ثقافة السرد

الهدهد والصبى وحكايات أخرى

د.محمد عبدالحليم غنيم

1- الهدهد والصبي
كان في قديم الزمان رجل صالح ، أنعم الله عليه بمعرفة منطق الطير ولغاته ، واتفق أن عرف هذا الرجل هدهدا ، وكان هذا الهدهد عاقلا كيسا مؤمنا تقيا , فازداد ما بينهما من مودة فكانا يتناصحان , وفى أحد الأيام مر الرجل الصالح بالهدهد وهو في مكان عال ، وكان مشغولا بالتسبيح بلسانه الفصيح , فنادى الرجل :
– يا صاحب التاج .. يا رسول سليمان , لا تقعد في هذا المكان , فإنه طريق كل فتان ، ومقعد أصحاب البنادق ، وملعب الصبية والأشقياء .
فحياه الهدهد وشكره ، ثم قال :
– إني عرفت ذلك ، وإنه مسلك الهالك .
فقال الرجل الصالح :
– ولماذا إذن عزمت على القعود فيه ، مع علمك بما فيه من دواهيه .
فقال الهدهد :
– أرى صبيا وأظنه غويا ، نصب لي فخا ، يروم لي فيه زفا وقد وقفت على مكائده ، ومناصب مصائده , وقد عرفت مكيدته أين هي وإلى أين هي ؟ وإلى ماذا تنتهي ؟ وأنا أتفرج عليه ، وأتقدم للضحك عليه ، وأتعجب من تضييع أوقاته وتعطيل ساعاته ، فيما لا يعود منه نفع , ولا يفيده في قفاه سوى الصفع , وأسخر من حركاته وأنبه من يمر على خزعبلاته .
فلما قال ذلك اطمئن الرجل عليه ، وتركه وذهب ليقضي حاجة ولما قضى هذه الحاجة وعاد رأى الهدهد في يد الصبي ، يلعب به لعب الخلي بالشجي ، فناداه وهو محزون لما حل بصديقه وخليله :
– يا صاحب التاج ويا رسول سليمان .. يا أبا عباد , كيف وقعت في شرك الصياد ، وكنت قد قلت لي إنك وعيت ، ورأيت ما رأيت ؟ !
فقال الهدهد :
– أما سمعت أن الهدهد إذا نقر في الأرض يعرف مسافة ما بينه وبين الماء ولا يبصر شعرة الفخ ؟ وذلك لينفذ ما كتبه الله تعالى وقدره من قضائه وقدره .
فقال الرجل :
– ولكن القضاء والقدر لا يمنع من الحذر .
فقال الهدهد :
– أنا لما اغتررت بحدة بصري ، ذهلت عما يجول في فكري ، أما سمعت قول القائل : “إذا حلت المقادير ضلت التدابير” .
فانصرف الرجل آسفا وهو يردد :
– “إذا حلت المقادير ضلت التدابير”

2- العالم الذي حزن لوفاة زوجته
كان في بني إسرائيل عالم واعظ ، مشهود له بالتقوى والصلاح ، وكان لهذا العالم زوجة صالحة تقية مثله ، وكان معجبا بها أشد الإعجاب , ولها بها , فلما ماتت وجد عليها وجدا شديدا , وأكثر من الأسف عليها , حتى خلا في البيت وأغلق على نفسه ، محتجبا عن الناس فلم يكن يدخل عليه أحد ، واتفق أن سمعت بقصته امرأة ، وكانت عاقلة لبيبة ، فقالت في نفسها :لعمري إن هذا الواعظ في حاجة لمن يعظه .
وفى اليوم التالي جاءت المرأة , فقالت لمن بالباب :
– إن لي إلى الحبر حاجة استفتيه فيها ، وليس يجزيني إلا مشافهة .
فقالوا لها :
– إن ذلك لا يكون ، لأن الحبر لا يدخل عليه أحد .
فقالت المرأة :
– مالي منه بد .
وذهب الناس ولزمت المرأة الباب ، فلما علم الحبر بقصتها ، أذن لها بالدخول ، فدخلت عليه ، وقالت :
– إني جئت أستفتيك في أمر .
فقال :
– ما هو ؟
فقالت :
– إني استعرت من جارة لي حليا ، فكنت ألبسه وأغيره ، فلبث عندي زمانا ، ثم أنهم أرسلوا إلي فيه ، أفأرده إليهم ؟
فقال :
– نعم
فقالت :
– إنه مكث عندي زمانا .
فقال :
– ذلك أحق لردك إياه إليهم حين أعاروه لك .
فقالت المرأة :
– أي رحمك الله ؟ أتتأسف على ما أعارك الله تعالى ، ثم أخذه وهو أحق به منك ؟
فأبصر الرجل ما وراء كلام المرأة ، وخرج إلى الناس وجلس بينهم ، واختلط بهم ، وتزوج منهم .

3- الأمير الذي تنكر في زي العامة
أراد أمير أن يتفقد حال الرعية بنفسه ، ويتعرف الناس على حقيقتهم ، وكان قد شعر أن ما يصله من تقارير عن حال الرعية ليس صحيحا تماما ، فتنكر في زي العامة وبدأ يمشي في الأسواق ، فعرف حال الرعية في النهار , وذات ليلة سار في الحواري والميادين ليتعرف حال رعيته ليلا ، فإذا بجماعة من اللصوص يتعقبونه وإذا به بين أيديهم ، يريدون أن يفتكوا به ، ويجردونه من ملابسه ، ففكر الأمير وكان ذا حيلة وتدبير ، فقال لهم :
– اعملوا بي كل ما تؤثرون من سوء ولا تردوني إلى يد الأمير، لأني هربت منه
وكان كبير اللصوص شيخا قديما في اللصوصية ، فرأى أن يسلمه إلى الأمير ، طمعا في هدية أو بعض مال من الأمير ، فاتفق وجماعة اللصوص على تسليم الأمير المتنكر إلى دار الإمارة , فساقوه إليها وهو يتلوى ويضطرب ويظهر الخوف والرفض ، حتى وصلوا به وهم يحملونه حملا إلى دار الإمارة ، وما أن اقتربوا منها حتى عرفهم حرس الأمير ، فقاموا لاستقبال الأمير وأسرعوا في القبض على جماعة اللصوص بإشارة من الأمير ، الذي عزم على عدم التنكر في زي العامة مرة أخرى .

4- مجير أم عامر
خرج جماعة للصيد في يوم حار ، فعرضت لهم أم عامر وهى الضبع المعروفة ، فطاردوها ما استطاعوا ، حتى ألجأوها إلى خباء أعرابي فاقتحمته ، فطلبوها من الأعرابي , فخرج إليهم وقال :
– ما شأنكم ؟
فقالوا :
– الضبع طريدتنا وصيدنا .
فقال الأعرابي مستنكرا طلبهم :
– كلا والله , والذي نفسي بيده لا تصلون إليها ما ثبت قائم سيفي بيدي .
فلما يأسوا منه، تركوه وقالوا :
– أنت وشأنك
أما الأعرابي فقام إلى الضبع فأسكنها وقدم إليها اللبن والماء فأقبلت تلغ مرة في هذا ، ومرة في هذا ، حتى عاشت واستراحت , فبينما الأعرابي نائم في جوف بيته وثبت عليه فبقرت بطنه وشربت دمه وتركته ، وجاء في تلك الأثناء ابن عم له يطلبه , فوجده على هذه الحال , فالتفت إلى موضع الضبع فلم يجدها , فأخذ قوسه وكنانته وذهب يثأر لابن عمه ، حتى أدرك الضبع وقتلها ، ثم تمثل قائلا :
ومن يصنع المعروف مع غير أهله يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر

5- العصفورة والفخ
اقتربت عصفورة صغيرة من فخ ولم تكن رأت فخا من قبل ، فقالت له :
– مالي أراك منحنيا ؟
فقال :
– لكثرة صلاتي انحنيت .
فقالت :
– فمالي أراك بادية عظامك ؟
قال :
– لكثرة صيامي بدت عظامي
قالت :
– فمالي أرى هذا الصوف عليك ؟
قال :
– لزهادتي في الدنيا لبست الصوف .
قالت :
– فما هذه العصا عندك ؟
قال :
– أتوكأ عليها وأقضي بها حوائجي .
قالت:
– فما هذه الحبة في يدك ؟
قال :
– قربان إن مر بي مسكين ناولته إياها .
قالت :
– أنا مسكينة .
قال :
– خذيها .
فدنت فقبضت على الحبة ، فإذا الفخ في عنقها ..

6- كيف أعاودك وهذا أثر فأسك

كان أخوان يرعيان إبلهما ، فيوم تجوع فيه الإبل ويوم تشبع ، وكان بالقرب منهما واد خصيب ، وفيه حية ضخمة تحميه من كل أحد يفكر في نزوله ، فقال أحد الأخوين ، واسمه “سليم” لأخيه
– يا نسيم , لو أنى أتيت هذا الوادي المكلئ فرعيت فيه إبلي وأصلحتها .
فقال له أخوه محذرا :
– إنى أخاف عليك من الحية , ألا ترى أن أحدا لا يهبط ذلك الوادي إلا أهلكته
فلم يسمع لحذر أخيه ونصيحته وهبط الوادي ورعى به إبله , فلم يمر وقت طويل حتى نهشته الحية فقتلته , فحزن نسيم لموت أخيه , وقال في نفسه : والله ما في الحياة بعد أخي خير , لأطلبن الحية ولأقتلنها أو لأتبعن أخي , ثم هبط ذلك الوادي , وطلب الحية ليقتلها ، فلما علمت الحية بوصوله أتته وقالت له :
– ألا ترى أني قتلت أخاك ؟ فهل لك في الصلح فأدعك بهذا الوادي تكون فيه وأعطيك كل يوم دينارا ما بقيت ؟!
فطمع الرجل وكاد ينسى ثأر أخيه وقال :
– أو فاعلة أنت ؟
فقالت :
– نعم
فقال مغتبطا :
– إني أفعل
فأخذت عليه المواثيق , فحلف لها وأعطاها المواثيق لا يضرها ، وجعلت تعطيه كل يوم دينارا ، فكثر ماله حتى صار من أحسن الناس حالا ، ثم بعد مدة ذكر أخاه ، فقال في نفسه كيف ينفعني العيش وأنا أنظر كل يوم إلى قاتل أخي ، فعمد إلى فأس فأخذها ، ثم قعد للحية حتى مرت به فتبعها ، فضربها فأخطأها , ودخلت الجحر . أما الفأس فوقعت بالجبل فوق الجحر و أثرت فيه ، فلما رأت الحية ما فعل نسيم , قطعت عنه الدينار . وخاف نسيم شرها وأحس بالندم على فعلته فأتاها قائلا :
– هل لك في أن نتواثق ونعود إلى ما كنا عليه ؟
فبرزت الحية من جحرها ، وقالت :
– كيف أعاودك وهذا أثر فأسك .
ثم تركته ودخلت جحرها .

7- الأمير ومدعي التصوف

كان فيما مضى من الأزمان أمير جليل القدر ، عظيم الهيبة ، نقي السريرة ، مواظبا على الصلاة والزكاة ، قائما بالأمر بالعدل في حكم الرعية , وبينما هو خارج يوما من المسجد بعد صلاة الجمعة ، استوقفه رجل في زي المتصوفة ، فوقف الأمير تعظيما وتقديرا ، فقال الرجل :
– اتق الله الذي إليه معادك وراقبه ، فقد أرعبت الناس وأخفتهم خوفا قد منعهم من صدك عن كل ما يجري مما يكره الله عز وجل ولا يرضاه وأنا لسان جماعتهم إليك .
دهش الأمير لقول الرجل ، وفى ذات الوقت أعجب بجرأته ، وأمر بالقبض عليه , ثم أرسل إلى شيوخ البلد ووجهائه فلما اجتمعوا , أخبرهم بما قال الرجل وسألهم عما أنكروه من أمره حتى أوفدوا إليه هذا الصوفي , فأنكروا جميعا أن يكونوا أرسلوا أحدا ، فنظر الأمير إلى الرجل الذي أحضر بين يديه وقال له :
– زعمت أن أهل البلد نصبوك للقول فيما أنكروه ، فما قولك ؟
فقال الرجل في ثقة وشجاعة :
– نصبني لهذا المظلوم والمقهور ممن لحقه جورك وجور أصحابك .
فقال الأمير :
– إذن أخبرني ما الذي رأيته من ظلم وجور ؟
فقال الرجل :
– منذ ثلاثة أيام وأنا أتلطف وأبحث عما قد رابني من بعض أصحابك ، حتى وقفت على أن امرأة طبالة لا سبيل له عليها تدخل إليه وتبيت عنده كل ليلة .
فقال الأمير :
– غيره
فقال الرجل :
– واشترى رجل من أصحابك أيضا غلاما أمرد فنصب له طرة و قرطقه بأشياء لا يسمح بها إلا قلب فاسق .
فاستحثه الأمير فلم يزد شيئا , فقال الأمير :
– انتهى حديثك ، وجاء حديثنا , يا هذا أنت الآن في العاجل قد دللتنا على عورتك , وأعلمتنا أن التجسس المنهي عنه ، والظن السيئ المكروه استعماله من شيمتك ، وهذا منهي عنه شرعا ، كما أن الله عز وجل ستر على عباده ، فأنا أرى أنك إلى التأديب أحوج منك إلى التأنيب , ولعل دخائلك الرزية أوضح من دخائل من فسقته ورميته بما لا يجوز في الدين أن يقطع مثله على مسلم في الحكم .
ولم يكد الأمير يتم قوله ، حتى استأذن رجل في الحديث ، فأذن له ، فقال :
– أيد الله الأمير .. هذا الرجل أعرفه وقلبي يكرهه لأن قصده أن يترأس لدنيا يصيبها بالكذب على الناس ، وأنا أشهد ومعي جماعة ممن حضر أن مسكنه الذي ينزله غصب ، وأن طعمته إخافة المستورين .
فقال معظم من حضر :
– صدق .. أيد الله الأمير
فقال الأمير للرجل :
– ما قولك أيها المدعي ؟
فلم يرد ، فأمره بخلع زي المتصوفة ، ورد ما اغتصبه , وألا يعود إلى هذا مرة أخرى .

8-العصفور الحكيم

وقع عصفور حريص حكيم في فخ ، وقبل أن يتدبر أمره فوجئ بيد الصياد تمسك به ، ففكر العصفور الحكيم وقال للصياد :
– اصنع بي الآن ما تشاء بعد أن تسمع ما أقوله لك وتفهم معناه .
فتعجب الصياد من منطق العصفور ، وقال له :
– قل ما عندك .
فقال العصفور :
– يا هذا هل عندك شك أو عند أحد من العقلاء أنه لا يسمن أكلي ولا يشبع ، ولا يغنى عن جوع ؟
فقال الصياد :
– نعم .
فقال العصفور له :
– فإن رأيت أنك لا تؤذيني ، وتطلق سراحي أعلمك ثلاث حكم أنفع لك ولغيرك ممن يسمعها منى، واحدة أقولها لك وأنا في يدك، والثانية إذا أطلقتنى وصرت قائما أمامك والثالثة إذا طرت .
فلما سمع الصياد ذلك زاد عجبه من العصفور، وقال :
– إنى أخاف أن لا تفي بما قلت .
فقال العصفور :
– أعاهدك بالله العظيم أن أوفى لك بما ذكرت .
فقال الصياد :
– اذكر لي الأولى من الحكم الثلاث
فقال العصفور :
– يا هذا ، مهما حييت لا تندمن ، ولا تتلهف على شئ قد فات .
فلما سمع الصياد هذه المقالة أعجبته ، فأطلقه وتلهف لسماع الحكمة الثانية ، وقال له :
– والثانية ؟
– مهما عشت لا تصدق بشيء لا يتصور أن يكون .
ثم طار العصفور وبعد عنه ووقف ، فقال الصياد :
– اذكر لي الحكمة الثالثة
فقال العصفور :
– بالله ما رأيت أشقى منك أيها الرجل ولا أعظم منك شقاء .
فقال الصياد :
– وكيف ذلك ؟
فقال العصفور :
– لأنك ظفرت بغناك وغناء ولدك وأهلك وذهب من يدك في أيسر وقت .
فقال الصياد :
– وما ذاك ؟
قال العصفور :
– لو أنك ذبحتني لوجدت في حوصلتي جوهرتين من الياقوت ، زنة كل واحدة منهما خمسون مثقالا ، تساوى كل واحدة منهما خراج أعظم بلد يكون للأنام .
فلما سمع الصياد ذلك اعتراه الندم واللهف وعض على إصبعه ، وقال للعصفور :
– لقد خدعتني بمقالك .
فقال العصفور :
– ألم أقل لك لا تندمن ولا تتلهفن على ما فات ؟
فقال :
– بلى
فقال العصفور :
– ألم أقل لك لا تصدق بشيء لا يتصور أن يكون ؟
فقال الصياد :
– بلى
فقال العصفور :
– يا جاهل ، ويلك , أما أنه لا يشك عاقل ، إنك إذا أخذتني و وزنتني بلحمي وريشي وعظامي ودمى وجميع ما في جوفي ما يفي وزن ذلك عشرة مثاقيل ، فكيف يكون في حوصلتي جوهرتان وزن كل واحدة منهما خمسون مثقالا ؟
ثم طار العصفور ومضى في طريقه لا يلتفت إليه .

9- ثلاث حاجات

تعبد رجل وزهد في الدنيا ، وبينما هو في معبده جاءه ملاك ، ليختبر زهده وعبادته , فقال له :
– إن الله قد أباح لك أن تسأله ثلاث مرات ، بشرط أن تسأله كل مرة حاجة واحدة لا غير ، وسيستجاب لطلبك مهما كان الأمر .
فرح الرجل وظن أن الله كافئه على زهده وعبادته ، فترك المعبد وأسرع إلى زوجته يخبرها بأمر الملاك ورضا الله عنهما ، وكانت امرأة فقيرة مثله ، ففرحت هي الأخرى ، وتوسلت إليه أن يجعل السؤال الأول لها ، فقال :
– لك ما شئت ، اسألي .
فقالت :
– يارب اجعلني أجمل نساء الدنيا ، ومن اللواتي بخطبهن الملوك .
فأمن الرجل على قولها ، فتحولت في لحظة إلى أجمل النساء ، ولكنها بعد أن صارت كذلك بدأت تحتقره ، وما إن مر أسبوع واحد ، حتى شاع خبر جمالها في طول البلاد وعرضها وعلم الملك بجمالها فاحتال بمساعدتها على الرجل واغتصبها منه وهنا دعا الرجل ربه وقال :
– يارب اجعلها أقبح نساء الدنيا ، يطردها الناس من على أبوابهم مثل طردهم الكلب الأجرب .
فاستجاب له ربه ، وتحولت الزوجة المغرورة إلى أقبح امرأة في الدنيا ، فتخلى عنها الملك وطردها من قصره وكذلك طردها الناس ، فجاءت إليه نادمة على ما فعلت باكية متوسلة ، فغفر لها ، وقبلها على الرغم من قبحها ، وكان قد بقى له سؤال واحد , فأراد أن يسأل ربه أن يغنيه ويعوضه عن أيام الفقر والحرمان ، ولكن زوجته توسلت إليه من جديد ، مقبلة يديه وقدميه ، وطلبت منه أن يسأل ربه أن يرجعها كما كانت أولا ، فسأل الرجل ربه أن يرجعها كما كانت أولا ، فاستجاب له ربه ، وعاشا كما كانا فقيرين ولكن سعيدين .

10- الدجاجة الصغيرة الحمراء

عاشت دجاجة صغيرة حمراء في منزل جميل على تل مرتفع وعاش معها فيه فأر وقطة وأرنب , وكانت الدجاجة تقوم بتنظيف المنزل صباحا وظهرا ومساء .
رغبت الدجاجة الصغيرة الحمراء أن تزرع حديقة نظيفة فقالت للقطة :
– سأزرع حديقة قريبة من المنزل
فذهبت القطة للأرنب وقالت له :
– الدجاجة فلاحة مجدة , سوف تزرع حديقة لطيفة
ذهب الأرنب للفأر وقال له :
– الدجاجة فلاحة مجدة , سوف تزرع حديقة لطيفة ناضرة بجوار المنزل
فقال الفأر :
– أين الماء ؟ وأين البذور ؟
فقال الأرنب :
– تعال ..تعال نسأل الدجاجة
ذهب الإثنان ولحقتهما القطة إلى الدجاجة , فتقدم الفأر وقال :
– أين الماء الذي تروين به الأرض ؟ وأين البذور التى تزرعينها ؟
صاحت الدجاجة وقالت :
– الماء في النهر , والبذور في الجرن , سأنشئ حديقتي بجوار النهر وبالقرب من المنزل
ثم ذهبت الدجاجة فحملت حبة بمنقارها من الفول , وعادت إلى الحقل فزرعتها , ثم ذهبت إلى النهر وحملت الماء في منقارها وروت الحقل .
صارت الحبة شجرة فول خضراء , وكبرت الشجرة فصارت مثل الفأر , وازداد نموها فأصبحت كبيرة كالأرنب , وتضاعف نموها فأصبحت كبيرة كالقطة وعظم نموها فأصبحت أكبر من الدجاجة . فرحت الدجاجة وقالت : ما أعجب شجرتي , انظر يا فأر , انظر يا أرنب , انظري يا قطة , لقد زرعت الشجرة بنفسي , فمن يساعدني الآن فى حمل الحبوب إلى المنزل . سخر منها الجميع وامتنعوا عن مساعدتها فقالت الدجاجة :
-الحديقة حديقتي والحب حبي , زرعته وحدي وسأحمله إلى منزلي وحدي
حصدت الدجاجة الحب من شجرة الفول وحملته إلى المنزل وكانت سعيدة به , لأنها تعبت فى زراعته .
قالت الدجاجة لأصدقائها الثلاثة القط والأرنب والفأر :
– تعالوا نطبخ الفول
قال الفأر :
– أنا لست طباخا
وقالت القطة :
– أخاف من النار
وقال الأرنب :
– لا أحب الفول المطبوخ
فقالت الدجاجة :
– أنا أطبخ
ثم أشعلت النار وطبخت الفول ففاحت رائحة الطبيخ , شم الفأر رائحة الفول المطبوخ , فقال:
– ما أحلاها . إنها رائحة طيبة , أنا أحب الفول سآكل الفول
وشم الأرنب الرائحة فقال :
– ما ألذها , أريد أن أذوق هذا الفول المطبوخ
وشمت القطة الرائحة فقالت :
– أنا أخاف النار ولكنى أحب الفول المطبوخ
قالت الدجاجة :
– نضج الفول .. فمن سيأكل معي ؟
قال الجميع في نفس واحد :
– أنا أنا أنا
ضحكت الدجاجة وقالت :
– الحب حبي , زرعته وحدي وحصدته وحدي وطبخته وحدي فسآكله وحدي .

11- الرجل الذي سمع كلام زوجته

اصطاد أحد الصيادين سمكة عجيبة الشكل ، ولم يكن قد اصطاد غيرها في ذلك اليوم , ففكر في عرضها على الملك عسى أن يحظى منه بهدية طيبة أو ببعض النقود التى ترضى زوجته كثيرة اللوم .
ذهب الصياد إلى الملك ورمى أمامه السمكة العجيبة ، فأعجب بها الملك ، أيما إعجاب وتغاضى عن قلة ذوق الصياد ، ثم أمر له بمائة دينار من الذهب الخالص ، فأخذها الصياد وهو يكاد يرقص من الفرح ، وشكر الملك ، واستأذن في الخروج وهو يكرر الشكر للمك .
علمت زوجة الملك بما حدث بينه وبين الصياد ، وكانت امرأة حكيمة ذات رأى ومشورة في المملكة ، فلامت الملك لوما شديدا وقالت له :
– أرسل للصياد .. وأرجع له السمكة .. إنها سمكة جميلة وعجيبة الشكل ، ولكنها لا تستحق هذا المبلغ الكبير .
فرد الملك ، وكان يقدر لزوجته حكمتها وصواب رأيها :
– ولكن كيف أرجع له السمكة وقد اشتريتها منه ؟ .. كما أن الملوك لا يجب أن يرجعوا في كلامهم !
فقالت , وكانت ذات حيلة ودهاء :
– اسأله عن جنس السمكة .. فإن قال ذكر ارفضها , وإن قال أنثى ارفضها
أما الصياد المسكين , فما إن وصل إلى منزله , وأخبر زوجته مسرورا بما حدث له مع الملك , حتى لامته أشد اللوم ، وعنفته أشد التعنيف ، وكانت امرأة قوية ذات سطوة وبطش ، وقالت له :
– إن سمكة جميلة وعجيبة كما وصفت ، تستحق أكثر من مائة دينار .. اذهب إلى الملك واسترد منه السمكة .
وكان الصياد المسكين لا يعصى لزوجته القوية أمرا , ولكن كيف يجرؤ أن يسترد السمكة من الملك ؟ فتعكر مزاجه وركبه هم عظيم , وبينما هو يفكر في الأمر جاء رسول من عند الملك يطلبه للمثول بين يديه حالا ، فخشي أن تكون السمكة أصابت الملك بسوء , مشى الصياد وراء رسول الملك وهو يرتعد من الخوف ، ولما مثل بين يدي الملك ، قال له الأخير :
– ما جنس هذه السمكة أيها الصياد ؟
فوجئ الصياد بالسؤال , ولكنه قال من خوفه :
– إنها يا مولاي خنثى لا ذكر ولا أنثى
فضحك الملك من إجابة الصياد الذكية ، وأمر له بمائة دينار أخرى , وأثناء ذلك سقط من يد الصياد دينارا منها على الأرض فانحنى ولقطه , وكانت الملكة تراقبه في غيظ , فقالت للملك :
– انظر أيها الملك إلى هذا الصياد الشحيح البخيل , لقد أعطيته مائتي دينار من الذهب الخالص , وعندما سقط منه دينار واحد , لم يتركه للخادم .
فنظر الملك للصياد في لوم وقال له :
– لماذا لم تترك للخادم ما سقط منك ؟
فقال الصياد :
– مولاي الملك العظيم , إن صورتك الكريمة على الدينار , وخفت إن تركت الدينار مرميا على الأرض أن يطأ صورنك أحد .
أعجب الملك بهذا الجواب من الصياد وضحك مرة أخرى وأمر له بمائة دينار أخرى , ثم أرسل على الفور إلى كاتبه وأمره أن ينقش العبارة التالية بماء الذهب في مدخل قصره :
” من يسمع شور زوجته تفنى دولته “

12- الأسد والأرنب

كان هناك أسد اسمه “معتز” يعيش في إحدى الغابات , وكان شديد البطش , لا تسلم الوحوش أبدا من أذاه , وقد خافت الوحوش وجميع من في الغابة من بطشه , فاتفقوا أن يكلموا الأسد , فأقبلوا في جمع منهم وقالوا له :
– أية فائدة تجنيها يا مولانا الأسد من هذا القتل بالجملة لجميع الوحوش وإعدامهم بلا هدف ولا رحمة . إن هذا إثم كبير يطيح بآمال جلالتك في نعيم العالم الآخر , وإذا لم تكف عن هذا العمل فإننا جميعا هالكون لا محالة , وسوف تستيقظ يوما فلا تجد ما تتقوت به , ومن هذا ترى أن الخطة التي تنتهجها سوف تؤدى إلى الهلاك والقضاء علينا .
ففكر الأسد قليلا وقال :
– بماذا تشيرون على ؟
فقالوا :
– لقد اتفقنا على أن نرسل لك كل يوم دابة من كل قبيلة على التوالي , فهلا صنعت فينا معروفا وقبلت .
فقال الأسد على الفور :
– لا مانع لدى
وأخذت الوحوش منذ ذلك اليوم ترسل إليه كل يوم دابة واحدة كان يلتهمها , واتفق أن أصابت القرعة أرنبا من إحدى القبائل , فبعثت به جماعة الوحوش إلى الأسد ليكون طعاما له فامتثل الأرنب للأمر , ولكنه قال لنفسه : كيف أضع نفسي بين براثن الموت ؟ إن هذا معناه أن أودع الحياة اليوم , ترى ماذا أفعل ؟ لابد من الاحتيال على الأسد ،لابد أن أصرع الأسد بالحيلة .
و انطلق الأرنب يسير في بطء شديد , فوصل بعد الموعد الذي اعتاد الأسد أن يتناول فيه غذاءه , فتميز الأسد من الغيظ وعضه الجوع بنابه , فقال للأرنب وهو يحتدم غضبا :
– ما جدوى الغضب ؟ إن أسوأ ما يمكن أن أعاقبك به هو القتل . وأنت طعامي اليوم , ولكن قل لي لماذا تأخرت على ؟
فانحنى الأرنب للأسد وقال متلطفا :
– مولاي إذا كنت قد تأخرت فقد حدث هذا لأسباب خارجة عن إرادي , فبينما أنا في طريقي إليك اعترضني أسد آخر وهم أن يلتهمني .
فازداد غضب الأسد وأمر الأرنب بالاستمرار في الحديث فقال الأرنب :
– لما هم الأسد أن يلتهمنى قلت له إنى ذاهب لمولاي الأسد “معتز” فقد وقع على الاختيار لأكون طعاما له اليوم , فقال لي ومن يكون هذا الأسد “معتز” إنه لص اذهب إليه وعد معه إلى سريعا , وسوف أنازله , ومن يتغلب على خصمه يكون من حقه أن يكون ملكا لجميع الوحوش , وهذا ما حدث يا مولاي وهاأنذا أقص ما حدث عليك وما على إلا البلاغ .
عند ذلك انتفض الأسد “معتز” وقال :
– كيف يكون هناك أسد غيري في هذه الغابة التى أحكمها بذراعي اليمنى ؟, هيا بنا وأرني هذا المحتال .
فقال الأرنب :
– ما دامت هذه رغبتك فهيا معي يا مولاي لأريه لك .
ثم أخذ الأرنب الأسد إلى بئر عميقة زاخرة بالماء الصافي وأشار إليه قائلا :
– انظر هناك , ها هو ذا !
رأى الأسد الأحمق خياله في الماء , فقال في نفسه ” إذن هذا غريمي ” وتميز غيظا وأطلق زئيره المعروف فارتد صداه على إثر ذلك من البئر مضاعفا , وصك سمع الأسد فقال في نفسه ” لابد أنه قوي جدا ” ثم وثب واندفع إلى خياله فلقي حتفه في البئر غرقا , ورقص الأرنب فرحا وعاد إلى الوحوش يبلغها بنبأ مصرع الأسد , فهللت فرحا وقدمت إليه شكرها الجزيل وعاش الأرنب في تلك الغابة مع الوحوش في سلا

13- جاورينا وأخبرينا

كان رجلان يعشقان امرأة , وكان أحدهما جميلا وسيما , وكان الآخر دميما , تقتحمه العين , فكان الجميل منهما يقول للمرأة :
– عاشرينا وانظري إلينا
وكان الدميم , يقول :
جاورينا وأخبرينا
– فكانت تدني الجميل , وتقصي القبيح , فخطر لها يوما أن تختبرهما لتختار منهما زوجا فقالت لكل واحد منهما أن ينحر شاة , ثم أتتهما متنكرة , فبدأت بالجميل , فوجدته عند القدر يجلس يلحس الدسم ويأكل الشحم , ويقول لغلمانه :
– احتفظوا بكل بيضاء ليه , يعنى الشحم
فلما استطعميه , أمر لها بكرشة الشاة , فوضعته في قصعتها ومضت , ثم أتت الدميم , فإذا هو يقسم لحم شاته , ويعطي كل من سأله , فسألته فأمر لها بأطايب الشاة , فوضعته في جانب من قصعتها ومضت , ثم رفعت الذي أعطاها كل واحد منهما على حدة . فلما أصبحا غدوا إليها , فوضعت بين يدي كل واحد منهما ما قدمه لها , وقالت كل على قدر عطائه , فقبلت القبيح زوجا وأقصت الجميل .

14- بيت النسر

سكن ملك النسور قمة جبل , وكان من خدام النسر صقر مخلص , وفى يوم جاء الصقر , وقال للملك :
– إن في أسفل الجبل فأرا ينبش وأخشى يا ملك النسور أن يظل الفأر ينبش فيسقط الجبل , وتقع قمته , ويتهدم بيت النسر العظيم ويموت أولاد النسر الأعزاء .
– فقال الملك للصقر المخلص :
– نحن معشر النسور لا نحط على الأرض , ولكن نطير نحو السماء
فألح عليه الصقر أن يتريث ويشاور وزراء مملكته خوفا على بيت النسر , جمع النسر وزراء المملكة وشاورهم فيما يقوله الصقر فهزئوا به , وسخروا منه , ثم استأذنوا ملك النسور أن يعاقبوا “الصقر” فأذن الملك بعقابه .
وبعد عقاب الصقر حدث زلزال ورجت الأرض رجا , واهتز جبل النسر بين قمته وجحر الفأر , حينذاك أدرك ملك النسور صدق الصقر في نصحه , ولكن هيهات هيهات ؛ لقد ضاعت الفرصة , وتناثرت قمة الجبل وانهار بيت النسر العظيم ومات أبناء ملك النسور الصغار
15- الحق والباطل
اصطحبا الحق والباطل في سفر , فمشيا مليا , فلما جن الليل نزلا مكانا يأويان إليه , وعند الصباح قال الباطل للحق :
ـ اذهب فأتنا بشيء نفطر عليه .
فذهب الحق فطلب حلالا من الطعام , فلم يجد شيئا فرجع إلى الباطل خاليا , قال له الباطل متعجبا :
ـ ما صنعت ؟!
فرد الحق آسفا :
ـ لم أجد شيئا حلالا .
فقال الباطل :
ـ اجلس حتى آتيك .
ثم ذهب فلم يلبث إلا يسيرا وعاد ومعه طعام وفير وهو يقول في سخرية للحق :
ـ كلْ
فقال الحق :
ـ ما آراه من حلال ولست بآكله .
عند ذلك قال الباطل حانقا :
ـ بعثتك لتأتيني بشيء فلم تجد شيئا , فلما ذهبت أنا وجئت بما نفطر عليه و قد كدنا نهلك , حرمته علىً .
وطال النقاش بينهما واحتدم فتنازعا , ثم وثب الباطل على الحق فقتله , ففكر في الأمر وقال لنفسه ” إن أهل الحق قد علموا أنه قد خرج معي ولا بد لهم أن يطلبوني به ” فأسرع إلى كومة كبيرة من الحطب فألقاها على جثة الحق وأضرم فيها النار , حتى صارت رمادا , ثم ذهب وتركها , فجاء أهل الحق فقالوا :
ـ أين الحق ؟
فقال لهم الباطل :
ـ لا علم لي به ! وأنكر وجوده
فقالوا :
ـ معك خرج .
فقال :
ـ نعم ولا أدري أين هو ؟
فخرج أهل الحق يبحثون عنه حتى وقعوا على الموضع الذي أحرق فيه , فقالوا هذا رماد الحق , نشم فيه رائحته , وهذا موضع ناره حيث أحرقه الباطل , فجمعوا رماده وصنعوه مدادا يكتبون به , فهذا ما بقي من الحق , أما الحق نفسه فقد ذهب .

16- اللهم كما فرحتهم في الدنيا فرحهم في الآخرة

كان عبيد الله بن عمر ، المعروف بالفقيه العمري نسبة إلى عمر بن الخطاب من أعبد أهل الحجاز ، وكان معاصرا لأبى جعفر المنصور وكان بينهما مكاتبات يعظ فيها الفقيه الخليفة , واتفق أن رحل الفقيه العمري إلى بغداد فرأى فتيانا في زورق وهم يشربون ويقصفون غير مستترين بشيء من ذلك , فقال له أصحابه :
ـ أما تنظر إلى هؤلاء , كيف يجاهرون بالمعاصي ولا يستترون بالشراب , ادع الله عليهم أن يهلكهم ويعجل لهم بالعقوبة . فقال :
ـ ارفعوا أيديكم
فرفعوا أيديهم ملبين , فقال :
ـ اللهم كما فرحتهم في الدنيا فرحهم في الآخرة .
فبلغ ذلك الفتية , فأقلوا عما كانوا فيه , ونفعهم الله بدعائه وببركة دعائه .

17- قم عني فلا أراك بعدها

كان أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم المعروف بذي النون المصري رجلا صالحا متصوفا , فصحبه إنسان ولزم خدمته مدة يتلقى علمه ثم طلب منه ذلك الإنسان يوما أن يطلعه على اسم الله الأعظم فماطله ذو النون, ثم أمره أن يحمل عنه طبقا مغطى إلى شخص بالفسطاط، فلما بلغ الرجل الجسر قال في نفسه : يوجهني ذو النون بهدية إلى رجل في طبق ليس فيه شيء , لأبصرن ما فيه , فكشف الغطاء فإذا فأرة قد قفزت من الطبق فذهبت , فاغتاظ الرجل وقال في نفسه : يسخر بي ذو النون ورجع إليه وهو في أشد الغضب فلما رآه ذو النون وعرف القصة , قال :
ـ يا مجنون ائتمنتك على فأرة فخنتني , فكيف لو ائتمنتك على اسم الله الأعظم ، قم عني فلا أراك بعدها .

18- من ساعة إلى ساعة فرج
غضب الملك على وزيره لوشاية , وكان الوزير معروف بالحكمة , أما الملك فكان كريما نبيلا , ولكنه كان قاسيا شديدا , فسجن الوزير الحكيم في بيت كالقبر وصفده بالحديد , وألبسه الخشن من الصوف , ثم أمر أن لا يزاد من الطعام في كل يومين ما لا يزيد عن رغيفين من الخبز وكف ملح جريش ودورق ماء , وأن ينقل إلى الملك كل ما يتلفظ به الوزير في سجنه .
أقام الوزير الحكيم في سجنه المحكم شهورا دون أن تسمع له لفظة , فعجب الملك وقال :
ـ أدخلوا عليه أصحابه ومروهم أن يسألوه ويفاتحوه الكلام وعرفوني ماذا قال !
فدخل عيه جماعة من خاصة أصحابه , فقالوا له :
ـ أيها الحكيم لا نراك في هذا الضيق والحديد والشدة التي دفعت إليها , ومع هذا فإن سحنة وجهك وصحة جسمك على حالها لم تتغير فما السبب في ذلك ؟
فقال ك
ـ إني عملت جوارش (كرات) من ستة أخلاط فآخذ منه كل يوم شيئا , فهو الذي إيقاني على ما ترون
فقالوا :
ـ صفه لنا , فعسى أن نبتلي بمثل بلواك أو يبتلي أحد من إخواننا فنستعمله أو نصفه له
فقال الحكيم :
ـ الخليط الأول الثقة بالله والثاني أن كل مقدر كائن , والثالث الصبر خير ما استعمله الممتحن , والرابع إن لم أصبر فأي شيء أعمل ولم أغن على نفسي بالجزع , والخامس قد يمكن أن أكون في شر أصعب مما أنا فيه , والسادس من ساعة إلى ساعة فرج .
فلما أخبر الملك بقوله , عفا عنه وأعاده إلى ما كان عليه .

19- العابد الذي عمل مع أستاذه
ضيق على رجل عابد ، فلبث سبعا لم يطعم هو وعياله ، فقالت له امرأته :
ـ لو خرجت فطلبت لنا شيئا .
فخرج فوقف مع العمال ، فاستؤجر العمال وصرف الله عنه الرزق ، ولم يستأجره أحد , فقال في نفسه : والله لأعملن اليوم مع ربي فجاء إلى ساحل البحر فاغتسل ولم يزل راكعا ساجدا حتى أمسى وأتي أهله , فقالت امرأته :
ـ ماذا صنعت ؟
قال :
ـ قد عملت مع أستاذ لي وقد وعدني أن يعطيني أجرتي .
وفي اليوم الثاني غدا إلى السوق ، فوقف مع العمال ، فاستؤجر العمال وصرف الله عنه الرزق ، ولم يستأجره أحد , فقال ” والله لأعملن اليوم مع ربي” فجاء إلى ساحل البحر فاغتسل ولم يزل راكعا ساجدا حتى أمسى فأقبل إلى منزله ، فقالت له امرأته :
ـ ماذا صنعت ؟
فقال لها :
ـ إن أستاذي وعدني أن يجمع لي أجرة أمس واليوم .
فلم يعجب المرأة هذا الكلام , فخاصمته وبرزت عليه ، ولبث هو يتقلب في فراشه ظهرا لبطن وبطنا لظهر ، وصبيانه يتضاغون جوعا ، وفى الصباح غدا إلى السوق ، فاستؤجر العمال وصرف الله عنه الرزق ، ولم يستأجره أحد , فقال ” والله لأعملن اليوم مع ربي” فجاء إلى البحر فاغتسل ولم يزل راكعا ساجدا حتى قال ” إلى أين أمضي وقد تركت العيال يتضاغون من الجوع وامرأة غاضبة ” ثم تحامل على نفسه على جهد منه , فلما قرب من باب داره سمع ضحكا وسرورا وشم رائحة قديد وشواء ، فأخذ على بصره وقال ” أأنا نائم أم يقظان ” ؟ تركت أقواما يتضاغون جوعا وأشم رائحة قديد وشواء وأسمع ضحكا وسرورا , ثم دنا من باب داره , فطرق الباب , فخرجت امرأته حاسرة قد حسرت عن ذراعيها وهي تضحك في وجهه , ثم قالت :
ـ جاءنا رسول أستاذك فآتانا بدنانير وكسوة وودك ودقيق , وقال إذا جاء فلان فاقرءوه السلام وقولوا له إن أستاذك يقول لك قد رأيت عملك وقد رضيته ، فإن أنت زدتني في العمل زدتك في الأجرة .

20- ولزم الرجل العبادة
روي أن رجلا أتى إبراهيم بن أدهم , فقال : يا أبا إسحاق إني مسرف على نفسي فأعرض على ما يكون لها زاجرا ومستنقذا ، فقال إبراهيم بن أدهم :
ـ إن قبلت خمس خصال وقدرت عليها لم تضرك المعصية ولم توبقك لذة .
قال الرجل :
ـ هات يا أبا إسحاق
فقال :
ـ أما الأولى فإذا أردت أن تعصي الله عز وجل فلا تأكل رزقه .
فقال الرجل :
ـ فمن أين آكل وكل ما في الأرض رزقه ؟
فقال :
ـ يا هذا أفيحسن بك أن تأكل رزق ربك وتعصيه ؟
فقال الرجل :
ـ لا .. هات الثانية .
فقال :
ـ وإذا أردت أن تعصيه فلا تسكن شيئا من بلاده .
فقال الرجل :
ـ هذه أعظم من الأولى يا هذا إذا كان المشرق والمغرب وما بينهما له فأين أسكن ؟
فقال :
ـ يا هذا أفيحسن بك أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه ؟
فقال الرجل :
ـ لا .. هات الثالثة,
فقال :
ـ وإذا أردت أن تعصيه وأنت تحت رزقه وفي بلاده فانظر موضعا لا يراك فيه فاعصه فيه
فقال الرجل :
ـ ما هذا وهو يطلع على كل ما في السرائر ؟
فقال :
ـ يا هذا أفيحسن بك أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه وهو يراك ويعلم ما تجاهر به ؟!
قال الرجل :
ـ لا .. هات الرابعة .
فقال :
ـ إذا جاءك ملك الموت لقبض روحك فقل له أخرني حتى أتوب توبة نصوحا، وأعمل لله صالحا .
قال الرجل :
ـ لا يقبل مني
فقال :
ـ ياهذا فأنت إذا لم تقدر أن تدفع عنك الموت لتتوب , وتعلم انه إذا جاءك لم يكن له تأخير , فكيف ترجو وجه الخلاص ؟
قال الرجل :
ـ هات الخامسة
فقال :
ـ إذا جاءك الزبانية يوم القيامة ليأخذوك إلى النار فلا تذهب معهم .
قال الرجل :
ـ إذن لا يدعوني ولا يقبلون مني .
فقال : فكيف ترجو النجاة إذن ؟
قال الرجل :
ـ يا إبراهيم حسبي حسبي أنا أستغفر الله وأتوب إليه .
ولزم الرجل العبادة حتى فارق الدنيا .

27

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق