ثقافة السرد

آمال وآلام

احمد اعراب 

اضواء باهتة، انهكها السهر طول الليل، تكلل أعمدة متراصة على جنبات الكورنيش .البحر هدات امواجه على حين غرة مع اطلالة فجر يوم جديد. نوارس حزانى على الصخور المجاورة بعد ان انهى الموج المنكسر فوقها مراسيم احتفالاته الليلية الصاخبة . كالعساكر كانت تقف صفا واحدا وهي تستعد لا ستقبال اشعة الشمس الدافئة الزاحفة بين ما تبقى من حلكة ليل شتوي طويل بارد.
نساء تسللن من مضاجعهن متسترات بغبش الفجر, عن العيون المتربصة بمؤخراتهن المكتنزات المتواريات خلف سراويل ضاقت بما احتوته حتى كادت لا تفي بالغرض، يمارسن الرياضة بحثا عن الرشاقة وجمال المنظر بعد ان تهدلت الاجساد وترهلت عضلاتها، وسكنت بين عظامها امراض الروماتيزم وارتفاع الضغط وداء السكري كذلك. بعض شباب يركضون. يلاحقون بعيون نعسى ارداف النساء الصغيرات والشابات ، يستمنون على الهواء بعيدا عن دفيء تلاقي الأفخاذ وحرارة الاجسام . سيارات اجرة تقتنص بعض من تأخر بهم الزمن في المرقص الليلي جهة الغرب غير بعيد من هنا. – تقدمنا وتقدم بنا الزمن واصبحت لنا كالنصارى مراقص ليلية تشهد على الحداثة والعيش الكريم والازدهار- هذا ما كان يردده احد الاصدقاء ، ببعض المرارة -. كان الشاطئ يستعد لاستبدال ثوبه الليلي الاسود بثوب يليق باستقبال قرص الشمس الزاحف عليه من جهة الشرق.
تسللت بعض خيوط اشعة الشمس تدغدغ حبات الرمل المبللة بمياه البحر .في الزاوية الضيقة اسفل الجبل الجاثم على الشاطئ .كلاب على غير عادتها تنبح وتحدث ثقوبا في جدار الصمت الذي يلف الجوار في مثل هذا الوقت من النهار. وكان نباحها شبيها بنواح النساء ، مسترسلا وبدون انقطاع. اخذني الفضول وقادني مع من كان هناك من شباب ونساء، في اتجاه نباح الكلاب . ارتعدت الاجسام لهول ما رات الاعين فعلا الصراخ والصخب. كانت الكلاب تحوم حول جثة مضرجة بالدماء وقد باتت ترتطم بحجارة الجبل المسننة بعد ان تلاعبت بها الامواج ولفظها البحر منزوعة الملابس وعورتها مكشوفة لا يسترها شيء.
سرت في جسدي قشعريرة وارتعدت فرائصي كما لم يحدث لي ابدا . كنت اسمع والناس ايضا يسمعون من حين لآخر عن ضحايا قوارب الموت العابرين للمتوسط في اتجاه الفردوس للعيش في أمن وأمان وسط النصارى والنصرانيات الشقراوات الزرقاوات العيون ، وكنت اعرف كما الناس يعرفون ، ان الانتقال من ارض الاجداد الشحيحة ، قليلة فرص الشغل وموارد الرزق، للعيش في فردوس ارض النصارى ، قد يكلف الانسان حياته ان اضطرب البحر واشتد هيجناه واصبحت امواجه كالجبال تطوي بين جناحيها القوارب الصغير ة المكتظة بالأجساد البشرية المكدسة فيها بعضها على بعض، وما رايت ابدا بأم عيني جثة ملقاة على رمال الشاطئ والكلاب تحوم حولها دون ان تقترب منها. الناس من حولي ، ولهول المشهد يهللون ويحوقلون ، والنساء يبكين في صمت .
ارتفع قرص الشمس عاليا ساطعا جهة الشرق . القت احدى النساء بلحاف كانت تحمله فوق كتفيها على الجثة لستر عورتها المنكشفة اكثر على ضوء النهار . كان الهالك شابا في مقتبل عمره لم ينه عقده الثالث بعد . كان حليقا الوجه ابيضه وشارب دقيق يعلو شفتيه . والناس حائرون يتساءلون ، تقد م شاب في مثل عمره ، أزاح اللحاف عن وجهه ، فكانت المفاجأة . تسمر الشاب في مكانه كالمصعوق . ابتلع لسانه ولم يعد قادرا على الكلام. خيم الصمت زمنا بدا كأنه الدهر كله ، وحده كان يسمع صوت الموج المنكسر على الشاطىء. الكلاب ، كفت عن النباح وبدت متحسرة ، متألمة كما الناس من حولها.
بعد حين سرت همهمات بين الحاضرين . علا صوت احدهم يسأل ذاك الشاب . هل تعرفه؟ فأجابه صابر على الفور وقد خفت آثار الصعقة عليه . ومن منا لا يعرفه . انظروا اليه جيدا لتتبينوا هويته . ملامحه وصفاته ليست غريبة . انه واحد منكم ، بل منا .
كان اسمه نادر ، من خيرة ابناء اهالينا ، كان واحدا ممن طوح هذا الزمن اللئيم الزنيم بأحلامهم وألقى بها بعيدا وراء البحر ، لتصدق عليهم قولة طارق بن زياد المشهورة : العدو أمامكم والبحر وراءكم ، فاين المفر. كان شهما ابيا لا يرضى لنفسه الذل والهوان ، يسعى وراء لقمة عيش هنية بعيدا عن العيون المتربصة بأحلامه الكاتمة لأنفاسه كالسيوف المسلطة على الاعناق. كان ، كما الناس من اهالينا ، يرفض ان يعيش غريبا في وطنه ، متهما مشكوكا في هويته مسلوب الحرية والكرامة ، لا حق له في الكلام ، حتى وان آلمته عضة الجوع. كان كادحا يطارده شبح الفقر والبؤس حيثما حل وارتحل، كما يطارده صقيع الزنازين كلما علا صوته مستنكرا واقع العبودية والاستغلال المتستر وراء الشعارات الزائفة والخطابات الناهلة من معين لغة الخشب التي تبثها الاجهزة الاعلامية ، المتستر وراءها مصاصو دماء الفقراء والبؤساء، الناهبين لخيرات الوطن ، الحاكمين عليه بالتخلف والتأخر عن ركب الحضارة البشرية .
كان ينحدر من احدى القرى النائية البعيدة وراء الجبال الملتفة حول المدينة ، احدى القرى التي يحتويها الضباب نهارا والظلام ليلا ضدا عن قوانين الطبيعة القاضية بتعاقب الفصول وتغير احوال الطقس ، لتتحول معها احوال الناس. قرية ما زال اهاليها يركبون الحمير والبغال في تنقلاتهم ولا يعرفون من اشكال السيارات وانواعها غير سيارة رجال الدرك الملكي تاتيهم عبر مسالك وعرة من زمن لآخر تجر وراءها الويلات وشبح القمع غير المتستر وراء اي قناع. لا مدرسة بها ولا مستوصف لمداواة جراح الناس، ولاكهرباء ينير ظلمة الليالي الطوال وحلكة الزمن اللئيم ، قرية هجرها اغلب سكانها لتغذية احزمة البؤس المتناثرة حول المراكز الحضرية القريبة والبعيدة .
وهو القادم من القرية ، لم يكن نادر صاحب مهنة او حرفة تيسر له سبل الاستقرار وتصد عنه عاديات الزمن ونوائبه . كان شابا قوي البنية، صلب العود شأنه شأن أغلب ابناء البادية يعمل بجد وإخلاص، لا يغش في عمله ولا يرغب الا في كسب حلال طيب من عرق جبينه ، لا ينعم بطعم الراحة الا متى آوى الى فراشه ليلا . احتوته دوامة الكدح والقت به في احضان البؤس ينخر عظامه ويطعم لحم اكتافه، ولا خلاص ولا دواء للفقر. كان رحمه الله حريصا على العناية بمظهره حتى يكون مرآة تعكس الجانب الخفي منه . طيبا كان، مستقيما صاحب قيم ومبادئ راقية عرف بها بين جميع من عاشروه من قريب او بعيد . كان يفشي السلام ويزرع الحب والمودة من حواليه . احبه الجميع. كان نموذجا بين أترابه ، آمن برسالته ومكانته العائلية ، خاصة بعد وفاة والده الذي كان له صديقا وشريكا في تدبير شؤون عائلتهما الصغيرة المتكونة من أب وأم وأختين اصغر منه سنا ، يؤويهم منزل صغير بحارة الاهالي ،تمكنوا من بنائه على فترات على حساب نفقات الملبس والماكل ومصاريف تدريس أخوتيه البنات. وكان ذلك طبعا قبل ان تستعر سوق العقار ومواد البناء وتصبح في غير متناول الفقراء والبسطاء.
عمل نادر عاملا مأجورا ، متنقلا من ميدان لميدان ، قبل ان يستقر في عمله الاخير ، بحارا في قارب من قوارب الصيد . ولما اضحت أجرته غير كافية لصد شبح الجوع عن عائلته ، بعد ان تراجعت ايرادات الصيد البحري المعتمد على الوسائل والطرق التقليدية ، فكر في المغامرة بحياته وركوب البحر الابيض المتوسط للعبور الى البلاد الاوربية التي يحكي عنها العائدون منها سالمين غانمين وآثار رغد العيش بادية على وجوههم المتسترة وراءها حجم الويلات والمعاناة التي عاشوها قبل ان تتحقق لهم شروط الاستقرار هناك . راودته فكرة الهجرة وتمكنت منه بعد صراع مرير عاشه بينه وبين ذاته ، حسمه أخيرا بالانتصار لراي الهجرة وهو مدرك لما ينتظر امه وأختيه من معاناة في غياب رجل يملأ عنهن البيت ويصد عنه عيون المتربصين بشرف الارامل وبناتهن . كان يفكر ، ان استقر به المقام هناك في ذاك الفردوس الموعود ، ان يعمل ليل نهار ليجمع ما يكفي من المال للارتقاء والخروج بعائلته من دوامة الفقر والبؤس والحرمان. كان يحلم بتدارك ما تبقى من انسانيتها وكرامته التي توارت وراء غلالة البؤس والحرمان. كان يحلم بشدو العصافير في الحديقة خلف البيت…
ختم صابر حكايته عن نادر بقوله ، كم عدد الذين لم يلفظهم البحر ، او ربما لفظهم في شواطئ اخرى ، ولم يتعرف عنهم أحد . جماعات تزيد عن ثلاثين او اربعين فردا ، يتسللون تحت جنح الظلام ، يركبون أهوال البحر ،حتى اذا اشتد هيجان البحر وعلا موجه ، وتعالت صرخات الاستغاثة. انقلب القارب ليتخلص من حمولته وتلاعبت الامواج العاتية بالجميع ، بالقارب ومن كانوا على ظهره. ولا من يغيث . كلت السواعد ، شبح الموت يرفرف بجناحيه ويحوم حول الغرقى ، إيذانا بدنو الآجال ، امتلأت الافواه بالماء المالح وكفت عن الصراخ واستسلم الجميع للقدر المحتوم .
تجهمت الوجوه وخرصت الألسن وتوارى الجميع خلف ستار الصمت ، وانتصب السؤال في وجه الجميع شبحا مخيفا ، مستفزا ، يعتصر افئدة مثخنة بالجراح. متى تنتهي هذه الماسي ، متى يرحل هذا الشبح المخيف المتربص بشبابنا .
حضرت سيارة الوقاية المدنية. القيت الجثة بداخلها . اطلقت صفاراتها ، وانطلقت الى حيث مستودع الاموات لاستكمال اجراءات ما قبل الدفن بكتابة التقرير الطبي واستصدار رخصة الدفن متى جاء اهل الجثة يطلبونها لتوارى التراب . في الغد ، جمهور غفير من سكان المدينة ، تجمهروا عند باب المستشفى ، يطلبون استلام الجثة لحملها الى مثواها الاخير . في البداية تمنعت ادارة المستشفى . هتف احد المسؤولين يسال عن اهل الهالك ليوقع محضر الاستلام . تحرك ذاك الحشد الهائل الذي لم تشهد له المدينة مثيلا فيما مضى. ازدحام وتدافع ،امتلأت بهم ساحة المستشى والممرات ، اقتحموا الادارة ، اشتغلت الهواتف ، دقائق معدودة كانت كافية لانهاء المشاورات والافراج عن الجثة ، في صمت رهيب ، انطلق الموكب شلال هادرا من بني آدم ، لا يرى له اول ولا آخر، في اتجاه مقبرة الشهداء . ووري نادر الثرى ، رفعت اكف الضراعة الى السماء ، والعيون شاخصة ، ناظرة يغشاها الدمع غير مبصرة ، اللهم تغمده برحمتك واسكنه فسيح جنانك، وابدله دارا خيرا من داره ، واهلا خيرا من اهله . ومن هنا كانت البداية ، لا موت في البحر بعد اليوم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق