون أساسي لكل نهضة، ناهيك أن مالك بن نبي في تأملاته لسقوط أو نهضة الحضارات يعتمد كذلك على التفسير التاريخي والاجتماعي، رواسب من فكر ابن خلدون وتوينبي وشبنغلر، وإلمام بالنظريات الاقتصادية والاجتماعية. وقراءة تجديدية للعالم الإسلامي على ضوء فلسفة العصر. الدين يشحن العوامل الثلاثة بالطاقة والقوة، وهي الإنسان والتراب والوقت. فالنهضة عند بن نبي تصفية للعادات والتقاليد والإطار الخلقي والاجتماعي من رواسب الماضي الضارة وبناء لفكر جديد هو الفكرة الإسلامية الصافية التي تخطط للمستقبل، وقد اشتغل على الهدف الأول الاصلاحيون أمثال محمد عبده وعبد الحميد بن باديس (2)، بوادر الحضارة الإسلامية الأولى يرصدها بن نبي ويعتبرها تجربة نقية صافية، مراحل من النشأة والقوة ثم الضعف أو بالتعبير الأدق يقسم مالك بن نبي الحضارة إلى ثلاثة أقسام : مرحلة الروح ومرحلة العقل ومرحلة الغريزة . تصنيف ثلاثي للحضارة، وما بعد الحضارة كمرحلة للتراجع والانحطاط، الميلاد، يعني النشأة والقوة والعقل، يعني القيادة والتحكم والكبح للميولات الهدامة في وحدة الشعوب، والغريزة نتيجة طبيعية لفقدان وظيفة العقل الاجتماعية، وانطفاء التوتر الذي زرعته الفكرة الدينية في النفوس. فالحضارة تبدأ قوية مندفعة عندما تسيطر الروح أو العاطفة الصادقة والشعور الجماعي القوي لتنفيذ الفكرة ، وهذه الروح تضبط الغرائز الدنيوية، تم تبدأ مرحلة قطف ثمار هذه الحضارة، من التمدن وازدهار العلوم والفنون(3)، عوامل أخرى مساهمة في تحقيق الفكرة، منها الإرادة والحرية والوحدة بين الفكر والسياسة، بين الإنتاج والرغبة في التطور. فالمسلم في عالم الاقتصاد والمال والأعمال، المسلم في عالم الفكر وامتلاك أفكار ذات مصداقية وفائدة، والمسلم في المجتمع فاعلا ونشيطا وديناميا للتغيير وميلاد مجتمع جديد ، والمسلم المنفتح على الآخر الإفريقي والأسيوي والأوروبي… مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته ، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية ، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها (4)، يعني أن الأزمات ليست بالتمام خارجية في تحميل المسؤولية على الآخر. في نسف جهود النهضة. الأزمة ذاتية بامتياز، بناء معتل ومريض، وانحطاط اجتماعي وأزمات نفسية تستوجب التغيير للذات ، وعدم استيراد الأفكار القاتلة من حضارات أخرى واعتبارها نماذج مثالية في التقدم .
إن الحضارة ليست شيئا يأتي به سائح في حقيبته (مع أن صورة السائح لا تورط مفهوم الحضارة مثلما تورطه صورة المستعمر) لبلد متخلف كما يأتي بائع الملبوسات البالية … بل إن ابن المستعمرات هو الذي يذهب إلى الحضارة، إلى مصادرها البعيدة، وقبل كل شيء إلى مصادرها الأقرب من أصالته . وليست الحضارة في نية المستعمر، ولو صحت هذه النية بل هي نتيجة الجهد الذي يبذله كل يوم الشعب الذي يريد التحضير(5)، وهذا يدل على صعوبة تطبيق النماذج والاختيارات في السياسة والاقتصاد داخل مجتمع يكابد الأزمات والمشاكل، والحاجة للتفكير من روح الثقافة والحضارة التي أنتجت ذلك المجتمع، ببساطة أن نكون ليبراليين واشتراكيين، والمجتمع لا يستوعب هذه الأفكار والنظريات، لأنها إنتاج غربي، تربى عليها الإنسان مند عقود، ولذلك جاء الاستعمار بفكرة التحديث وتعميم النموذج الغربي في الإدارة والسياسة والاقتصاد إضافة إلى سياسة النهب والبقاء، مجتمعاتنا أصابها الضعف والهوان، أشكال من الإفلاس الروحي والمادي يوازيه الخمول في العمل وأداء الواجب. لقد أصبحنا لا نتكلم إلا عن حقوقنا المهضومة ، ونسينا الواجبات ، ونسينا أن مشكلتنا ليست فيما نستحق من رغائب، بل فيما يسودنا من عادات، وما يراودنا من أفكار، وفي تصوراتنا الاجتماعية ، بما فيها من قيم الجمال والأخلاق ، وما فيها من نقائص تعتري كل شعب نائم (6)، مظاهر من الحياة العامة في البلاد الإسلامية توحي أن المطالبة بالحقوق وقائع يومية تنسينا أن علينا واجبات، في المقابل فان الفكر الغربي اهتم بالإنسان الفاعل والمنتج والذي أسس للقيم العقلانية وأوجد الدولة كأرقى الأشكال التنظيمية حسب الفيلسوف هيجل، كان حريصا على بناء الفرد والمجتمع مع العناية بالواجب، الذي يمليه الضمير الأخلاقي والضوابط القانونية ، نابع من سلطة أخلاقية روحية وقانونية زمنية ، هذا الواجب المبني على الحرية والإرادة دفع الحضارة الغربية نحو التقدم عندما جمع الإنسان بين المطالبة بالحق وأداء الواجب، ومن يقرأ عميقا في الفكر التعاقدي أو في فلسفة كانط وهيجل سيعثر على المعنى الواسع والمتعدد لمفهوم الحق والواجب، ومن يتأمل في أسباب انحطاط الحضارة سيدرك لا محالة أن جوهر المشكلة هو مشكلتنا العقلية، ونحن لازلنا نسير ورؤوسنا في الأرض، وأرجلنا في الهواء ، وهذا القلب للأوضاع هو المظهر الجديد لمشكلة نهضتنا (7)، هذا القلب وعدم الاستواء بطرق صحيحة يترك تأملات بن نبي في استيعاب مدى الأسباب التي أدت إلى ميلاد الحضارات وأفولها، هنا يستثمر بن نبي ثقافته الواسعة من العلوم الإنسانية والتاريخ ليعيد التفكير في فلسفة الحضارة، وشروط قيامها وفق عناصر مركزية تتعلق بمشكلة الإنسان. ومشكلة التراب ومشكلة الوقت، تقسيمات جديدة في المعنى والدلالة إلا أنها تنم عن سيرورة الحضارة واستثمارها للعوامل الثلاثة في التقدم، إيمانا بالدورة الحضارية، وعامل التاريخ في الصعود والتراجع، تصنيفات مترابطة الغايات رأسها الإنسان الكائن الأسمى في الوجود، الكائن الذي يعشق الحرية والتجديد، الذي كرمه الحق للغايات النبيلة، العبادة والعمل واعمار الأرض، الإنسان العاقل والمفكر الذي أبدع نماذج وفق حاجته. لا يستبعد بن نبي الفكرة الدينية التي اخدت مكانة في التقبل، قلوب لازالت على الفطرة، ومما هو جدير بالاعتبار أن هذه الوثبة لم تكن من صنع السياسيين ولا العلماء الفطاحل، بل كانت بين أناس يتسمون بالبساطة ، ورجال لا يزالون في بداوتهم، غير أن أنظارهم توجهت في تلك اللحظات إلى ما وراء أفق الأرض، أو إلى ما وراء الأفق القريب ، فتجلت لهم آيات في أنفسهم، وتراءت لهم أنوارها في الآفاق(8)، والشروط التي تستدعي هذه الوثبة وضعها مالك بن نبي في العناصر الثلاثة: مشكلة الإنسان، مشكلة التراب، ومشكلة الوقت، وإذا عالجنا كيفية بناء الإنسان يمكن تسخير التراب واستثمار الوقت في أفق تطور الحضارة ، والمشكلة التي يعنيها مالك بن نبي تنطلق من مركزية الإنسان في الوجود ، والتراب إشارة للمادة التي تحتم على الإنسان أن يطوع الطبيعة بالمنهج العلمي الرياضي، وبالسلطة العقلية القادرة على إنتاج ما هو مفيد للإنسان في فهم قوانين الكون، والمساهمة في العمران والتشييد، والوقت تعبير عن التدبير للزمن الذي لا يمكن أن يستهلك في الأمور التافهة، الفرد مطالب بأداء الواجب والتفاني في العمل عملا بالفكرة الدينية، وعملا بفكرة الرقي بالمجتمع في تحقيق الاكتفاء الذاتي. فمشكلة الإنسان في توجيه الثقافة والتراب يعني تحصيل الثروة ، الإمكانيات والطاقات التي يتوفر عليها العالم الإسلامي، طاقات مؤهلة ومستعدة للمسؤولية، هذه الأفكار تعطينا الانطباع على تقدم بعض النماذج الحضارية في آسيا، الصين النائمة . الآن دولة صاعدة والنمور الأسيوية، العمل والتفاني وروح المسؤولية وأكثر من هذا التفكير من منطق الثقافة الأصلية وليس من ثقافة الآخر، روح العصر تعني التجديد والانفتاح، والتغيير بقواعد ثقافة البلد، الابتعاد حسب مالك بن نبي عن الأفكار المميتة والأفكار القاتلة، وتلك السموم المندسة في عقول الأفراد من علماء لا يملكون من الوعظ والإرشاد سبيلا في إرشاد الناس إلى كلمة الحق، الجهل الذي يلبسه هؤلاء من أخطر الأنواع تهديدا من جهل العوام. يدسون أفكارا هدامة أو مغلوطة، ناهيك عن السموم التي تدس في الثقافة ويتم التعبئة لها من قبل المستشرقين وبعض المفكرين المنقسمين إيديولوجيا.
النهضة ذاتية المولد، من عالم الأفكار الهادفة يتحول العالم الإسلامي، من اختيار الأفكار المستوردة إلى تجديد الفكر وفق ما تتضمن الثقافة من مبادئ وقيم روحية ومادية ورمزية ، وزيادة على هذا يمكن أن نستفيد من تجربة أوروبا ، تجربتها التي مرت بها، والتي خرجت منها إلى توجيه رؤوس الأموال وتخطيط اقتصادها ، وذلك حتى لا نقع فيما وقعت فيه أوروبا– حين تحركت فيها الآلة – من مشكلات حرية الإنتاج والتجارة ، تلك الحرية التي جاءت بالاضطرابات الاجتماعية الناتجة عن اضطهاد طبقة للأخرى (9)، اختلت العلاقة بين عالم الأفكار والأشياء والأشخاص ، وظهر التفاوت الصارخ بين الطبقات الاجتماعية، من نتائجه الثورات العمالية والقوى الاحتجاجية التي تسلحت بالماركسية كفلسفة تعيد الاعتبار للطبقة العمالية، في القيادة وتغيير الإيديولوجية السائدة المهيمنة على خيرات الشعوب، مشكلة الفردية غير قابلة للزوال، نهاية الصراع بانقسام أوروبا والعالم إلى معسكرات وتيارات بين مؤيد للتجربة الاشتراكية، ومؤيد للتجربة الرأسمالية، تشكلت حرب باردة، عبرت عن الاستقطاب، والتحرر، توحدت في فكرة المطالبة بحل مسألة الاستعمار دون التفكير عندنا في القابلية للاستعمار.وفي إمكانية دورة جديدة للحضارة، إرهاصات الأفول للحضارات، تشير الوقائع إلى بداية إفلاس الحضارة الغربية التي كان الإنسان يُعتقد أنها محملة بالأنوار والحرية للعالم إلا أن الرجل الأبيض تحول إلى مستعمر وناهب للخيرات . إذن أين نحن من صناعة الحضارة ؟
إننا في العالم الإسلامي نعاني من توجيه بوصلة الفكر إلى الأمور العملية، وغياب الوسائل المنهجية التي تغير من قراءتنا لذواتنا ، وعدم استلهام ما في التاريخ من قصص وحوادث كعبرة للناس وكقوانين تفيد في فهم الإنسان للحاضر والمستقبل، هكذا ففي قراءة كتب بن نبي نعثر على منطق بن خلدون في فهم بتاريخنا، وانهمام بالدول والأمم في نشأتها وتقهقرها، صاحب علم العمران البشري. وفلسفة التاريخ حيث عمل بن نبي في استثمار الفكر الخلدوني وتطبيقه في الواقع الاجتماعي. وما يحتاجه الفرد المسلم.
إن الذي يخطط للنهوض بالمجتمع الإسلامي يجب أن يكون لديه أفكار جد واضحة عن العلاقات الاجتماعية، فعملية بناء كيان اجتماعي ليس بالأمر السهل،لان العقد النفسية كما يؤكد العالم الأمريكي (مورينو ) هي العلاقة بين الأفراد، وليس من داخل الفرد كما يقول فرويد (10) ، لابد أن يبدأ التخطيط من الفرد والمجتمع قبل الدولة والإصلاح السياسي. تشيد الحضارة وفق مبادئ الثقافة، والفكرة الصائبة التي رفعت من مكانة الإنسان، من القواعد الرئيسية لمعرفة صحة الفكرة وسلامتها، هو مدى جريان روح الفاعلية والحيوية في عروق وشرايين الفكرة . والفكر الذي لا يتصف بالديناميكية هو فكر عقيم ومشلول الإرادة، والفكر الذي لا يحمل الإنسان المسؤولية ويحسه بقانون الواجب، هذا الفكر ينبغي أن نشك في صحته، وكم عاشت الأمة الإسلامية خلال عدة قرون مضت تحت سلطة الفكر اللامسؤول، الذي خدر الأمة، وعطل طاقاتها، وجمد إبداعاتها، وكبل انطلاقتها، وصلت إلى المستوى الذي نعاصره، وأزماته الخطيرة ومشاكله الشاملة (11)، وكأنما تحيل الفكرة إلى المعاني الشاملة التي تتضمنها، جذور الفكرة العميقة التي يتأمل الإنسان في مراميها وأهدافها جديرة بالتطبيق إذا كانت عملية، وكأن جزء من الأفكار عند مالك بن نبي متصل بمذاهب فكرية متنوعة يمنحها صبغة فريدة ولمسحة دينية، من فلسفة ديكارت يستنتج قوة المنهج الرياضي في تغيير رؤية الغرب إلى ذاته، في عملية شك جذرية لكل ما هو جاهز، والحلم في السيطرة على الطبيعة لما يمكن أن يفعله العقل عندما يسترشد بالقواعد العلمية في القيادة والحكم ، ومن التجريبية الحس التطبيقي العملي، واستنتاج ما هو مفيد في السيطرة على العالم بالعلم والمعرفة، ومن البرغماتية الفكرة التي تأتي بما هو نفعي ومفيد للإنسان شرط أن تكون المنفعة متبادلة بين الشعوب والأمم ، ومن الفكر المعاصر إرهاصات سقوط الحضارة الغربية (شبنغلر)، فإن هذا الفكر برمته ما هو إلا إعادة النظر في الحداثة ومرامي الفكر الغربي الحديث القائم على مفاهيم فلسفية ميتافيزيقية كالتطابق والمنطق والوجود والحقيقة والعقل والحرية والإرادة …
مالك بن نبي فيلسوف الحضارة ليس بالرجل الذي سافر للغرب كنزهة المشتاق أو باحثا عن اللذة والمتعة ، أو رغبة فقط في الشواهد الأكاديمية ، طموحه ولوج باب المعرفة والتعرف على حضارة الغرب لإزالة الانبهار والاندهاش الذي سقط فيه الكتاب العرب، رجعوا بأفكار تدعو للقطع مع الماضي أو منبهرة من صخب الحي اللاتيني وأنوار باريس، لكن في المقابل يعترف مالك بن نبي أن الحضارة الغربية عرفت هذا التطور منذ زمان، وما يعتبر عندنا بالعصور الوسطى المرادفة للتخلف والانحطاط فهي على العكس عصور للبحث والبناء للحضارة مند القرن الثاني عشر الميلادي. فالنتائج بدأت تتجلى في قوتها عند القرن السادس عشر في ميلاد العلم الحديث، الفكرة التي سعى العقل الغربي في ميلادها أثمرت نتائج باهرة من قيم عقلانية وديمقراطية، ومن سمو الإنسان وبسط نفوذه وسلطته على الطبيعة بالعلم والمنهج. فالتأمل في مرامي الفلسفة الديكارتية سيدرك بالفعل آليات البحث والتجديد في المعرفة التي كان منطلقها الذات وإفراغها من كل ما هو غير يقيني وغير منطقي، تحولت الأساليب والآليات من ميدان التنظير إلى المستوى العملي. فالفكرة الأصيلة تؤتي حصادها حين تغرس بذورها في التربة الخصبة، لكن التربة الخصبة يمكن أن تتحول إلى ارض جرداء.فالذي تسبب في تشتيت المجتمع الإسلامي هو تراكم أخطائه التي ابتعدت شيئا فشيئا إلى أن انقطع به حبل الاتصال بالمبادئ المؤسسة لمسيرته التاريخية، تلك هي دروس بن نبي وهي تمثل مادة تعلو بالتفكير لأعلى مستواه، لذا فهي صالحة اليوم لان تعتمد في الدراسات المقارنة (12)، الفكرة الدينية شرط بناء الحضارة والإنسان الذي انطلق من مرحلة بناء الحضارة في عالمنا من خلال مرحلتين بين البناء والركود، يصنفها مالك بن نبي ما قبل وبعد الموحدين، وقبل مرحلة الغريزة، تملك القدرة والقوة في صيانة كرامة الإنسان والاندفاع نحو عالم تتمدد فيه الفكرة، مستثمرا التراب والوقت، والانقلاب في الحضارة مرده بالأساس للنقص في مشكلة الأفكار، وإذا كان العالم محكوما بالتغير فان سنة الله في خلقه دليلا أن الحضارة تشرق من مكان إلى مكان ، في دورة طبيعية منتظمة. فهناك دائما حضارات إنسانية لكنها تنتقل من بيئة جغرافية إلى بيئة جغرافية أخرى . تبدل خلالها إلهامها الروحي، حين تستنفد طاقاتها تنتقل إلى حيث تتجدد في قوى أخرى غير مستهلكة . المؤرخون يعرفون اليوم ما يزيد عن عشرين حضارة في مسيرة الإنسانية ، لكن بن نبي يقف عند هذه المقاربة للتاريخ (13)، أي أن الرؤية للتاريخ مغايرة عن المؤرخ الذي يعتمد السرد والوصف والمناهج المعروفة في استنطاق الواقعة التاريخية لكن بن نبي يحول مادة التاريخ إلى معرفة في قراءة الشروط النفسية والاجتماعية لأجل بناء الحضارة، لا يغفل معالجة مشكلات الحضارة في اتصالها وترابطها، الإنسان والثقافة والأفكار والوقت والاستعمار وقابلية الشعوب للاستعمار، مفاهيم لا يدركها القارئ إلا إذا تعمق في نصوصه مع الغوص في شخصيته والتنوع الذي يستثمر في الفهم والتفسير، فيلسوف مشكلات الحضارة ، ولابن خلدون اليوم الذي اعترف بن نبي في مذكراته فضل المؤرخ عليه في مجال المعرفة الصائبة لواقعنا التي ظلت تنخرها العصبية والقبلية ونزعة الغلبة، يعيد بن نبي صياغة أفكاره ووضعها في سياق الواقع الحالي ، خطوة نحو بناء أسس المعرفة الاجتماعية والنفاذ لذاتية الفرد كعملية تشخيصية حتمية في معرفة أحوالنا الفكرية والنفسية .

مراجع :
(1) مالك بن نبي ” شروط النهضة ” ص55
(2) محمد شاوش “مالك بن نبي والوضع الراهن ” دار الفكر دمشق ،الطبعة الأولى 2007 ص45-46
(3) محمد العبدة ” نفس المرجع السابق ” ص 61
(4) مالك بن نبي ” شروط النهضة ” ص19
(5) مالك بن نبي ” في مهب المعركة ” دار الفكر بدمشق ، الطبعة الثالثة ،2002 ص 120
(6) مالك بن نبي ” شروط النهضة ” ص34
(7) مالك بن نبي “شروط النهضة ” 36
(8) مالك بن نبي “شروط النهضة ” ص51
(9) مالك بن نبي “شروط النهضة ” ص 113
(10) محمد العبدة ” المرجع السابق ” ص94
(11) زكي الميلاد ” المرجع السابق ” ص 125
(12)عمر بن عيسى ” المرجع السابق ” ص36
(13) عمر بن عيسى . نفس المرجع . ص40

*كاتب من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق