ثقافة المقال

ماذا يفيد الأدب؟

ترجمة عبدالناجي آيت الحاج

هذا المقال هو مقتطف من خطاب ماريو فارغاس يوسا كان قد ألقاه بمناسبة تكريمه بدكتوراه فخرية من طرف جامعة سالامانكا . الخطاب كان قد طرح فيه المؤلف ثلاث أسئلة منها هذا السؤال . نعرضه هاهنا لأهميته -المترجم- .
هذا سؤال لا يطرحه أعداء الأدب والقراء فحسب ، و إنما الكتاب أيضًا. عندما كنت شابا ، وقد اكتشفت مهنتي ككاتب ، إبان عصر الوجودية و سنوات الأدب الملتزم. كنا نؤمن جميعنا بأن الأدب يفيد. و البعض كان يراه بمثابة مظهر من مظاهر النضال السياسي. على سبيل المثال ، الشيوعيون الذين آمنوا بالواقعية الاشتراكية كسلاح مقاتل في الثورة العالمية ، وأنه من خلال الأدب ، يمكن للمرء أن يشرح ماهية الصراع الطبقي. لكن الأدب الأكثر التزاما كان لديه خيار آخر أكثر ذكاءً وأكثر ثراءً وإقناعًا ، وهو ما أوضحه سارتر في مقاله “ما هو الأدب؟” ، والذي ، في اعتقادي ، قد أثر بعمق كبير في كتاب جيلي. بالنسبة لي بالطبع ، فقد نقشت في ذهني رؤية للأدب ، على الرغم من أنني ابتعدت كثيراً عن أفكار سارتر منذ ذلك الحين ، إلا أنها لا زالت عالقة في ذهني. فكرة سارتر هي أن الأدب لا يمكن أن ينفلت من زمنه بأي شكل من الأشكال وأن الأدب ليس ولا يمكن أن يكون مجرد تسلية. الأدب هو شكل من أشكال الفعل ، والكلمات أفعال هي العبارة الشهيرة لسارتر ومن خلال الأدب ، الإنسان يؤثر في حياة الآخرين و في التاريخ. ليس بطريقة حاسمة ، بسبق إصرار و ترصد ، مع وجود تأثيرات سياسية فورية إلى حد ما ، كما يعتقد أنصار الواقعية الاشتراكية. و إنما بطريقة غير مباشرة ، بتشكيل الوعي الذي يقف وراء السلوكيات. لدرجة أن الأدب يساهم بشكل غير مباشر في العمل داخل المجتمع.
كانت هذه الأفكار متجذرة بعمق في أمريكا وأوروبا وفي جميع أنحاء العالم في الستينيات ، ومنذ سبعينيات القرن الماضي ، بدأت مراجعتها وأعتقد أن عددًا قليلًا جدًا من الناس في العالم يتقاسمونها هذه الأيام. لقد ظهرت العديد من الأفكار حول ماهية الأدب ، لكن ما يطفو على السطح هو أن الأدب يخدم شيئًا ما ، و إن لم يكن كذلك ، فبماذا يمكن تفسير أننا ما نزال نقرأ القصص. لا أعتقد أنه نشاط دون عواقب وسببه الوحيد هو جعل الناس يقضون وقتًا ممتعًا. الترفيه جيد جدا يجب ألا تشعر بالإحباط إذا كان الأدب يخدم الترفيه فقط. ومع ذلك ، أنا مقتنع بأن الأدب له آثار على الحياة. لكن هذه الآثار لا يمكن أن تكون متعمدة. لا توجد وسيلة للمؤلف للتخطيط لما يكتبه حتى يكون لكتابه آثار محددة في الواقع.
بلدة مصابة بالخيالات هي أكثر صعوبة في الاستعباد من بلدة بلا أدب أو غير متعلمة. الأدب مفيد للغاية لأنه مصدر استياء دائم ؛ خلق مواطنين غير راضين و مستقلين. في بعض الأحيان يجعلنا أكثر تعاسة ، لكنه يجعلنا أكثر حرية. لا يمكن للمنتج السمعي البصري أن يحل محل وظيفة الأدب. تعجبني الأفلام كثيرًا ، أشاهد فيلمين أو ثلاثة أفلام أسبوعيًا ، ولكني مقتنع بأن الخيال السينمائي ليس له بأي حال من الأحوال تلك النتيجة الطبيعية البطيئة والمتأخرة التي يمتلكها الأدب بمعنى توعيتي بأوجه القصور الموجود في الواقع وجعلي أشعر بأهمية الحرية. أعتقد أننا نستطيع الإجابة عما يخدم الأدب. إنه يساعد على الترفيه ، بالطبع. لا يوجد شيء أكثر تسلية من قصيدة أو رواية رائعة ، ولكن هذا الترفيه ليس سريع الزوال. إنه يترك علامة سرية وعميقة على الحساسية و على الخيال.
مدريد ، 6 يوليو 2015
 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق