ثقافة السرد

صـلاة

 عبد القادر جلاجل

هدر صوت الطائرات من بعيد، غارة جديدة ، وكعادته لاذ محمود بأنقاض بيت قصي في طرف المدينة اتخذه مصلى له، ينقذه من صوت الحمم المتساقطة وعويل النساء والاطفال وصراخات الرجال وهو يتراكضون ويهربون ذويهم في كل اتجاه ، ويلتقطون المصابين من تحت الردوم ..
ركض محمود بين الازقة المنهارة وهو يتخطى ويتعثر بالحطام ، ويرفع رأسه نحو السماء بين كل خطوة واخرى، كي يشهد اطلالة مقدمة السرب ، احيانا كثيرة تكون اربع طائرات تتقدمها خامسة ، واحيانا قليلة تكون اكثر من ذلك او اقل، وفي مرات قليلة ، كانت تهب عليهم طائرة واحدة ، تقذفهم ببراميل ملتهبة .
حجم الهدير القادم من الجنوب يوحي بأنها غارة كبيرة والصوت يقترب اكثر، كان الصوت حين سمعوه اول مرة بداية الحرب ، يشبه صوت غليان الماء ، وفي تلك البداية ، كانت الطيور المختلفة ، الحمام والشحارير والغربان .. تملأ قبة السماء فزعة حين تهدر الطائرات قادمة ، ومع مرور الأسابيع ، اختفت الطيور ، وأمسى الازيز الهادر يتدحرج من اقصى الأفق منفردا ، فيخرج الناس من بيوتهم هاربين ..
حث خطواته وهو يعد بعينيه لاهثا ما تبقى بينه وبين مصلاه .. يخشى الا تسعفه المسافة المتبقية ، ويدركه الضجيج قبل الوصول ..
حين بلغ المدخل تناهى الى مسمعه اول انفجار، اعقبته صرخة هائلة .. ، وتليتها موجة الصرخات والاهات والصلوات ونواح الأطفال .. ثم دخل البناء المتهالك فصمت كل شيء .. ، خلف الصراخ والانفجارات والصياح والبكاء والازيز وكل الجحيم خارج المصل .. ونعم اخيرا قلبه بالراحة ، فانطرح بجانب عمود وسط الغرفة التي هيئها لصلاته، وتلذذ بالصمت والبرودة التي تملأ المكان… انه مكان الله ، وهنا ينقذه الله باستمرار من الموت الزاحف في كل مكان بالخارج .. ، يوشك ان يتلمس يد الله وهي تتناول يده حين يدخل ، فتسحبه الى الداخل ، كأنها تستله مما كان فيه ، وتودعه الى داخل الجنة . ..
من نافذة الغرفة أطل وجه السماء صافيا لا يكدره شيء ، وتحت قدمي محمود وهو قائم يصلي، كانت الارض ساكنة وديعة ، كأنها ليست نفس الارض التي تتزلزل خارجا .. ، وكان السماء ليست نفس السماء التي تشتعل بالنيران غير بعيد ، في انحاء جسده سرى طعم الطمأنينة والرضا، ومع كل اية او تسبيحة ، كان جسده كله يؤخذ بنشوة النجاة، ويرتفع متصلا اكثر بملكوت الله في فردوسه النقي الطاهر الخالي من اية ضوضاء او مناظر للصخب والفوضى .
انهى الرجل صلاته ولم يدر كم مضى عليه فيها ، انها تطول حسب توقعه لطول كل غارة وطول العويل والنواح الذي يتبعها ، قبل ان يجزر الليل الاناة والتأوهات الى جحورها ، ويمسي صوت المدينة حينها اشبه بهدير موج خافت .. ، قرفص محمود ورفع يديه ليدعو دعاءه الأخير قبل العودة الى المدينة ، ولكن شيئا ما وقف بينه فجأة وبين ربه ، هدير المدينة هذه المرة اعلى من المعتاد ، الريح تنشج بطعم اقسى مرارة ، ورائحة الجثث تصعد من كل صوب، انه يستطيع تخيل تلك الرائحة وقد صارت ارتالا زاحفة ذات عيون وقوائم ، اندفعت من اعلى التلال وتدفقت عبر الازقة والشوارع واختلطت برائحة الدموع والتراب والدماء والدخان والفراغ ، ثم وصلت الوادي محملة بكل البقايا والاشلاء والاسمال والدموع والاوجاع والدماء ، وهي الان تحاصر مصلاه وتتراكم وتنطلق متسلقة صاعدة فوق الجدران وتكاد تثقل السقف لتهوي فوق رأسه ..
احس محمود برعب فضيع لحظتها، بدت الجدران كأنها تتحرك نحوه ، تلفت حوله كالملدوغ ، وتصبب منه عرق انساب حول عنقه وكتفيه كأفاع قذرة سوداء ، اغمض عينيه ليرى الله ، غير انه لم ير سوى عيون فاغرة وأشداق تسيل بلعاب اصفر، فانتبه فزعا وقد احس بأن كيانه يسحق من الداخل بقسوة وعنف ، هب هاربا باتجاه الباب ، فسدت عليه الطريق اطراف مقطعة وبطون مبقورة ، فارتد مفطور القلب من الهلع ، تلفت يمينة ويسرة .. فكانت ارتال الألم والموت تحيق به من كل صوب .. عاد ركضا ناحية محرابه ، فواجه الحائط في الزاوية الضيقة متجمعا حول نفسه ، واضعا يديه على اذنيه ، لكن الموج الزاحف للبقايا المقطعة المبتورة والدموع المنصهرة والدماء المحترقة تسلقه واخذ بالصعود على كتفيه ، فأطلق محمود صرخة وهو يرفع يديه الى السماء .. .. اين ذهبت يا الله ؟؟؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق