قراءات ودراسات

التنظير النقدي الأدبي في الجزائر و إشكالية غموضه ، نماذج مختارة

بوزيان زياد بغلول([1])

الملخص

أزمة نقل المصطلح أو ترجمته على مستوى الدرس النقدي و الأدبي مضاف له إشكاليات الترجمة ليستا مشكلة خاصة بالجزائر فقط و إنما هي عامة تدور في حلبتهما جميع الأقطار العربية. غير أنه و بدون أدنى شك فإن تلكم الأزمة و تلكم الإشكالية إنما هي أكثر حدة وعمقا وأكثر تأثيرا سلبيا أكاديميا وتربويا في الأقطار المغاربية، بخاصة في الجزائر نتيجة تاريخ التعامل مع اللغة العربية وآدابها في هذه الأقطار، والذي مرّ هو الآخر بأزمة الشد و الجذب و لا يزال بين التيارات الفرانكفونية و الأمازيغية ونظيرتهما العربية. ناهيك عن غموض المدرسة النقدية والمعرفية الفرنسية بصفة عامة مقارنة بالمدرسة الأنجلوسكسونية، والتي تعتبر المرجع المعرفي المهيمن بالنسبة لأقطار المغرب العربي . يهدف مقالنا الذي هو بقدر ما هو عام ( يجمع بين موضوعات إشكالية ثلاث ) بقدر ما هو ملم أو محيط ببعض النقاط المعتمة التي غالبا ما يمر النقاد و الباحثين عليها مرور الكرام ، محاولا تسليط الضوء عليها لعلاقتها المباشرة أو غير المباشرة بالإشكالية المطروحة وهي إضفاء الغرابة و الغموض ، متبعا منهج القراءة التاريخية و القراءة المقارنة و التحليلية الوصفية.

 الكلمات المفتاحية : إشكالية الترجمة ، إشكالية نقل المصطلح ، نقد أدبي جزائري ، ترجمة المصطلح.

مقدمة

يُحسب للنقد الأكاديمي التنظيري في المغرب العربي شرف السبق ( الجزائر و المغرب بالخصوص ) في النهوض بالنقد الأدبي العربي منذ الثمانينيات بحكم العلاقة التاريخية بفرنسا ، صاحبة الريادة في مناهج كان لها أثرها الواضح في العالم كله كالبنيوية بروافدها و ترجمة الشّكلانية الروسية ، التي لم تكن لتعرف لولا ترجمات الفرنسيين المبكّرة لأعمالها ، إذ راحت تترجم و تدير حوله الندوات تلو الندوات ، خذ المدرسة البنيوية الفرنسية مثلاﹰ باتجاهاتها الثلاث و الأدب المقارن في شقه الفرنسي/مدرسة التأثير، فإن كانت قد استهوت المهتمين و المشتغلين عليّها من النقاد العرب كالمصريين ، وأغوتهم لتطويرها وتطويعها في جامعاتهم و مجامعهم اللغوية و لعلمية ، فإن نظرائهم الجزائريين قد فتنتهم وجعلتهم أسرى نظرياتها حتى بعد فوات أوان رواجها ، و يُحسب للجامعة الجزائرية الرّيادة في إدخال النقد السيميائي و تطبيقه على الساحة المغاربية ، كما حاولت أن تجعل منه منهجا معياريا لتحليل النصوص الأدبية و ذلك في المؤتمر العربي للسيميائيات الذي عقد في جامعة سطيف سنة 1988. برغم ذلك تُلحق بتلك الترجمات و المصنفات و الجهود النقدية الجزائرية التي تشكل الآن بعد 30 سنة تراكما معرفياﹰ خاصية الغموض إن على مستوى المفاهيم ــ خلط بين المفاهيم و انفلات في المعاني نتيجة خلل يحدثه التلاعب بالألفاظ ، خاصة في اقترانها بالمصطلحات ، إنما يمضى في محاولة الإمساك بمعنى ما باستطرادات مفاهمية نقدية هي الأخرى مستعصية على الفهم ، تفسير كتفسير الماء بالماء هو و بعد جهد و مشقة ، أو في أسوأ الأحوال شرح الغامض بمفردات غامضة مقابلة في لغتها الأجنبية ــ أو على مستوى المصطلحات ، أو هما معاﹰ المفهوم والمصطلح.

يحاول البحث إيجاد مقاربة علمية للإشكالية المطروحة على عموميتها مع التقيّد بالمنهج الوصفي التحليلي ، بتقديم الأدلة و الشواهد و البراهين المنطقية المتكئة على القراءتين التاريخية و المقارنة قصد الوصول إلى كشف العوامل التي تقف وراء فرضية غموض الدرس و المصنف النقديين الجزائريين ، من ثمة غموض المدرسة النقدية المغاربية مقارنة بالمدرسة العربية (الشام مصر و الخليج).

1ــ الإشكالية في إطارها العام و الخاص

معروف عن النقاد الأكاديميين المصريين و العرب بصفة عامة و أمام إشكاليات الترجمة المختلفة يحاولون الاستفادة في بحوثهم العلمية بالمغاربة عندما يتعلق الأمر بالنقد المكتوب باللغة الفرنسية أو المترجم عنها. لهذا من غير المعقول القول بتحيزهم أثناء حكمهم على منتوج المغاربة نقديا كان أو إبداعيا حكما يتعارض مع طموح الجزائريين. أما ترجمات الجزائريين عن المدرسة الفرنسية فهي التي أجمع النقاد العرب على غرابتها ربّما لأنه خاب مسعاهم في مستواها ؛ فسمة الغموض تلك سبق و أن أرجعها الناقد المصري صلاح فضل إلى الترجمات المتواضعة عن الفرنسية وهو كأنما يشير إلى مرتاض وحسن بحراوي آنذاك في قوله : ” بُعد أو قرب هذا القطر أو ذاك من هذه الدولة الغربية ( الأوروبية ) أو تلك ، قد أثر هو الآخر في استخدام لغة هذه الدولة أو تلك ، كما كان لتخرج أبناء هذا القطر العربي أو ذاك من جامعات غربية عديدة و متنوعة ، (..) أن عملية التثاقف القطرية الأوربية هذه ، كانت أحد الأسباب التي جعلت من ارتحال المصطلح ( ترجمته ) من تلك الدولة الغربية إلى هذا القطر العربي ، يختلف عنه لو ارتحل إلى قطر عربي آخر ، مما أفضى إلى نتائج غير سليمة ، و ذات تأثير سلبي على استخدام المصطلح ، و من ثم استخدام المنهج “[2] ، كما أرجعها في الحقيقة أجداد صلاح فضل منذ فترة المناهج السياقية الذين بحثوا في منتوج يخص المغرب العربي ليدرجوه في مؤلفاتهم كتاريخ آداب العرب لمصطفى صادق الرافعي و تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان فلم يجدوه أو أغمضوا الطرف عنه!
و أما الناقد السعودي حمد ابن ناصر دخيل فيرجع سمة الغموض إلى التسرع في الترجمة ، أو التماس الترجمة الحرفية التي أثبتت فشلها ، أو من الطلبة و الباحثين الجزائريين أنفسهم ( لعل كاتب هذا البحث واحد من الذين فهم التفكيكية من حيث هي كل شيء ولا شيء من الترجمات العربية و لم يفهمها من تنظيرات الجزائريين و ترجماتهم ) و لعلّ بيّنة الحكم الذي يأتي من المتتبع الحيادي من خارج الدائرة كإحدى الباحثات السودانيات المطلعة على التنظير النقدي بالمغرب العربي ، و هي تقر بالغموض بل بغرابة السيميائية الخليقة بأصلها الفرنسي ، و ما بالك بفهم المغاربة لها مترجمة . ولعل الأجدى بالتنويه في قولها : ” إن هذه الدراسة جاءت لتحقيق هدفين : الأول هو استكناه هذا الحقل (السيميائية) الموحي بالغموض والغرابة و الثاني ..”[3] أن ذلك من أحد نتائج مقارنة أعمال العرب المشارقة المؤلفة أو المترجمة عن الآثار الأنجلوسكسونية في مجال النقد بنظرائهم المغاربة ، حيث الاختلاف واضح بينهما في درجة الغموض منذ ترجمات أحمد حسن الزيات و منير البعلبكي و شكري عياد حيث لم يكن أمرا عسيرا عليهم أن يترجموا مثلا مصطلح sémiologie إلى السيميائية* ولاlangue science de إلى علم اللسان و لكنهم لم يفعلوا ، و لكن المغاربة أقدموا على ذلك بكل جرأة حيث sémiologie في مشرق الوطن العربي عربوها إلى السيميولوجيا أو ترجموها إلى علم العلامات أو اختصارا “العلاماتية” ، وlangue science de إلى علم الألسن أو الألسنية الاسم المرادف لعلوم اللغة. ليتبين فيما بعد أن ترجمات المشارقة لم توقعهم في إشكاليات معقدة كالتي أوقعتهم فيها ترجمات المغاربة ( سحبوا الاسم المجتمعي المعاصر و استبدلوه باسم اعتباطي جديد سبق و أن عاش في العصر الجاهلي في حين أن اللغة ألصق ما تكون بالمجتمع و التداول) و نجد لهذا الاختلاف امتداد إلى عصر الأجداد ، حيث ابن سيدة (متوفي 1066م ) في بيئة الأندلسيين المختلطة اللسان هو الذي أطلق على اللغة اسم لسان بدعوى أن مفردة اللغة غير موجودة في القرآن و يوجد بدلها اللسان كتعبير مجازي و قد أخذ به. بينما الجوهري (متوفي 1003م) لم يأخذ بالتعبير المجازي و اعتبر أن اللسان يشير في معناه الحقيقي عند العرب إلى الجارحة/ الجهاز و ليس إلى اللغة. فلا جرم إذن نتيجة متابعتنا للموضوع منذ نحو عقد و نيف أنّ إشكالية غموض النظرية النقدية الجزائرية تعود إلى :
ــ ضعف مستوى الترجمة.

ــ تكديس المفاهيم النقدية في الدرس الواحد ، وعدم ضبط المصطلح النقدي ارتباطا بالعامل السابق ( يصبح فضفاضاﹰ أو مناقض تماما لمعناه النقدي الاصطلاحي فضلاﹰ عن معناه اللغوي )

ــ محاولة خلق لغة نقدية أدبية جزائرية ، على غرار اللغة النقدية المغربية وأكبر نموذج عبد الملك مرتاض في كتابه ” في نظرية النقد” الصادر العام 2005 عن دار هومة بالجزائر.

ــ عدم منح الفرصة للنقد المتميز وصاحبه حتى يطوي به العمر ويذوي بعيدا عن المراكز و الجامعات الكبرى ، فلا يعرفه البحاثة و المختصون ، كحال الناقدين بشير بويجرة من جامعة معسكر و صالح مفقودة من جامعة بسكرة ، وحتى مخلوف عامر من جامعة سعيدة إلى حد ما.

ــ النشر الإعلامي المكثف للدرس النقدي ، الذي يهدف صاحبه إلى اكتساب الشهرة على حساب دقة ما ينشر ، حتى وإن كان المعنيون ها هنا دكاترة وأساتذة شباب مختصون، لكنهم لا يتحرون تدقيق ما ينشرونه هنا و هناك ؛ لا يستثنون قناة من القنوات و لا فضاءا من الفضاءات إلا و غزوه بمقالاتهم التنظيرية ــ حتى و إن كانت مكررة ــ طمعا في تكوين الاسم ، من هؤلاء أذكر الدكتور جميل حمداوي من المغرب والدكتور واليامين بن تومي من الجزائر.

و سنحاول تحليل و مناقشة هذه النقاط نقطة فنقطة عبر نماذج مختارة بصفة عشوائية في هذه العجالة :

1.1ــ ضعف مستوى الترجمة

و لم يطرح السؤال حول هذا المنجز النقدي النظري الأدبي التراكمي مؤلفات و ترجمات ، لماذا بقي حبيس مكتبات الجامعات الجزائرية إلا فيما ندر؛ عندما يتعلق الأمر بالصدقات وبالعمل في الجزائر؟ هل ذلك يعود إلى العامل التجاري فقط كما يدّعي البعض أم يعود إلى غموضه؟ فباستثناء المؤلفات الفكرية و النقدية لمالك بن نبي و محمد أركون و مرتاض في الجامعات والمكتبات العربية تبقى الأسماء النقدية السّاطعة في الجزائر باهتة ، بل غير معروفة في الوطن العربي إذا ما استثنينا عبد الملك مرتاض و الزواوي بغورة في الخليج العربي ، و لا نجد من محاولة لإيضاح المشهد ورفع غشاوة لبس الصورة هاته و تعسفها أفضل من المقارنة بالخماسي النقدي المغربي الخاطف للأضواء : محمد برادة ومحمد مفتاح، حميد لحمداني وسعيد بن كراد وسعيد يقطين. الذي أصبح يحسب له ألف حساب في جامعات مركزية عربياﹰ كالقاهرة و بيروت وغيرهما عن ذلك يقول بشير محمد بويجرة : “.. الإشكال في المسار النقدي و الأدبي في الساحة الجزائرية ، إنما هو إشكال اللغة ، لكونها عرفت أوضاعا خاصة لم تعرفها بقيت الأقطار العربية الأخرى.”[4]
و بويجرة هاهنا مُحق من زاويتين لهما علاقة ببعضهما و ربما تكون جرأته هذه سبب في تهميشه* ، أما الزاوية الأولى في عدم اعتراف بعض الحساسيات المنتمية إلى الميدان بالوضعية الحقيقية للغة العربية وآدابها في الجزائر عن عصبية و هي تتحكم في دواليبها ؛ إما في المؤسسات الاستراتيجية كالمجلس الأعلى للغة العربية أو كعمداء و مسيرين في الجامعات الجزائرية. أما الثانية فأساس الترجمة ( أي ترجمة ) هو الإلمام الجيد باللغتين المنقولة/الأجنبية و المنقول إليها/العربية و ثقافة البلد ( الاطلاع الكافي على أداب البلد و عاداته و تقاليده ) ناهيك عن الثقافة العلمية الواسعة في علوم الفلسفة ، التاريخ ، الفنون و الحضارات وهلم جر ، أما اللغة الأجنبية / الفرنسية سنجد أنفسنا أمام فريقين : جيل سابق هو جيل مرتاض و أبو العيد دودو و محمد مصايف رحمهما الله ، أخذ أول ما أخذ اللغة الفرنسية عوض اللغة العربية من المدرسة الجزائرية المفرنسة في الخمسينيات و الستينيات بالتالي لغتهم الفرنسية أفضل حتى من الفرنسيين أنفسهم أما عربيتهم فتعتريها شكوك ، حتى لا نقول غير ذلك ، و جيل لاحق هو جيل الناقدين رشيد بن مالك و سعيد بوطاجين على سبيل المثال ، و نُلفي الحاصل مع هذا الجيل هو العكس بالعكس ، و النتيجة هو أن كلا الفريقين غير مؤهل لترجمة الدرس/ المنهج النقدي الفرنسي إلى العربية لأن شرط إجادة جيدة للغة المنقولة و المنقول إليها معاﹰ غير مُستفاة . ولعل مفاد هذه الشروط كلها هو أن الترجمة يجب أن تكون موائِمة بين الإخلاص للنص الأصلي والوفاء للثقافة العربية الإسلامية مع الحذر والاحتياط من المصطلحات ، وهو مربط الفرس هنا ، حيث جميع الترجمات العربية المعروفة الموفّقة التي جلبت الشهرة لأصحابها إنما وضعت بعين الاعتبار أساس الحذر في نقل المصطلح ، لأنه “عبارة عن وحدة معجمية أو علامة لسانية يعرف مدلوله داخل ميدان ثقافي أو تقني خاص وهو ما يعارض المدلول اللّساني الذي يعرف على مستوى اللغة”[5]
و لعلّ الفرق بين النقاد المنظرين المغربيين المذكورين أعلاه و نظرائهم الجزائريين هو أن الأخيرين لا يقرون في غالبيتهم بضعف ترجماتهم ، بل ويغترون أحيانا و يعتبرون الأمر ثانوي و هامشي! عكس المغربيين كسعيد بن كراد المُقرين دائما وكلما سمحت الفرصة بكونهم نقادا و ليسوا مترجمين ، لعله سبب من أسباب تقوقع الترجمات/ البحوث النقدية الجزائرية و انحصارها في الجامعات الجزائرية إلاّ ما رحم ربك. ربما أن فرانكفونية أصحابها زائدة عن اللزوم في وضع لا يجب أن تكون فيه كذلك ، لأنها تجعلهم يرتابون في توصيل جوهر المعنى أم جوهر اللفظ ، و عندما نعلم أن بعض المدارس النقدية كمدرسة باريس السيميائية تعنى باستفاء المعنى من سريان انتظام الألفاظ فيما بينها فإنها الطامة الكبرى ، و لا تعني الفرانكفونية ها هنا الكتابة و التأليف باللغة الفرنسية كما يفهمها الكثيرون ، بل هي حب مفرط للغة و الثقافة الفرنسية نتيجة علاقة النمو و الترعرع تعليمياﹰ و أكاديميا / الدراسة العليا في السوربون و ما شابهه.

بادئ ذي بدء ، لا بد من الوقوف عند ظاهرة مستفحلة في بعض الأنساق الثقافية المعاصرة تماما كنسق البحث العلمي و الفكر النقدي الأكاديميين في جامعة الجزائر2 ، ولم يأبه الدرس النقدي عندنا بأهميتها و خطورتها لو بقيت مضمرة ألا وهي ظاهرة الناقد و الباحث الفحل ؛ التي ينمذجها بامتياز الروائي و الإعلامي أمين الزاوي ، لعل غموض المصطلح وإشكالية ترجمته من غموض شخصية صاحبها العلمية ، عندما تراه يجمع بين تخصصات عدة فلا تخلوا مادته العلمية من السطحية. خطاباتهم التي يتجنبها النقد الثقافي عندنا بالجزائر تحمل في طياتها النموذج في السطحية و الغموض الفكريين، الخوض بفحولة و بأبّهة النجومية في كذا من تخصص كون صاحبها قد منح شهرة أوصلته إلى درجة “مفكر فحل”! ؛ يخوض حتى في المقدسات و أعقد المواضيع المحيطة بها ، فماذا ستعني الترجمة و المقالة / الخطابة الإذاعية أمام هكذا مفكر حر و فحل؟ أكيد و لا شيء ، و الزاوي كما هو معلوم اختص بكتابة الجسد و وصف خطابه روائيا corps discours du هكذا يدعى في الثقافة الفرانكفونية ، ما من رواية يكتبها إلا و يكون الجنس و المرأة موضوعها الأساسي ، ما من ندوة أو مقابلة مع قامة كبيرة إلاّ و يكون الجنس ضمن الثلاثي الروائي المحرّم موضوعها الأساسي .

لكن في سؤال إلى ضيفه الشاعر اللّبناني الكبير تنكشف أدواء فحولة متمركزة حول ذاتها تمركزا لا شعوريا ، ليس ليكوّن جمهوره من خلالها، لكن كي يظل في مقابلة التراث بفكره العلماني ، طبعا المقاومة شدا و جذبا مع جمعية العلماء المسلمين و غيرها ــ كما حدث في قضية ازدراء الرسول (ص) عام 2008 إثر استضافته للشاعر أدونيس بالمكتبة الوطنية ــ ستثبته فرضيا و ترسبه مفكرا فحلا في مخيال الثقافة الجزائرية الراهنة ؛ فهو بعد أن طرح السؤال : ما علاقة الجسد بالكتابة[6] ؟ على ضيفه الشاعر و المفكر أيضا بول شاؤول ، الذي كان ذكيا و لم يكن مراوغا ، كما قد يتبدى لغير المختصين ، بحيث كشف احتكار أمين زاوي و التعاطي الغامض مع قضايا مثل هذه ، و المرتبطة بالسياقات الثقافية ، إما الفرانكفونية أو الأنجلو سكسونية. لكن يظهر الالتباس مع محاولة ترجمتها ﻔ le corps مثلا في فرنسا يحمل معنى الجنس ، و معنى “الجسد” غير معنى “جماليات الجسد” عندنا لذلك كان حري به باعتباره أكاديمي قول “جمال الجسد” ، ففي بلد كالجزائر وحتى لبنان ستبقى دلالات “الجسد” هي الجسد عموما (خارج سياق الفن و الإبداع الروائي وداخله معا) و في مستوى سؤال الزاوي الغامض جاءته الإجابة ، حيث إجابة ضيفه الشاعر بول شاوول كانت كالآتي : الجسد هو الذي يكتب موش إحنا ، الدماغ جسد ، اليد جسد هي التي تكتب.. و عُقد بعدها لسان أمين الزاوي تماما و لم يزد ببنت شفة! معتقدا أنه سيقول له أن الجسد عملة صعبة في الرواية ، و هذه الواقعة التي وقع فيها الزاوي تبين وجود إشكالية الترجمة حتى خارج النقد نتيجة عد وضع المترجم لمشكل التباين الثقافي من بلد لآخر في الحسبان ” فالترجمات و المؤلفات العربية تختلف مشرقا و مغربا، بحيث أن الإنتاج الفكري في بلاد المشرق العربي و حتى المهنيون أنفسهم يميلون إلى المفاهيم الأنجلو سكسونية، في حين يستخدم المصطلح بالمفهوم الفرانكفوني في المغرب العربي.”[7] ، فلبنان بلد فرانكفوني مثل الجزائر لكن دائما هناك أصالة و ثقافة عربية مقدمة عن حب التراث الفرانكفوني ، يعني نحن بصدد المثاقفة لا الذوبان في ثقافة الآخر.
النموذج الأول المختار عشوائيا عن استسهال الترجمة بمجرد أن صاحبها ضالع في اللغة الأجنبية ، مأخوذ من العدد 12 مجلة اللغة و الأدب جامعة الجزائر2 ، صاحبته أستاذة اللسانيات خولة الإبراهيمي حين تقول : « مشاكل الترجمة و النقل من لغة إلى أخرى كثيرة و معيقة. ومن أصعبها نقل المفاهيم الأجنبية وقد وضعت في مجال حضاري معين، ومن أهم الصعوبات التي نلاقيها وجود المقابل الاصطلاحي العربي للدلالة على هذه المفاهيم » حتما ذلك المصطلح الذي تبحث عنه يكون موجود بشكل مقارب في تراث اللغوي العربي، لكن هل ستهتدي إليه كل من له أصلا كبوة أو ثغرات تعلّم اللغة في مرحلة الصغر و ما بالك في مرحلة الكبر، جراء الظروف التاريخية و الاجتماعية المعروفة ، حتما لا ، حتى ولو كان أو كانت من الذكاء ، بل والعبقرية بحيث تجعلها تتخصص في اللسانيات العربية وهي التي ترعرعت في مجتمع لسانه أبعد ما يكون عن العربية وهي بنفسها تقر بذلك ، حين تقول أنها بصدد تعريب أساتذة التعليم العالي[8] ثم تخوض في شرحها لترجمة كتاب ” محاضرات في اللسانيات النصية” العنوان الذي اختارت له الترجمة التلية : مبادئ في اللسانيات النصية éléments de linguistique textuelle بمجال ارتياب واسع، بل الأقرب إلى الصحة هو مبادئ اللسانيات النصية، بدون في dans ، ثم تدلف إلى الباب الأول تحت عنوان وحدة التحليل النصي فتترجم كلمةproposition ﺒ “القضية” متحاشية الترجمة الحرفية حيثla question ها هنا هي الترجمة الأقرب إلى الصحة لي “القضية” و هذه الترجمة الملتبسة موجودة كذلك في معجم المصطلحات اللسانية لصاحبه المغربي عبد القادر الفهري (ص329). أما propositio فتعني الاقتراح أو الافتراض[9] حتى و إن جاءت الترجمة في سياق الجملة. ومن هنا كان على المترجمين اللسانيين الأوائل سعيد يقطين و الفهري و حسن بحراوي و غيرهم ترجمة مصطلح proposition في اللسانيات إلى “القضية الافتراضية.”

و في نموذج آخر” عن التداولية ” لنفس المنظرة في العدد 16 بمجلة اللغة و الأدب العلمية المحكمة/ الجزائر2 ، يتبين فيه سوء الترجمة من الوهلة الأولى في العنوان الفرعي : التداولية / المفهوم ، و يندرج ضمنه ترجمة فقرات حول مصطلح التداولية و يساعدها في ذلك زملاء كما تقول[10] لكنها لم تذكر تخصصهم ، يعني في تقديرها في هذا العنوان الفرعي باستعمال الشرطة المائلة أن التداولية مرادف المفهوم! كما يلاحظ إهمال تام لنظام التنقيط في نصها الذي من المفروض أن يساعد على فهم جمل النص. و بالتالي فهم التداولية باعتبارها أصلا مفهوما نقديا جديدا و عصي على الفهم.

وممّا جاء من ترجمتها لمفهوم التداولية كمصطلح جديد عن النقد العربي بحسب مقاربة الليساني الفرنسي Roland Eluerd بقولها : ” التداولية إطار(..) فيما أفرزته من تصورات صورية مبالغ فيها..”[11] في هذه الترجمة غموض بيّن تجعل من مفهوم التداولية غامضا لدى الباحثين فضلاﹰ عن الطلبة ، لعلّ الكثيرون مثلي لا زالوا لا يعرفون كيف يتصور المتصور؟ و هناك في نفس بحث الكاتبة عدة كبوات ترجمية لا يسع المقام لذكرها جميعها ، بينما لا بأس من ذكر ما ورد في البحث الذي قبله مباشرة في هذا العدد من مجلة اللغة و الأدب وهو بحث بعنوان مفهوم النص عند المنظرين القدماء لمحمد صغير بناني ، من أخطاء ترجمية عديدة بخاصة التي أوردها في حواشي البحث حيث يترجم الاستطراد discursives بالاستقراء و théorie de l’évolutionnisme بنظرية التطور الارتقائي مجانبا ترجمات مشرقية متفق عليها وهي النظرية النشوئية كما أن في الارتقاء معنى الصعود ، ولا يأتي بأداة التعريف : النكرة تتبع النكرة والمعرفة المعرفة كذلك في اللغة الفرنسية ، و يقول أن anomalie هو الشذوذ لكن يرافقه بترجمة أخرى هي اختراق الدلالة! وعلى العموم يورد ترجمات تأخذ بعين الاعتبار المعاني و ليس الألفاظ و هي مقبولة عندما يتعلق الأمر بالتماس جمع المادة العلمية لا الحرفية الشعرية كقوله référentiel : تعيُني (بضم الياء) في تعريفات الجرجاني لا مرجَعي. إما إذا اتخذت الترجمة أسلوب الذوق الشخصي و العصبية القبلية فإنها الفوضى التي ترهن وضوح الدرس النقدي.
غير أنه هناك منهج سري يدعى الحفظ و أخذ الاستسهال بالعادة ، يأتي مخالط للمنهج العلني عند هؤلاء ، يصبح كل شيء واضح و يستمر دوران الحلقة أبا عن جد ، فخولة الإبراهيمي أستاذة اللسانيات و رئيسة مخبره ، غير أن فرانكفونيتها في قسم اللسانيات العربية لا يخالطها شك نتيجة تكونها باللغة الأجنبية في مراحل الصبا و تأليفها مؤلفات في اللسانيات بالفرنسية ، مما يجعلها تلجأ إلى الترجمة الظرفية المتسرعة أثناء ترجمتها للمقالات الأجنبية لطلبتها ، أما عن مطواعية لسانها للتحدث بالعربية ففيه كلام لا يمكن التملص منه بسهولة.
أما الأستاذ عبد القادر بوزيدة الذي يشغل رئيس قسم مخبر الترجمة في قسم اللغة العربية و آدابها بجامعة الجزائر2 ، و كان موضوع بحثه للدكتوراه ترجمة فعل être et avoir في العربية ، يأتي هو الآخر بترجمات غير مضبوطة تمام الضبط تنم عن الاستسهال ، وجدت الكثير منها في أعداد مختلفة من مجلتي اللغة و الآدب و الآداب و اللغات المحكمتين اللتين يصدرهما القسم المذكور أعلاه ، غير أني حملت عينة فقط منها وهي قوله أن :
cohésion تعني عنده السبك ( التماسك) بينما الالتحام و الانصهار الأقرب إلى الدقة.
Situationalité هي المقامية ، لكن المقامية السياقية أو الموضعية ( في اللسانيات)هي الترجمة الأقرب إلى الدقة.
cohérence : الحبك (الانسجام) ، لكن الترابط وهي الأقرب إلى حمل المعنى.
intentionalité : القصد ، الصحيح هو القصدية و القصد غير القصدية
informativité : الإعلام ، الصحيح هو الإعلامية و الإعلام غير الإعلامية
intertextualité : التناص ، الصحيح هو التناصية و التناص غير التناصية[12]
و يقوم هذا المنظر و الباحث الجزائري في مقاله مدرسة ” تارتوـــ موسكو” سيميائية الثقافة و النظم الدالة على إحراج الباحث المغربي جميل الحمداوي بتخطيء معلوماته حول المدرسة دون تنويه و لا إشادة بالجهد ، كما دأب أن يفعل مع طلبته ( كونه يحرص على التماس الدقة على طلبته فقط ولا يحرص عليها على نفسه أكان ناطقا أو كاتيا أو ضاربا للأمثلة! ) و كان ذلك في العدد 3 مجلد 35 الصادر العام 2007 من مجلة عالم الفكر الخاص بالسيميائيات ، لكن بمقارنة بسيطة بين مقال الأستاذين من ناحية الأخطاء اللغوية سنجد أن مقال الحمداوي الأقرب إلى تحري السلامة اللغوية من مقال بوزيدة و لا ريب في ذلك ، كون الباحثين الجزائريين المخضرمين تلقوا أول ما تلقوا اللغة الفرنسية في حداثة سنهم في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي ، ناهيك عن لهجة مدرسة العائلة ، فالعائلات الجزائرية في المدن و الحواضر الكبرى تلقن أبناءها عربية مشوبة بالفرنسية والألفاظ التركية و الأمازيغية وإذا ما تجاوز الشخص مرحلة الطفولة كما تقول به نظرية الاكتساب لنعوم تشومسكي لا يكون بمقدوره التحكم بيسر في قواعد اللغة لفظا أو كتابة ، والنظرية تنطبق على بوزيدة وهو الباحث المخضرم لمّا يقول : ” مدرستي “تارتو” و”موسكو” و المشارب الفكرية و الثقافية التي نهلتا منها ” ولما يقول : ” وهو اختلاف يضرب بجذوره بعيدا في تاريخ..”[13] و الصواب : مدرستي “تارتو” و “موسكو” و المشارب الفكرية و الثقافية اللتين نهلتا منهما ، و هل الجذور لما تضرب بعيداﹰ تضرب أفقيا أم عموديا؟ بل الأصوب هو تضرب عميقاﹰ ، و الملاحظ في بحثه هو وجود خلل واضح في استعمال المزدوجتين و الأقواس التي كثير ما يحرص على اتباع خطوات محددة بخصوصها على طلبته ، و في توزيع الفواصل على الجمل بشكل كارثي مع التحفظ الشديد حول هذه الملاحظات من منطلق أن هذه الأبحاث التي ينشرونها في بعض المجلات الثقافية ، كمجلة عالم المعرفة ، لا تكتسي صبغة البحوث الأكاديمية بمعنى الكلمة بل تشبه إلى حد ما ورقة أو خطبة معدة للإلقاء أو المقال الموضوعي ، و خلاصة الأمر أن هناك غلبة النزعة الأيديولوجية على الباحثين الجزائريين تُعميهم عن أمور عدة منها ما هو مكلف كاستسهال الترجمة.
و قد لا يُلتمس في التنظير النقدي الجزائري بخاصة ، و المغاربي بعامة الغموض من جراء الترجمة عن الفرنسية فقط ، بل كذلك من الترجمة عن الترجمة ، و الإطناب المصطلحي أو التقتير المصطلحي ، في وجود إشكالية ترجمة المصطلح كما في هذا الشاهد المترجم عن الكتاب الشهير”cours de linguistique générale” : ” إن السيميولوجيا تدرس العلامات و أنساقها ، سواء كانت هذه العلامات لسانية أم غير لسانية”[14] و هل هذه الأنساق هي غير العلامات لسانية و غير لسانية حتى يذكرهما المنظر معاﹰ؟ هذا من شأنه إرباك الطالب و تشتيت طاقته الذهنية في ادراك مفاهيم المصطلحات ؛ عندما يدخله الظن أن هذه العلامات هي غير الأنساق و إلاّ ما كانت لتُذكر. هذه هي الترجمة الحرفية التي تحدث عنها حمد دخيل. و غالب الظن أن هذا الغموض هو أحد أسباب سيطرة المنهج البنيوي على الدرس النقدي في الجزائر إلى درجة تغافلهم عن معاني ما يقولون ، و ذلك لا ينم عن السطحية الفكرية لكن عن نوع من السطحية الأدبية لأن الأدب شكل ومضمون وإلا فلا، بل و السذاجة في التعاطي مع علم الأدب و إلى هذه الدرجة! كما نعلم البنيوية وُلِدت مفهوما غامضا في أصولها الفرنسية و ظلت كذلك حتى انتقدها تشومسكي بإدخال مفهوم الوصفية عليها كون الاتجاهات الوصفية قد اهتمت بدراسة الجانب المعنوي اهتماما كبيرا.[15]
أما التقتير المُحيل إلى الغموض نجده في قول المنظر المغربي : ” تستند البنية السطحية إلى مكونين أساسيين : المكون السردي ، والمكون الخطابي. يدرس المكون الأول الأفعال، و الحالات ، و التحولات ، ومنطق الجهات ، والبنية العاملية . في حين ، يدرس المكون الخطابي الصور من جهة ، و يقارب الحقل المعجمي و الحقل الدلالي والأدوار التيماتيكية التي يقوم بها الفاعل من جهة أخرى”[16] أي صور تلك المقصودة؟ المتلقي يحتاج هاهنا إلى شرح ، لعلّ مشكل هذا التقتير راجع لعدم ضبط مفهوم الصورة ضبطا دقيقا ، ليصبح المكون الخطابي عبارة عن دراسة للصور ذهنية مجردة أم لصور مجسدة؟ ، فنحتاج هنا إلى ضبط المصطلح إمّا الصورة أو الوحدة الدالة في السيميائية و لا نقوم بتغييره بعد ذلك ، أي نلتزم بمصطلح الذي ضبطناه ، وبذلك نتفادى الغموض من جراء “الأوأوات” كما في قول الناقد جميل حمداوي : ” و يكون قادرا على تدبر و فهم عميق للدلالات السياقية للكلمة أو الصورة أو الليكسيم.”
ناهيك عن الفقر أو القصور اللغوي عند المنظّر و مصدره يعود لظروف أول اكتساب للغة في محيط العائلة و المجتمع المختلط اللغة فرانكفونيا و أمازيغيا ، كما أسلفنا غير ما مرة في مقالاتنا السابقة ــ لا يختلف المغربي عن الجزائري كثيرا ــ أما في النموذج التالي للمنظر الأكاديمي عثمان بدري في نفس العدد من مجلة اللغة و الأدب الأكاديمية فغموض مقاله ناتج عن التناقض ؛ بحيث أن الفترة الجاهلية و الأموية أسبق من العصر الذهبي للبلاغة العربية ألا و هو العصر العباسي لكن بدري رأى العكس! إذ يقول : ” (..) وفي سياق هذا التصور للغة الشعرية نستطيع أن نفهم لماذا وظف الشعر العربي القديم ــ بشكل عفوي و بشكل واع بعد ذلك مختلف المفاهيم البلاغية كالتشبيه و الاستعارة و الكناية و التورية و المجاز و غيرهما من المحسنات الأخرى بشكل مغاير ــ إن لم نقل مفارق للأسس المدرسية المعيارية التي بنيت عليها البلاغة العربية من قبل كثير من البلاغيين المقولتيين”[17] ، و هو يقصد أيضا بالمحسنات هاهنا أنواع البيان. كان حري بالباحث ترك امرئ القيس و اختيار دراسة الصورة البلاغية لدى شاعر آخر من شعراء المعلقات أو من فحول الشعر العربي و ما أكثرهم ، لأن هذه الدراسة إذا لم تطرح في الحقيقة موضوع الانتحال و السرقات من بحوث الآخرين فإنها تطرح التشبع المعرفي فيها من كثرة قراءتها و الاطّلاع عليها عشرية بعد أخرى ، فالصورة الشعرية في شعر امرئ القيس كثير ما طرقت و أفاض فيها نقاد و باحثين من المشرق العربي و مغربه ، سواء في شكل أطروحات أو بحوث قصيرة ، و لعل الدراستين المعروفتين المشهورتين التي لطالما اجتزأت منهما البحوث الأكاديمية الجزائرية موضوعها و منهجيتها دراسة بعنوان ” إشكالية المعنى بين الصورة البلاغية و الصورة الشعرية ، نماذج من شعر امرئ القيس و المتنبي ” و ” نظرية المعنى في الشعر العربي القديم امرئ القيس نموذجا” وهما لمصطفى ناصف في بداية الثمانينات و دراسة أخرى بعنوان : ” الصورة الفنية في شعر امرئ القيس” (1983) لسعد أحمد محمد.
نبقى مع نفس الباحث لنشير إلى غموض من نوع آخر تقف وراءه مستوى الترجمة ألا وهي ثبات فهم النقاد الجزائريين للمدرسة البنيوية، وهو الفهم الذي انجر عن ترجمة أعمال ” جماعة كما هو Tel Quel” ولم تتغير نظرتهم مع التحولات التي طرأت على البنيوية مع تشومسكي و جولدمان و بعض المنظرين المصريين، بالتالي بقيت أفكارهم ثابتة تستقى من ترجماتهم القديمة سنوات الثمانينات. ففي كتابه “بناء الشخصية الرئيسية في روايات نجيب محفوظ” بإمكان أيٍ كان التأكد أن قدر الأدب الجزائري كان أن ولد متواضعا لظروف يعرفها الجميع ثم جاء قدره الثاني وهو مواكبة مولده انتشار و ذيوع النزعة البنيوية التي زادته تواضع عن تواضع ، و الآداب العظمى في العالم إنما عرفت بمضامينها الإنسانية و الواقعية أما الصغرى المهمشة الطريحة الفراش فلا تعرف إلا بأشكالها و ببنية نصوصها ، و يتجلى هذا الطرح في محاولة صاحبنا التغطية على الموهبة و المقدرة الإبداعية بالتحليل البنيوي أو نقد النقد ، برغم مظاهر العلمية و الأدبية تتجلى شيمة عصبية قديمة لعبت فيها ترجمات الفكر البنيوي الفرنسي دورا حاسما ، و العصبية التي نقصد هي هذا الناقد المدعو بدري عثمان مع شلة نقاد المغرب سعو إلى انتقاد المنتج الأدبي و النقدي المصري و ليس إلى نقده ، و هنا يكمن الفرق بين النقد و الانتقاد ( حسب قراءاتهم وترجماتهم للمنهج البنيوي ؛ ترجماتهم التي تراوحت المكان و الزمان غير آخذة في عين الاعتبار لمفهوم الوصفية تشومسكي مثلا و مفهوم الحدس والرؤية اللذين يشيران إلى شكل من أشكال حضور السياق الخارجي متضمنا في أسبقية حضور المعنى المجرِّد للعالم الخارجي في البنية العميقة في النصوص التي تحلل بنيويا مهما عكف الناقد عن تفادي ذلك ). وهو ما يصفه ميشيل فو كو في كتابه نظام الخطاب ( تر:محمد سبيلا 2008 ، ص39)
و لعلّ الكتابين اللذين يعكسان هذا التوجه الغامض هو كتاب ” النقد العربي الجديد ” لعمر عيلان بمعاونة سعيدون ثلاث : بوطاجين و يقطين و علوش*، أما بدري فيصف الروائي العبقري نجيب محفوظ أنه فنان في كذا من موضع! و يصف الدراسات النقدية حول رواياته أنها مراجع! إنما هذا انتقاد لقامة نجيب محفوظ و ليس نقد لرواياته، يذكرنا بالنقد اللاذع الذي خاضه العقاد ضد أحمد شوقي فزاده كبرياءا من حيث أراد العكس. الانتقاد الذي لم يأخذ في الاعتبار أولا أن نسبة كبيرة من روايات محفوظ الأليق بها المناهج السياقية خاصة المنهج الاجتماعي غير أن هناك روائيون لا يقلّون أهمية عنه كاليوسُفين السباعي و إدريس مثلا ، ينتظران في من يشرّحهما بنيويا فلماذا لم يفعل عثمان بدري ذلك؟ و ثانياً هو غموض فهمه مع أغلب معشر النقاد المغاربة للنقد البنيوي ، الفهم الذي تنبه له الناقد المغربي محمد برادة** الذي مفاده أن يناط بالنقاد مسايرة التغيرات الحاصلة جراء زخم من المناهج المبتكرة و التي أفسدت ما كانت تصبو إليه تحليلاتهم الشعرية، بخاصة مع اتجاه المعنى الرافض للبنية الواحدة و الذي مثله تشومسكي و الاتجاه الأيديولوجي / السيسيولوجي الذي مثله لوسيان جولدمان عندما يقول : ” العمل الأدبي ليس وثيقة اجتماعية أو إنسانية و ليس موعظة بلاغية و ليس كشفا دينيا ..”[18] لكن ما موقع بناء الشخصية في أعمال الطاهر وطار و مفدي زكريا مما تقوله!؟ علما أن مستوى النقد في أي بلد من مستوى أدبه ثم ” إن للنص غريزة مقاومة ، فهو لا يحب التطويع القصري كي يكون في خدمة تلك المناهج ، فعندما تتلاشى تلك الغريزة يتلاشى معها جوهر الأدب. و الحال أن الحس السليم يقتضي تطويع المناهج لتكون في خدمة الأدب شريطة أن لا يُجريه نفس الناقد على نفس النص ، بل نقاد متعددون على نص واحد أو عدة نصوص.”[19]
أما عن المصنفات الأساسية في البنيوية و الشعرية و تحليل الخطاب المترجمة في الثمانينيات و المتداولة بكثرة مغاربيا التي قلنا أعلاه بأنها مراوحة للزمان والمكان فنذكر: ” Dictionnaire raisonné de la théorie du langage SÉMIOTIQUE:” لألجيرداس جريماس و أغلب مؤلفات رولان بارث و تزيفتان تودوروف البنيوية و كتاب ” طرائق تحليل السرد الأدبي دراسات” لنخبة من رواد المنهج البنيوي وأغلب مؤلفات جيرار جينيت حول البنية السردية ، و ” مورفولوجية الحكاية العجيبة ” لفلاديمير بروب (وهو ترجمة عن ترجمة) و “نظام الخطاب” لميشيل فوكو. فكتاب “قضايا الشعرية” لرومان جاكبسون مثلا، ترجمه في الثمانينات مترجمين غير مختصين محمد الوالي و مبارك حنون ، يحمل من الغموض و ضعف مستوى الترجمة ما يحمل : ” وعلى عكس اللسانيين الأمريكيين، أولى ياكوبسون عناية غير يسيرة للمعنى محاولا دراسته دراسة لسانية، فحدد العلاقة بين الدال والمدلول تحديدا خاصا و أوَّل اعتباطية الدليل باعتبارها مُجاورة مُسنّنة contiguité codée كما كان من بين اللسانيين الأوائل الذين درسوا المعيِّنات les embrayeurs “[20] ، يتأتى غموض هذه الفقرة في إسقاطه مفردة منهجية من كلامه حيث من المفروض قوله : محاولا دراسته دراسة منهجية لسانية ، كما يتأتى في الترجمة (المسطرة) الغريبة جدا : أولا حتى وإن فرضنا أن المفردتين “المسننة” و “المعيّنات” يقاربان المعنى المراد لا يحسن إيرادهما لأنهما غير مستساغتين في القاموس المصطلحي النقدي الأدبي و لكنهما لا يقاربان المعنى الأصلي المراد الذي ابتغاه جاكبسون ضمن سياق الجملة فبالنسبة للترجمة الأولى نحن بصدد : مناظرة دلالية (مشفرة للمعنى) وبالنسبة للترجمة الثانية : ألفاظ باعثة للدلالة أو المعنى هي التي تقود المعنى.
2.1 ــ تكديس المفاهيم النقدية و عدم ضبط المصطلح النقدي
هذه النقطة مرتبطة بسابقتها أي عشوائية الترجمة و العبث بالمصطلحات حيث يغدو المفهوم النقدي المراد فهمه عصي على الفهم ، لدخول مفاهيم أخرى عليه فاختلاط الحابل بالنابل ، فكيف إذ ذاك نحبب الطلبة إلى المصنف الجزائري الذي موضوعه النظرية النقدية؟ بل إننا ننفّرهم إلى مؤلفات المشارقة أو نجعلهم يرتكسون و ينتكسون فيلتمسون الحفظ بدل الفهم ، كأنها لغة غريبة عنهم تجعلهم يحفظونها أسوة بطالب الطب مع درسه المفرنس ، و هذا عكس ما هو حاصل في المشرق العربي النظرية النقدية يجب أن تفهم وكي تفهم يجب أن يكون هناك منطق يجتنب الاستطرادات ، يُحيل بالمفهوم إلى معنى واضح فآخر أوضح منه ، وكي تفهم و تطبّق يجب أن تأتي في ثوب لغوي جمالي يجذب المهتم و يجعله يغوص في التخصص أكثر وأكثر بمجرد أن تُحفّز حاسته و تطمح ذائقته ينحو ناحية التطبيق دون الرجوع إلى نص النظرية ثانيةﹰ.
فعادة تكديس المفهوم على آخر و عقليته التي درج عليها مجال التنظير النقدي الجزائري دون ما وضع حال الباحث والطالب في الحسبان تظهر في قول محمد ساري في مقاله ” السوسيو نقد ” بالعدد 15 من مجلة اللغة و الأدب : يربط السوسيو نقد ــ الذي هو فرع من المنهج الاجتماعي ، أو ما يسمى بعلم اجتماع الأدب رائده “سكاربيه ” ، ناقد فرنسي له كتاب يحمل الاسم نفسه يُعنى بدراسة خضوع النص الأدبي ومن ورائه المؤلف لعاملي العرض و الطلب ، حيث دور النشر تجيز أولوية السوق أو فعل القراءة عن سواها ، وهذا ما يدخل الكاتب و القارئ في هذه الرؤية الاجتماعية للأدب ــ لكن محمد ساري لم يشاء إلاّ أن يجول و يصول في أكثر من صفحة[21] بكذا من مفهوم أعمق و أغمض من سابقه ﻛقوله : التحليل السوسيو نصي و القراءة السوسيولوجية ، حيث القراءة أو التأويل هو بحد ذاته منهج مستقل ، مدرجاﹰ مفهوم ” السوسيولوجيا الجدلية للأدب ” ثم مفهوم الأدبية littérarité و غير بعيد يذكر ” شعرية النصوص” ثم ” البنيوية التكوينية ” و يغطي الجميع بمصطلح الأيديولوجيا و المنهج التاريخي مع غياب تام للهوامش المساعدة فضلاﹰ عن افتقاد لسلاسة التعبير و جماليته.
فشتان بين ذلك الغموض و بين هذا الوضوح و سلاسته في تعريف الناقد السعودي عبد الله خضر حمد لمفهوم الانزياح : ” انحراف الكلام عن نسقه المألوف ، و هو حدث لغوي ، يظهر في تشكيل الكلام وصياغته، و يمكن بواسطته التعرف على طبيعة أسلوب الأدبي ، بل يمكن اعتبار الانزياح هو الأسلوب الأدبي ذاته “[22] مدرجا لكثير من الهوامش التوضيحية ، و لا عجب أن يؤكد النقد المشرقي ممثلاﹰ في اسم الناقد محمد القاضي أن العرب سعوا إلى المناهج النقدية المعاصرة لرهانات ثلاث و جوبهوا بتحديات ثلاث ، يذكرها تباعا: التحدي المصطلحي و التحدي التطبيقي و التحدي المفهومي ، من طبيعة النظرية النقد أنها أولا وأخيرا الطريق الموصلة للهدف ، فكيف بها إذا كدّست مفاهيم أخرى صعبة الفهم ولا حتى المبالغة في ذكر المفاهيم المرادفة أو المتقاربة المعاني ستصبح طريقا مضللة ؛ فالتطبيق هو الذي كشف عيوب مدرسة التنظير النقدي في الجزائر ، كالتي تظهر في مصطلحات مرة تُذكر كمترادفات مرة تذكر كأنها غير ذلك ﻛ : البُنيوية و البِنيوية و الوصفية و النسقية و النظام و النصانية و النصية ــ السيميائية و السيميوطيقا وعلم الإشارة و السيميولوجيا و علم العلامات ــ التشاكل و التقابل و التناظر ــ المنهج الاجتماعي و المنهج السيسيولوجي ــ الخطاب و التلفظ ــ التأويل و الهيرمينوطيقا و التفسير ــ الشعرية و البويطيقا ــ التحريف و المفارقة و المغالطة ــ الانزياح و الانحراف و العدول ــ الأبوية و البطريركية ــ الرؤية السردية و المنظور و التئبير ــ التفكيكية و التقويضية و التشريحية ــ التناص و النص الموازي و التناسخ النصي و هلم جر .. كما درج عليه المنظرون الجزائريون دون أن يقفوا على تسمية مصطلحية ثابتة ــ و قد فتحوا الباب لإنجاز أطروحات عديدة في هذا الشأن تحت عنوان ” إشكالية تعدد المصطلح النقدي ” قد تتجاوز الدكتوراه إلى نيل درجة الأستاذية بها و هم المتسببين فيها مناصفة مع المغربيين*!! ــ ، بخصوص مفهوم الانزياح هذا يجعلُه الناقد الأكاديمي فيصل الأحمر يقارب مفهوم “سيميائية الخطاب الشعري”[23] بل و يكدّس عرمرم من المفاهيم حوله ﻛ ” الوظيفة العلائقية لتشومسكي ” و” العلائقية في النص الشعري الكلاسيكي” إلاّ ليثبت أن الانزياح في اللغة هو كلام غير اعتيادي في علاقة بالخطاب اللغوي ؛ فيؤدي إلى إزاحة قدم الباحث إن لم يُدخله في حالة ملل أبستمولوجي إن جاز التعبير ، فإنه يدخله في عملية هدم الفكرة بالتي تليها نتيجة تفسير الغامض بالغامض ، بإطناب و إحالات إلى مفاهيم تحتاج هي الأخرى إلى تقصٍ.
كما نجد في قول منظر آخر قوله أن النموذج العاملي ” الذي يُعد تشخيصا غير تزامني ، و استبدالا لعالم الأفعال (..) “[24] لعلّ الاختيار الغير موفق الذي يزيد من غموض هذا الشرح للنموذج العاملي يكمن في مفردة استبدالاﹰ عوض تحولاﹰ لأن الاستبدال في اللسانيات يحمل مفهوم الآنية / التزامنية و الخطية كما هو محور الاستبدال المقابل لمحور التركيب في الجملة اللسانية الديسوسيرية. وذكّرنا مفهوم النموذج العاملي هذا ، أو السيميائيات السردية الذي هو فرع من فروع السيمياء وهي سيمياء التواصل ، سيمياء الثقافة وسيمياء الدلالة ، كما استوقفنا كثيرا تركيز النقد التنظيري المغاربي المزمن على مفردة “الصورة” هذه المفردة تجدها في اللسانيات و البلاغة و الأدب المقارن ، و لم يفرط في توظيفها معهم علمي الدلالة و سيمياء الدلالة ، بالرغم أن معنى “الصورة” في هذين الحقلين له نطاق معجمي يقارب معانى “الدلالة” و”المعنى” نفسهما. فغموض مفهوم مفردة “صورة” يرجع أولا و لاريب في ذلك إلى غموضه في مصدره مدرسة باريس السيميائية، وثانيا في اقترابه من مفاهيم سيميائية أخرى عدة و مفارقته إياها في نفس الوقت كمفهوم:
السيم sème( ما يندرج في تكوين أصغر وحدة معجمية دالة / الليكسيم )
و السيميم sémème( أصغر وحدة دالة تمييزية )
و الليكسيم lexème(أصغر وحدة معجمية دالة)
و الكلاسيمclaséme ( السيمات السياقية )
فلمّا كان مفهوم الصورة مرتبط بالمسار التصويري أو التحول الذهني الذي يجعله يُجلي معنى أو مضمون ما ، كثيرا ما تتداخل مفاهيم السيم و اللكسيم و السيميم مع مفهوم الصورة بيد أن المنظر يفرق بينهم قائلا : ” فالنص يستعمل الصورة استعمالا خاصا يتم ضبطه باقتفاء مسار الصورة التي تتنامى فيه ، و ذلك حتى يتبين مدى كثافة الشحنة الدلالية فيها “[25]
نزوع الباحثين إلى اختيارات منهجية و طروحات تضع القارئ أمام ترسانة هائلة من المفاهيم و الإجراءات غير المتداولة في لغته ، و في سياقه الثقافي ، و ينطبق الأمر على الدراسات السيميائية العربية ، كونها أصلا تعرف إشكالا مصطلحيا في منبعها الغربي ، كما استوقفنا أيضا التمثيل الغير المنسجم مع ثقافتنا و عدم تغييره ؛ لا يجوز للمنظر طرق التمثيل “البايخ” الغير متوافق مع ثقافتنا كقوله : « و من المستحيل فصل تلك الشخصيات عن الحبكة ، و مجرد محاولة ذلك أمر غير مجد ، مثل محاولة الفصل بين الرقصة و الراقصين في الباليه. تتكون الحبكة من شخصيات تكافح قوى الطبيعة ، أو ضد كائنات بشرية أخرى ، أو تعيش أزمة داخلية. و تنعكس طبيعة هذه الشخصيات من خلال هذه الحبكة في الأحداث » لأن ذلك ليس من ثقافتنا و مدعاة لتحقير الميدان الذي يجمع الباحث بالأستاذ بالطالب الأجدى به القول : الفصل بين الربان و السفينة أو بين السفينة و البحر..
3.1 ـ محاولة خلق لغة نقدية خاصة métalangue و محض مغاربية
نحى كثير من النقاد و الباحثين الجزائريين و التلامذة السابقين منحى كبيرهم عبد الملك مرتاض في محاولة خلق لغة نقدية و بلاغية شبيهة بأسلوب المقامة إلى حد من الاستهجانية بين قوسين ، لِمقابلة لغة النقد في المشرق العربي إضفاءً للتميز و الاختلاف من جهة ، و تأثرا بالبلاغة و النقد التراثيين الذي له على كل حال عصره حيث ارتكزت اهتماماته على الكتابة التحليلية بين التراث و الحداثة ، لكن هل يعقل العودة إلى أسلوب التنميق و التزويق بالمحسنات و الجناس على غرار المقامة البغدادية في عصر هو عصر الخفة و السرعة ، عصر ما قل ودل؟ برغم استخفاف نقاد لهم وزنهم على الساحة كالأديب جهاد فاضل بقوله : ” وهل يمكن أن يصل الأمر إلى حد أن تصبح اللغة العربية هي لغة الكيمياء و الفيزياء و الطب ، هل تسير الجزائر في مثل هذه السياسة ؟”[26] غير أن مرتاض مضى في مشروعه محاكاةﹰ كذلك لمشروع المغربيين / المغرب الأقصى الرّيادي مع شلة مفكريهم و نقادهم كطه عبد الرحمن و محمد مفتاح متحررا من لغة النقد العلمية إلى درجة الصفر السالب لا درجة الصفر في الكتابة فحسب! لولا أن العمر داهمه ( أطال الله في عمره ) لخرج لنا بمدرسة لغوية تراثية في ثوب حداثي ، و محاكاةﹰ أيضا للمفكر الإنساني جون بول سارتر في كتابه ما الأدب؟ عندما يستطرد في المفاهيم الفلسفية و الاجتماعية التي تعتبر منبت و مصدر المنهج النقدي الفلاني أو العلاني لعزلها بعد أن لصقت بجسد النقد الأدبي ، خصوصا في كتابيه النقديين : المذكور أعلاه مع الآخر “إشكاليات مصطلح الشعرية.”
و مشروع كهذا كان له مفعول عكسي/ سلبي ارتكاسي من حيث أريد به العكس :
تعميق الهوة بين الإدراك باللغة و الإدراك للغة فيعسر التواصل بين المنتسبين لحلقة مثل هاته ، أي حلقة اللغة التنظيرية النقدية الراقية إن جاز أن نسميها و غيرها من اللغات ، كاللغة المستعملة في تلقين علم الاجتماع مثلا ، فهو أول من دعا إلى جمع الناقد بين عدة مناهج فتأتيه أصوات من هناك : هل يخلط الناقد بين المناهج أم أن مفاهيمها تختلط عليه؟[27] و هو أول من أدخل مصطلحات نقدية فيها روح الفكاهة على غرار أسلوب المقامة ، كقوله الشُعرور بدل الشاعر و منهج التّحلِفْسي بدل التحليل النفسي ، و اللسانياتين بدل اللسانيين ، و التّفضية أي دراسة الفضاء و تكلُّفه المفردات العسيرة المهجورة الاستعمال كقوله الوَكْد بدل التأكيد ، بل يُخلط بين كلمة يعتريه و بين يعتوره المهجورة الاستعمال ، وهو مُطّلِع أكثر من غيره عن ما تعنيه التداولية و لا يتوانى عن الإتيان بمفردات مهجورة الاستعمال على المستويين العام و التخصصي للغة إذ يقول : ” اللغة عطاء قائم ،(..) ولا يبكُؤُ لجريانه غرب “[28] و تعمّد الغموض في قوله : ” إن الأسلوب ، من بعض الوجوه يشبه اللغة ( المادة التي يتكون منه).. “[29] ، و قوله يتمحّض التي ظننت في البداية أنها خطأ مطبعي ، أي يتمخض غير أن تكرارها أبان لنا أنه يريد بها معنى آخر في قوله : “(..) وخصوصا فيما يتمحّض لمسألة عدم الحُفول بالمبدع (..)” [30] فيتمحض يقصد بها يتعرض.
أما الحُفول و النقود هنا فهما على وزن شخوص / الشخصيات! أما آواليات التي يعني بها محمد مفتاح في كتابه ” النص من القراءة إلى التنظير” علاقات التعدي ، و هي مفردات ليس لها أصول في المعاجم العربية ، فهي مستحدثة ، من اختراع لغة النقد المغربي المعاصر ، والجزائريون أرادوا ” أولا ترجمة المصطلح السيميائي ، و ثانيا حصر المصطلحية في المعاجم والبحوث العربية المتخصصة ، ثم الجنوح إلى ترجمة ما استعصى نقله وفق عمليات التوليد و الاشتقاق و التعريب”[31] مثل ما فعل المغربيين وهم الآن يستدعون لندوات الخليج الأدبية ذات الشأن للاستفادة من تنظيراتهم والاستمتاع لتهجيتهم العربية على طريقتهم و في هذا القدر كفاية ، و إذا ما اعتبر الفريق الذي يكدّس المفاهيم دفعة واحدة أن ذلك سبيل البحث العلمي و الدراسات العليا المتسمة بالعمق و الجدية فإن أسلوب مرتاض المنفّر هذا يعتبره من قبيل “الأدبية” و الثورة على المتطفلين على النقد الأدبي و مناهجه . و كلاهما كمن يلقي بحجته ليتملّص ، كون أن أعمال الجزائريين في مجال النقد النظري الأدبي غير مرحّب بها إجمالا و محاصرة في القطر الجزائري و هو ما يجعل كثير من الأدمغة الجزائرية تتجاوزها إلى المنجز المشرقي.
خاتمة
خلاصة القول أن استسهال الترجمة و عدم ضبط المصطلح أكاديميا في الجزائر تحصيل حاصل لوجود إشكالية اللغة و التي لم تجد حلولا جذرية إذ كيف يحس الدارس بجذر المصطلح إن وجد أو يميز بين المشتق و المعرب أو كيف يجد مقابلا سليما للمفردة الأجنبية و هو لديه إشكالية مع اللغة العربية! و طرق التلقين لم تفد في شيء حتى بعد ستين سنة استقلال مع تطور المناهج التعليمية. لأن أساس التحكم في بديهيات التعبير بلغة عربية سليمة يقتضي توفر قاعدة ممارسة اللغة في الصغر ضمن فضاء اللغة الاجتماعي و بالنسبة لأغلب المجتمع الجزائري فإن ذلك اللسان العربي الذي يتوق إليه المعلمون و الأساتذة إما مفقود أو تخالطه لغات عدة أخرى ( الهجونة و الصفاء ) لا غرو أن المشكل يعاني منه حتى أساتذة اللغة العربية أنفسهم! رغم نباهة أصحابه و تفوقهم في اللغات الأجنبية / الفرنسية ( لا نقصد بالتحكم كيفيات كتابة الهمزة في معتل الأول و الوسط و الآخر التي يركز عليها كثيرا الأساتذة الجزائريون حتى في إشرافهم على مذكرات التخرج! و التي هناك أصلا ما هو مختلف حولها في مدرستي النحو البصرة و الكوفة ، بل هو في سلامة التعبير الناتج عن معرفة نحو و صرف الكلمات و تركيبها تركيبا يطوّعها أي يجعلها سلسة مطبوعة على اللسان فلا يلجأ الطالب بعد ذلك إلى حفظ الدرس ، بل فهمه ثم التعبير بلغته أو إلى فهمه في لغته الأجنبية كما حصل و يحصل مع كثير من الباحثين الجزائريين) و عدم التحكم ذاك هو تاريخي و اجتماعي يصيب المرء في مرحلة تعلم اللغة الأساسية و هي مرحلة الطفولة كما ذكرنا ، و ينطبق هذا المشكل في الجزائر على كثير من أساتذة اللغة العربية في التكوين العالي للأسف ، الذين ترعرعوا في سياق مختلط اللغة ــ فرنسية ، أمازيغية ، تعدد لهجي مفارق محشو بمفردات تركية تعربت تاريخيا ــ كما ذكرت أستاذة اللسانيات خولة الإبراهيمي نفسها.
أما مشكل خلق لغة خاصة بالتنظير النقدي الأدبي عندنا فليس مشكل خاص باللغة العربية بل خاصية تميزت بها جميع اللغات ، كاللغة الفرنسية و اللغة الإنجليزية ضمن نطاق ما يعرف بالفرانكفونية و الأنجلو سكسونية ، و السبب يرجع إلى توق الشعوب الفطري إلى التمايز و الاختلاف ، لكن ذلك لا يبرأ عندنا بالجزائر نسبيا عدم القدرة على تــطويـــع العربية الذي أصبح مزمن والذي يثبت ذلك مستوى الإبداع الأدبي والنقدي الجد متواضعين.
لكن مع ذلك لا يمكن أبدا الوقوف مكتوفين الأيدي أو الهروب إلى الأمام بالتغطية العمياء على البخس و الضعف كما هو حاصل فعلا. بل في الوقت الراهن الذي تتعذر فيه الحلول الجذرية لتطلبها وقتا طويلا يمتد لثلاثة أجيال أو أربعة علينا كمسئولين على اللغة العربية في كل قطاعات بلدنا الجزائر بصفة عامة و في المراحل التعليمية بخاصة التماس حلولا جدية و غير ترقيعية بما أمكن الحال. لعله في انتظار تلك الحلول الجذرية لا بد من إعادة الشراكة مع الأساتذة العرب و لِمَا لا ليس فقط لأنهم أفضل حال من الأساتذة الجزائريين لكن عند عملهم بالجزائر يمنع ذلك الأساتذة الجزائريين من المغالاة في مدح ذواتهم و إيهام تلاميذهم و طلبتهم أنهم الأفضل لغة و أدبا. بالموازاة يتم فتح دور الحضانة لمن هم في سن ثلاثة أعوام.

([1]) – باحث في قسم اللغة العربية و آدابها ، جامعة أبو القاسم سعد الله ، الجزائر.
*- اسم السيمياء يبقى في الثقافة العربية اسما محملا بدلالات غير علمية لأنه يشير إلى عالم السحر و الشعوذة. ينظر تومان عازي الخفاجي، « السيميائية الباريسية مشكلة ترجمة المصطلح و صعوبة نقل حمولته المعرفية »، ص25.
[2] – داود الشويلي ، إشكاليات الخطاب النقدي الأدبي العربي المعاصر، موقع مازونة أحلى منتدى ، دص.
[3] – سعدية موسى ، السيميائية أصولها و مناهجها و مصطلحاتها ، ص113 .
[4] – محمد بلوفي ، واقع النقد الأدبي في الجزائر مساره و إشكالاته ، موقع ديوان العرب ، دص.
*- يرجع تهميش الطاقات المبدعة الحقيقية في مجال التنظير النقدي الذي نحن بصدده أو حتى مجالات أخرى إلى إيديولوجية الجامعة الجزائرية و ولاءاتها السياسية و تحزّب النخبتين الأكاديمية و المثقفة و إلى الجهوية المنطوية على الغيرة و غياب الروح العلمية.
[5] – زهيرة قروي ، مفهوم المصطلح وآليات توليده في اللغة العربية ، ص217.
[6] – الإذاعة الجزائرية القناة الأولى ، حوار مع بول شاؤول ، 27/4/2016 ، الساعة الثانية زوالا.
[7] – غنية شوقي ، إشكالية المصطلح في مجال التنظيم الموضوعي : بين الأنجلو سكسونية والفرنكوفونية والترجمة العربية ، ص8.
[8] – خولة طالب الإبراهيمي ، قراءة في اللسانيات النصية ، ص113.
[9] – المرجع نفسه ، ص114.
[10] – خولة طالب الإبراهيمي ، عن التداولية ، ص116. و تعتبر التداولية و السيميائية بخاصة السيميائيات السردية أكثر موضوعات النقد إثارة للجدل ترجمةﹰ و تعدد مصطلحي بالجزائر و المغرب ـ لأنهما منهجين غامضين في الأصل حيث يعترف ألجريداس جريماس نفسه بتجريد و تشعب نموذجه العاملي المفضي للغموض و عسر التطبيق.
[11] – المرجع نفسه ، ص116-117.
[12] – عبد القادر بوزيدة ، فان ديك و علم النص ، ص11.
[13] – عبد القادر بوزيدة ، مدرسة ” تارتو ـ موسكو” سيميائية الثقافة و النظم الدالة ، ص184.
[14]- p33. Ferdinand De Saussure, cours de linguistique générale,
[15] – حيدر الجبوري ، إشكالية المصطلح و أثرها في تصنيف المناهج اللسانية ، ص545.
[16] – جميل حمداوي ، الاتجاهات السيميوطيقية ( التيارات و المدارس السيميوطيقية في الثقافة الغربية) ، موقع الألوكة ، ص81.
[17] – عثمان بدري ، إشكالية المعنى بين الصورة البلاغية و الصورة الشعرية ، ص175.
* ـ ينظر: عمر عيلان ، النقد العربي الجديد مقاربة في نقد النقد ، ط1 ، منشورات الاختلاف ، الجزائر 2010.
**- ” .. الناقد أصبح مطالب بمحاورة النصوص و رصد مفهوم الأدب في تجلياته وتحولاته.. صحيح أن تطور المناهج قد أفسد المجال أمام تحليل شعريات النصوص ومكونات خطابها ضمن أفق يراهن على تحقيق علمية التحليل ، لكن رهانات هذا المجال تظل نسبية مادامت العلمية الحقة متعذرة فيما يتعلق بالنص الأدبي” ينظر محمد برادة ،أسئلة الرواية أسئلة النقد، ص7.
[18] – عثمان بدري ، بناء الشخصية في روايات نجيب محفوظ ، ص17.
[19] ـ هانس روبرت ياوس ، جمالية التلقي من أجل تأويل جديد للنص الأدبي ، ص8.
[20] – رومان جاكبسون ، قضايا الشعرية ، ص7.
[21] ـــ محمد ساري ، المنهج السوسيو نقدي بين النظرية و التطبيق ، ص21-22-23-2-25.
[22] – عبد الله خضر حمد ، مناهج النقد الأدبي السياقية و النسقية ، 207-208-209.
*- ينظر طرائق تحليل السرد دراسات ، منشورات اتحاد كتاب المغرب ، ط1 ، الرباط 1992. في هذا الكتاب ترجمات لأشهر النقاد الغربيين من قبل أشهر النقاد المغاربة و تبدو ترجماتهم ملتبسة بدءا من الصفحة الأولى في العنوان و الأسطر الأولى لترجمة حسن بحراوي.
[23] – فيصل الأحمر ، الدليل السيميولوجي ، ص90-91-92.
[24] – أحمد طالب ، المنهج السيميائي بين النظرية والتطبيق، ص23.
[25] – Groupe d’entrevernes , analyse simiotique de texte,p92.
[26] – جهاد فاضل ، وجه لوجه مع عبد الملك مرتاض ، ص72.
[27] – المرجع نفسه ، ص74.
[28] – عبد الملك مرتاض ، في نظرية النقد ، ص166.
[29] – المرجع نفسه ، ص167.
[30] – المرجع نفسه ، ص193.
[31] – رشيد بن مالك ، مقدمة في السيميائية ، ص72.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق